يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


مارس العثمانيون سياسة التهميش، والإقصاء، والإفقار، وفرض الضرائب ضد الجزائريين، منذ أن وطأت أقدامهم أرض بلادهم، لم يراع لصوص آل عثمان حرمة الدين، واغتصبوا النساء، وحولوا أبناءهن إلى عبيد، في أول ظاهرة نكاح جهاد في التاريخ.
تعمد الغازي العثماني إبقاء الجزائريين بعيدا عن أمور الحكم، وأثقل كاهلهم بفرض الضرائب والإتاوات، وزادت كراهية الجزائريين لهم، بسبب بطش وفساد جنود الإنكشارية "أقوى فرق الجيش العثماني"، الذين عاثوا في مدن الجزائر مفسدين ومخربين، دون رادع من السلطان أو الوالي، واتبعوا سياسة صارمة لتهميش أهل الجزائر، وحرمانهم من أية مناصب، خاصة بين طبقة العلماء والأعيان، وحول الإنكشارية الجزائر إلى ملكية خاصة، ينهبون خيراتها ويسخرون الأهالي للخدمة في مزارعها.
فرق الإنكشارية التي وصلت الجزائر لدعم القراصنة، اتخذت من المدن مقرا لها، وقضت على النخبة المحلية، وصادرت الأراضي الزراعية، وقسمت الشعب إلى طبقات، واستغلت طبقة منها للسيطرة على الآخرين.
الزراعة دُمرت والتجارة صارت بيد اليهود، وانعدم الأمن، وانتشر الفقر والأمراض والمجاعات، وهرب الفلاحون من الأراضي، وبعد أن استنفذ العثمانيون خيرات البلد، سلموها فريسة سهلة للفرنسيين، دون مقاومة تذكر.
المثير للدهشة ما يروجه الآن عبيد أنقرة الآن، من عملاء جماعة الإخوان المسلمين، أن جرائم العثمانيين في الجزائر كانت فتحا، وأن الجيش العثماني حماها من الأوروبيين، رغم تواطئهم مع الاحتلال الفرنسي البغيض.
 
غدر القراصنة
قصة احتلال العثمانيين للجزائر تنسف أي لغو يردده الإخوان المسلمون والعثمانيون الجدد، حول فتح أو جهاد الأتراك في الجزائر، هؤلاء بنوا أكاذيبهم على أحداث حقيقية، لكن خارج سياقها، لا أحد ينكر أن الدولة العثمانية حاربت الأسبان في الجزائر، لكنهم لم يفعلوا ذلك من أجل إنقاذ الشعب، وإعادة الحكم إليه، بل ليحلوا هم مكان المحتل الأسباني.
لم يختلف الاحتلال العثماني عن الاستعمار الأسباني، بل كان أشد وطأة على السكان، فقد حافظ الأسبان على السلم مع القبائل، بينما العثمانلي الذي يدعي الدفاع عن دولة الخلافة، وإخوة الدين، أذاق القبائل الأمرين طوال عهده البغيض.
 
دخل جنود الدولة العثمانية الجزائر، بناء على استدعاء القرصان اليوناني الأصل، خير الدين بربروس، الأخ الأصغر للقرصان عروج.
اشتهر الأخوان عروج وخير الدين، في القرن الـ 16، بسبب ممارستهما القرصنة في البحر المتوسط، تعود أصولهما إلى جزيرة ميدلي اليونانية، وكان والدهما يعمل في صناعة الفخار، افتتنا منذ الصغر بالقراصنة الأتراك، فيما عمل عروج عندما بلغ الـ 20 على أحد سفنهم.
عروج (1474 - 1516) مارس القرصنة على إحدى سفن السلطان العثماني، ثم تمرد على السلطنة، ومارس القرصنة منفردا على سفنها، ثم ضم إليه أخاه خير الدين، واستأجر جزيرة جربة في تونس، من أميرها، مقابل منحه 20% من الغنائم.
سالم التومي حاكم الجزائر العربي، طلب من عروج القدوم للمدينة، والتعاون معا ضد الخطر الأوروبي، لكن الأخير خطط للانفراد بالحكم، فهاجم قصر الأمير سالم، وقتله أثناء الاستحمام، وثار الأهالي على هذا الغدر، واشتبكوا مع عروج، واشتد القتال في المدينة مع القراصنة، واستغل كارل الخامس ملك إسبانيا الأوضاع غير المستقرة، وأرسل حملة عسكرية بقيادة الماركيز دي كوماريس لطرد القراصنة من المدينة، ونجحت في قتل عروج.
هكذا كان رد فعل سكان مدينة الجزائر بعد اكتشافهم غدر عروج وأطماعه، خير الدين شقيق عروج ورث عنه سفنه وقراصنته، واستعان بالسلطان العثماني سليم الأول، فأرسل له فرقا من جنود الإنكشارية ونجح في دخول الجزائر وفرض سيطرته عليها، إلا أن السيطرة العثمانية ظلت طول 300 عام حبيسة الساحل.
 
دايات وبايات
القبائل كانت تمثل 92% من سكان الجزائر، وكان موقفهم رافضا للاحتلال العثماني، منذ يومه الأول، حين تصدوا لتوغل عروج وخير الدين في أراضيهم، لوقف آلة النهب العثمانية، عانت الجزائر من فساد العثمانيين، وعادة بيع منصب الوالي مقابل مبلغ من المال، لمدة 3 سنوات، لذا لم يفكر الباشوات إلا في تحصيل المال والضرائب، لرشوة كبار موظفي إسطنبول، حتى تعاقب على حكم الجزائر 43 واليا، خلال الـ 71 عاما الأولى من عمر الاحتلال، وهي فترة التبعية المباشرة للسلطان العثماني.
تمرد الجند الإنكشارية على الباشوات، وأعلنوا عهدهم الجديد، الذي عرف بـ حكم الأغوات، واستمر 12 عاما، وخلفهم حكم الدايات ( الداي هو لقب باشا الجزائر) الذين استمروا في الحكم منذ العام 1671 وحتى تسليم البلاد إلى الفرنسيين، في العام 1830، كانت التبعية للسلطان اسمية فقط.
شملت الفئة التركية الحاكمة قوات الإنكشارية، والموظفين، والقادة العسكريين، كانوا يسكنون المدن، يملكون أراضي شاسعة، هؤلاء حظوا بأفضلية في النظام القضائي، ولم يخضعوا للقانون مثل الجزائريين، إضافة إلى المرتزقة الأتراك، الذين دأب الدايات وحكام الجزائر على تجنيدهم سنويا، للانضمام إلى الفئة التركية، لمساعدتهم على نهب خيرات الجزائر.
حرم أهل الجزائر من الوظائف أو الانخراط في السلك العسكري، وحتى عشية الاحتلال الفرنسي، لم يكن لهم حظ في منصب أو وظيفة، عمل الأتراك على بث الفرقة بينهم، ليسهل حكمهم والسيطرة عليهم..
 
ضرائب وثورات
فرض إنكشارية الدولة العثمانية ضرائب مجحفة على الجزائريين، لجمع أكبر قدر من الأموال، وحاولوا إيجاد مصادر بديلة للدخل، بعد أن تقلصت عائدات القرصنة البحرية التي أشرفوا عليها، فطالب الدايات والبايات بمضاعفة الضرائب، وإخضاع القبائل الخارجة على سلطتهم، فانتشر السخط بين السكان وبدأت تظهر إرهاصات الثورة.
أمام البطش التركي في الجزائر، هجر الفلاحون أراضيهم وتركوها فريسة للتصحر والجفاف، فانتشرت المجاعات وانعدم الأمن، ولم يأبه الاحتلال الغاصب إلا بتسيير الحملات العسكرية لجباية الضرائب.
لم يقف شعب الجزائر صامتا أمام جرائم الترك ومرتزقة جيوشهم، وتواصلت ثورته على مدار 3 قرون، هي عمر الاحتلال العثمانلي، الذي لم يخجل من تسليم البلاد إلى محتل جديد، مقابل خروجهم الآمن.
 
يهود وخونة
هيمن اليهود على الاقتصاد الجزائري، بحماية من الدولة العثمانية، وامتد طموحهم إلى السياسة، وصار تعيين الموظفين وعزلهم في أيديهم.
تدخل اليهود في السياسة الخارجية أيضا، وسخروها لخدمة مصالحهم التجارية، ووصل خضوع الحكام الأتراك لهم، أن تحدثوا باسم الداي في المفاوضات الرسمية مع حكام أوروبا، ودبروا المؤامرات، وأشعلوا الفتن بين الأهالي، واشتغلوا بالتجسس لصالح الأتراك والأوروبيين، ووصلت الخيانة ذروتها عندما تآمروا مع العثمانيين على الجزائر، وتعاونوا مع المحتل الفرنسي.
عين يهودي اسمه نفتالي بوشناق مستشارا للداي حسن باشا، واختاره الداي مصطفى باشا أيضا لنفس المنصب، عرف المستشار اليهودي كيف يستفيد من منصبه المؤثر تجاريا وسياسيا، وبلغ نفوذه مبلغا عظيما في الجزائر خلال الفترة (1780-1805)، حتى لقب بملك الجزائر.
 
بلا رصاص
انهارت الدولة الجزائر تحت الاحتلال العثماني، وأصبحت منذ العام 1827 أرضا بورا، لا حقل فيها ولا جيش، بفضل هجمات الوالي وعصاباته التي أطلقها على الفلاحين، لجباية المال واقتلاع الزرع ونهب المحاصيل، وحين هبط الفرنسيون سواحلها عام 1830 تمت عملية الاستلام والتسليم دون أن تطلق بنادق الاحتلالين رصاصة واحدة.
ولاء الجيش العثماني في الجزائر كان للمال، ولمن يسدد رواتب العسكر، سواء كان أجنبيا أو تركيا، فانتشرت الفتن بين الجنود، واضطرب الأمن، وباتت مشاهد السرقة والنهب يومية.
قبيل انطلاق الحملة الفرنسية عام 1830 علم الداي بتفاصيل الخطة قبلها بـ 6 أشهر، وكان يعلم مكان إنزال القوات في سيدي فرج، ورغم ذلك لم يحصن المدينة، حيث اقتصرت دفاعاتها على 300 فارس، فروا حين نزل الفرنسيون إلى البر، ولم يلق الاحتلال الجديد أية مقاومة من الحامية التركية.
نسيت الدولة العثمانية مسألة الجزائر، واهتمت أكثر بالحفاظ على صداقة فرنسا على حساب شعب مسلم، وبعد سقوط الدولة وقيام الجمهورية، ساندت تركيا فرنسا في قمع المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين، وامتنعت عن التصويت على قرار أممي يعترف باستقلال الجزائر عام 1962.
هكذا كانت صورة العهد العثماني في الجزائر، فهل يمكن تسمية الخيانة والغدر والإجرام التركي بالفتوحات الإسلامية. 

Qatalah