يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


حرمان أهل البلاد من الثروة والوظائف، وممارسات التنكيل بالأهالي وعمليات القتل المتواصلة، هي ما كان يفعله العثمانيون على مدار 400 عام احتلوا فيها صربيا، ما جعل مشاعر الكراهية تنمو لدى الشعب الصربي ضد الأتراك، حتى انفجرت في حرب البلقان الأخيرة. 

أربعة قرون من الاحتلال لم يقدم فيها العثمانيون إلا مثالا سيئا عن الإسلام، وهم يرفعون شعارات تدعو لسفك الدماء، ما تسبب في تشويه الدين السماوي الذي يدعو إلى السلام والتراحم، ومن ثم أحجم الناس عن اعتناقه باستثناء أعداد قليلة قررت أن تنجو بحياتها خوفا من سطوة الأتراك الذين أطلقوا على عملياتهم الوحشية الاستعمارية في الصرب "فتح إسلامي". 

الإمبراطور دوشان
العثمانيون  الجدد يعيدون كتابة تاريخ أجدادهم، بشعارات دينية بهدف رسم صورة مقدسة عن الأتراك القتلة، ومن ثم استغلالها للترويج في مشاريعهم التوسعية  بهدف السيطرة على العالم الإسلامي.

سيرة أول زعمائهم عثمان بك بن أرطغرل تفند الصورة الكاذبة،  أول أعماله العسكرية كانت تجنيد محاربي الحدود الإغريق الباحثين عن المال والغاضبين من تخاذل بيزنطة، ليرفع عدد جيشه من 400 مقاتل إلى 4000، ما يعني أن الجهاد العثماني لم يكن إلا ستارا للغزو والحصول على الغنائم بعيدا عن الإسلام.

الثروة والسيادة، إضافة إلى استغلال فرسان الصرب المسيحيين في الجيش العثماني هو ما هدف إليه آل عثمان من احتلال صربيا. 

ضربة البداية جاءت عن طريق دوشان ملك الصرب (1346-1371) الذي أقام إمبراطورية كبيرة وحمل لقب "سيد الإمبراطورية الرومانية جمعاء" ووضع نصب عينيه انتزاع القسطنطينية من البيزنطيين، ما جعله يحاول الحصول على مساعدة البنادقة لكنهم خذلوه.

دوشان لجأ للحصول على ما يريده من أورخان أمير العثمانيين الوافد الجديد إلى أوروبا واقترح عليه إقامة تحالف مشترك وعرض عليه تزويج ابنته من أحد أبنائه ووافق أورخان.

حاكم بيزنطة كنتاكوزين نجح في إجهاض الخطة باعتراض رسل أورخان وقام بقتل البعض وسجن الباقي ومصادرة الهدايا المبعوثة إلى دوشان فلم يعد للتحالف ذكر.

أول صدام العثمانيين مع الصرب وقع عام 1350 حين طلب كنتاكوزين مساعدة أورخان لصد هجوم القوات الصربية بقيادة دوشان. أورخان عبر البوسفور وبقوة 20 ألف فارس نجح أورخان  في طرد الصرب من سالونيكا.

عام 1353 حاز أورخان على قلعة تزيمب هدية من كونتكازين لقاء خدماته المتعددة وكانت تلك أول مستعمرة للعثمانيين في أوروبا. 

فرسان الصرب
مراد اتبع سياسة إبقاء الوضع كما هو عليه في البلقان، عدد العثمانيين كان  قليلا مقارنة بالمسيحيين بجانب أن سكان البلقان المخلصين لديانتهم  ينتمون إلى أعراق متعددة، ما جعل  مراد يقرر عدم المخاطرة بالغنائم والأملاك الجديدة في سبيل نشر الإسلام بينهم.

التسامح هي الكلمة التي استخدمها العثمانيون كتبرير لتخاذلهم في تبليغ الدعوة، وفي الوقت نفسه بحثوا خيار إبادة السكان لكنهم رفضوا تنفيذ الفكرة لأنهم في حاجة إليهم  فاتجه السلطان مراد وخلفاؤه إلى الاحتفاظ بالإدارة السياسية للمناطق المفتوحة.

نتيجة لتلك السياسة دخل عدد كبير من رجال الصفوة العسكرية في خدمة العثمانيين، بينهم  عدة آلاف من الفرق العسكرية المسيحية قاتلوا ضمن الجيش العثماني وفي مقابل ذلك تمتعوا بالإعفاء من الجزية وحازوا حق استغلال الأراضي.

غزو الصرب
1371 لقي الصرب هزيمة أمام العثمانيين بعد أن حاولوا طردهم من أوروبا في موقعة نهر ماريتزا. 

الحروب العثمانية الصربية لم تأخذ طابع الجهاد المزعوم، كانت في المقام الأول معارك توسعية بغرض النفوذ والثروة ولم يذكر مرة واحدة أن العثمانيين دعوا الصرب إلى الإسلام قبل المعارك.

الجيش العثماني بقيادة قره تيمورتاش شن حملة عام 1386 في جنوب صربيا واستولى على نيش وأجبر الأمير الصربي لازار على عقد اتفاقية سلام ودفع الجزية، وكان من بين شروط الاتفاقية مادة تجبر لازار على تقديم مساعدة عسكرية للسلطان في أي وقت يطلب ذلك.

هكذا كان التوسع العثماني يطبق سياسة الاستفادة من القوات الصربية المسيحية في جبهات القتال سواء في البلقان أو الأناضول.

أطماع التوسع جاءت على حساب الاهتمام بالدعوة الإسلامية أو نشر العدل، ما جعل العثمانيين في نظر الصرب مجرد قتلة غاصبين، ولذلك استغل لازار عودة السلطان بايزيد إلى الأناضول فأشعل الثورة ضده بالاتحاد مع أمراء من بلغاريا والبوسنة وألبانيا وكون جيشا مشتركا مكنه من هزيمة القائد العثماني تيمورتاش.

هشاشة التوسعات العثمانية وخلوها من غاية نبيلة كانت السبب الأول في ثورات البلقان التي لازمت العهد العثماني.

معركة قوصوة عام 1389 كانت بداية نهاية القوة الصربية فقد لقي الأمير لازار هزيمة كبيرة على يد السلطان مراد، وبعد المعركة فقدت صربيا طبقتها الأرستقراطية إضافة إلى العديد من قادتها وخضعت للسيادة العثمانية. 

مراد الباحث عن الثروة والطامح للمجد، اكتفى بالتبعية الاسمية من الصرب وعين ستيفن لازار يفتش ابن الأمير المهزوم حاكما على صربيا.

ظلت صربيا لمدة 70 عاما تدفع الجزية دون أن تخضع لحكم العثمانيين أو تمنح السكان حرية اعتناق الإسلام ولم يتغير من وضعها شيء نتيجة الفتح العثماني المزعوم.

عروس صربيا
بقاء صربيا دون تغيير كان يصب في مصلحة السلطان بايزيد الذي خطط لاستخدام قوات الصرب في سحق الإمارات المسلمة في الأناضول فلم يكن واثقا من ولاء القوات التركمانية في جيشه.

بايزيد تزوج من ماريا دسبينا أخت ستيفن، ما أدى إلى تدفق جيل جديد من المستشارين المسيحيين في البلاط العثماني وزيادة النفوذ المسيحي بشكل عام نتيجة ميول السلطان لزوجته.

رغم هذه الإجراءات لم يأمن بايزيد للأمير ستيفن فعمل على إيجاد منافس له في صربيا، دعم الأمير فوك برانكوفتش حاكما على بريشتينا وسمح لابنه جورج بمناهضة ستيفن حول حق السيطرة على كل صربيا، ما أوجد نزاعات داخلية أضعفت من قوة صربيا.

بهذه الإجراءات قطع بايزيد الطريق على تمرد الصرب، إلا أن الآثار السلبية تمثلت في تشويه صورة الإسلام فكان الصرب أكثر شعوب البلقان كراهية للدين الذي اقترن لديهم بالعنف والدسائس التركية.

هكذا حارب الصرب مع  بايزيد ضد تيمور لنك في موقعة أنقرة عام 1402، ما جعل بايزيد يدفع ثمن سياسته القائمة على المنفعة، خاصة بعد انسحاب الصرب من المعركة نتيجة فرار الفرسان التركمان من حول بايزيد.

في الأعوام اللاحقة لوفاة بايزيد الأول عام 1403 تصارع أولاده على الحكم وسعى كل منهم إلى كسب ود الدول المسيحية البلقانية ومنها صربيا، تعهد سليمان الذي حكم الجزء الأوروبي بالتنازل عن الأراضي الصربية التي احتلها، وتنافس أبناء بايزيد على الفوز بدعم الإمارات المسيحية.

محمد ولده الثاني تعهد لصربيا بالأمر نفسه بعد أن أصبح السلطان محمد الأول، في حين لم تعن  الأراضي المفتوحة لأبناء بايزيد شيئا وتم التضحية بها في سبيل السلطة.

السلطان مراد الثاني غزا صربيا مرة أخرى بعد أن تمردت على التبعية العثمانية ونجح في احتلال العاصمة عام 1428 وأجبر ملك صربيا برانكوفتش على قبول التبعية ولتقوية الروابط بينهما تزوج من ابنته مارا.

بحلول عام 1439 دخل السلطان مراد الثاني بلجراد وسيطر على كامل صربيا وحولها إلى ولاية عثمانية حتى عام 1830 حيث حصلت على حكم ذاتي ثم الاستقلال التام عام 1878.

انتقام الصرب
سياسة العثمانيين ظلت تقوم على استغلال الشعب والأرض وإهانة الأمة الصربية، فيما احتفظت الذاكرة الجمعية للشعب بصورة مشوهة عن الإسلام بسبب ممارسات الأتراك خصوصا في القرن الثامن والتاسع عشر اللذين شهدا نمو الروح القومية في البلقان.

بدراسة أزمات الصراعات القومية في البلقان وتحديدا جذورها، تبرز ظاهرة القهر والقمع العثماني لشعوب البلقان (البلغار والروس في الشمال والصرب في الجنوب) وتوظيف العثمانيين للانقسامات الدينية، بل والمساهمة في تعميقها وتجذرها في شكل أحقاد وكراهية متبادلة بين الصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك والمسلمين في البوسنة.

بالقمع الشديد اتسمت سياسة العثمانيين للشعوب البلقانية، ما أدى إلى نمو الروح الاستقلالية، وانتشار الأفكار القومية المطالبة بالاستقلال،  والتي كتب لها النجاح في القرن التاسع عشر.

تخلف الدولة العثمانية وعدم مواكبتها للنهضة الحضارية التي تعيشها أوروبا دفع سكان البلقان للتطلع إلى الخلاص من المحتل، والالتحاق بالنهضة الأوروبية.

صربيا حصلت على استقلالها عن العثمانيين، لكنها لم تحفظ لقرون الاحتلال سوى كراهية الإسلام الذي مثله الأتراك أمامهم. 

في الحرب الأهلية اليوغوسلافية قام الصرب بمذابح ضد المسلمين في البوسنة وهكذا حصد البسطاء ما زرعه العثمانيون من بؤس وكراهية في نفوس الصرب طوال قرون.

المصادر :

1 - محمود محمد الحويري: تاريخ الدولة العثمانية في العصور الوسطى
2 - جون باتريك كينروس: القرون العثمانية - قيام وسقوط الإمبراطورية التركية

Qatalah