يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


4 قرون من الاحتلال العثماني للأمة العربية، ارتكبوا خلالها كل صنوف القتل والنهب والاغتصاب، وإشاعة الجهل والخرافة، قائمة طويلة من الجرائم، لن يستطيع العثمانيون الجدد، أو دراويش الخلافة من عملاء رجب إردوغان طمسها.
حتى الدعاية المغرضة لتبييض الوجه القبيح للاحتلال العثماني، وتجميل صورة سلاطين الدم والخيانة، وتصوير التوسعات التركية في أوروبا على أنها مجد وفخار للعرب، لم تنطلي على أحد، كان شباب العرب وقود تلك المعارك، وكانت المغانم من نصيب الترك، لم يرد الأتراك الجميل للعرب المسلمين في الأندلس، تقاعسوا عن نصرة آخر ممالك العرب في غرناطة، لأنهم خونة، يبحثون عن مجد عثماني خالص، لا يهمهم الدين ولا صلاته.

لم تكن التوسعات العثمانية مصدر فخر للعرب، فجميع الأمم مرت في أحد أطوارها بفترة التوسع العسكري، على حساب الجيران الضعفاء، والقتل وسفك الدماء لا يدعو للفخر، إلا إن كان دفاعا عن الوطن أو الدين، أما الهجوم على الضعيف بهدف السلب والنهب واستعباد الناس، فهو عار، وأمر مشين.

لم تشكل البلقان والمجر وبولندا خطرا يوما ما على العرب، ولم يشد أحد بتلك الانتصارات على أنها مجد عربي، بل كانت وستظل معارك تركية.
بعد أن ذهبت حقبة التوسع العثماني، ظهر طور الأفول، وفيه صدت دول أوروبا العثمانيين، وبدأت في طردهم، وتطهير الأرض منهم، كانت تلك الفترة بلاء على العرب، لا لحزنهم على انحسار نفوذ السلطنة، بل لأن العثمانلي جندهم في جيوشه المهزومة، وزج بمئات الآلاف منهم في أتون حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

غنائم وسبايا
الأوضاع السياسية في شبه جزيرة البلقان ساعدت العثمانيين على التوسع فيها، إذ كانت بعض القوى الحاكمة آنذاك، تعيش طور الاحتضار، مثل بيزنطة، أو تعيش في صراع مرير، كالحال بين الصرب والبلغار، أو كلاهما مع بيزنطة، أو بين دول البلقان قاطبة والمجر، ذلك بجانب الصراع الأكثر شمولا، بين الكنيستين الشرقية في القسطنطينية، والغربية في روما، كل تلك الصراعات جعلت البلقان في أتون مستعر، كثمرة أوشكت على السقوط، حتى إذا هز العثمانلي المنطقة تساقطت في يده بلدا تلو الآخر.

في العام 1290، في عهد عثمان بك مؤسس الدولة، بدأ العثمانيون أولى حروبهم التوسعية على حساب البيزنطيين، وتابع خلفاؤه غزوهم، وفي العام 1330 كان أول تدخل عثماني في الشأن البلقاني، رجحت كفة العثمانيين لمدة قرون من الزمان على حساب البلقان، وجنوا غنائم طائلة، وثروات وجزية سنوية من كل المناطق، بالإضافة إلى مصادرة الأراضي، وتوزيعها على القبائل التركمانية والقادة العسكريين.
بغض النظر عن الموقف الأخلاقي من سلب ثروات الشعوب، لم يستفد العرب شيئا من هذه الغنائم، فلم يحارب العثمانيون في سبيلهم، بل خسر الاقتصاد العربي جراء هذه الحروب.

خسائر العرب
كسدت التجارة العربية مع الجمهوريات الإيطالية المستقلة، بعد أن سلب الأتراك أملاكها في البحر الأسود، مما حرمها من أسواق واسعة في شرق أوروبا، وحول بحر قزوين، فتأثر حجم البضائع القادمة من موانئ مصر والشام.
التوسعات العثمانية أحيت الدعوات إلى حروب صليبية، بعد أن انتهت الموجة الأولى وخمدت حدة التعصب الديني بين الشرق وأوروبا، وأسفرت حروب السلطان مراد في البلقان عن سقوط مدينة أدرنة الاستراتيجية بيده، كما سيطر على وادي نهر ماريتزا، وتمكن بذلك من قطع إمدادات القمح عن القسطنطينية.

بيزنطة اضطرت إلى الاعتراف بنوع من التبعية للسلطان، ووقعت معاهدة عام 1363 بذلك، في العام التالي انتصر مراد على الصرب والبلغار، وردا على ذلك دعا البابا أوربان الخامس إلى حملة صليبية جديدة لطرد الأتراك.

بطرس الأول لوزجنان ملك قبرص استغل الدعوة للحملة، وبدلا من مهاجمة الأتراك، شن هجوما خاطفا على مدينة الإسكندرية في مصر، عام 1365، وعاث فيها فسادا، وهرب منها قبل أن يدركه الجيش المملوكي.

توازن القوى
إحدى النتائج التي ترتبت على التوسع العثماني، وتسببت في ضرر كبير للسلطنة المملوكية في مصر، كان انقلاب موازين القوى لصالح العثمانيين، بفضل دخول أمراء البلقان المسيحيين في خدمة السلاطين، وإنشاء نظام الدوشرمة، الذي أسس فرقة الإنكشارية من أبناء المسيحيين.
لولا التوسع العثماني في أوروبا لظلت الإمارة العثمانية حبيسة الأناضول، ولما صارت أقوى من جيرانها في الإمارات التركمانية، لم تتغير المعادلة إلا بنمو القوة العثمانية، بالتحالف مع أمراء البلقان، فقد قاتل ملك الصرب الأمير ستيفن لازارفيتش، وإمبراطور بيزنطة مانويل الثاني، بشكل أساسي في حروب السلاطين في الأناضول، والتي قضت على الإمارات المستقلة، الحليفة لدولة المماليك.

وبعد القضاء على الدولة العثمانية، وأسر السلطان بايزيد على يد تيمورلنك عام 1402، لعبت الأملاك العثمانية في أوروبا دورا مهما في إعادة إحياء الدولة، والقضاء على الحرب الأهلية بين أبناء السلطان بايزيد، وتوحيدها على يد الأمير محمد الفاتح، وذلك بمساعدة حلفائه في بيزنطة وصربيا ومقدونيا وجنوة.
أسطول جنوة الإيطالية، هو من تولى نقل قوات الأمير محمد إلى الشطر الأوروبي مرات عديدة، في حروبه لتوحيد السلطنة.

خلال تلك الحرب كانت القبائل التركمانية قد لفظت الحكم العثماني، واستعادت استقلالها المسلوب، حتى أبناء بايزيد أعلنوا الخضوع لتيمورلنك، مما جعل سلطنة المماليك أكبر وأقوى دولة إسلامية.
السلطان محمد الفاتح استغل سقوط القسطنطينية في يده، لزعزعة السلطنة المملوكية، فلم يكتف بإرسال رسائله التي تفيض غرورا وتهديدًا مبطنا إلى السلطان المملوكي، وأرسل رسالة إلى شريف مكة التابع للمماليك، يخاطبه فيها بلقب "أمير المسلمين وولي المؤمنين" في محاولة لإغراء حاكم الأقاليم في السلطنة المملوكية بالتمرد على السلطان.

خذلان الأندلس
في أوج قوة دولة العثمانيين، كانت الممالك العربية في الأندلس تتعرض لحرب شرسة، من اتحاد قشتالة - ليون، بدعم من بابا روما. 
أهل غرناطة، آخر ممالك المسلمين بالأندلس، استنجدوا بالسلطان العثماني محمد الثاني، أرسلوا إليه وفدا عام 1477، ليضع أمامه الكارثة التي أوشكت على الوقوع، ويطلعه على سوء أحوالهم وقلة حيلتهم أمام الخطر الصليبي الذي يحدق بهم، ويرجونه أن يتدخل لإنقاذهم قبل فوات الأوان.
إنقاذ الأندلس لم يكن مغريا للعثمانيين، وفضل السلطان مهاجمة السواحل الإيطالية، واحتلال مدينة لاترانتوا، ومهاجمة ممتلكات البندقية في شبه جزيرة المورة على إرسال الأسطول لمساعدة العرب
هل بعد ذلك يحق لعربي أن يفخر بالتوسعات العثمانية التي كانت ضررا عليه.

قتلى العرب
جند العثمانيون العرب للدفاع عن أملاكهم في أوروبا، بعد أن ضعف الجيش القائم على الإنكشارية والمرتزقة والإقطاع العسكري التركماني، شارك العرب في حروب السلطنة بشكل متقطع، في فترات عديدة، حتى إلغاء طائفة الإنكشارية، وإنشاء الجيش الحديث، وما تلاه من فرض التجنيد في عهد السلطان محمود الثاني، عام 1826، على العرب وغيرهم.
منذ ذلك التاريخ أرسل سلاطين الدولة العثمانية عشرات الآلاف من الشباب العربي إلى جبهات الحروب الأوروبية، طيلة القرن التاسع عشر، ومطلع العشرين.
المجندون العرب لم يستشهدوا دفاعا عن أوطانهم، بل قتلهم العثمانيين في سبيل الاحتفاظ بالممتلكات الأوروبية، التي كانوا يشكلون فيها أقلية، على حساب سكانها الأصليين.

بدأ تجنيد العرب في الجيش العثماني في العام 1826، وكانت مدة الخدمة العسكرية تصل إلى 25 عاماً، يلقي الأتراك خلالها بالكتائب العربية في مناطق القتال الملتهبة، ما أدى إلى هلاك عشرات الآلاف منهم، فيما استثنى الأتراك الأغنياء من التجنيد، مقابل دفع رشاوى مالية، لكن حظ الفقراء غالبا كان الموت في بلاد غريبة.
مدة الخدمة العسكرية لم تكن ثابتة طوال عهد الإمبراطورية، بل كانت تخضع للتغيرات التي تطرأ على الدولة، فنجدها في بداية القرن التاسع عشر ما بين 4 و5 سنوات، ومع نهايته كانت سنوات الخدمة 20 عاما، ثم ارتفعت إلى 25 عاما مع نهاية الدولة العثمانية، وفي كل الأحوال كان المسلمون وحدهم المكلفين بالخدمة، يبدأها الشاب عند بلوغه سن العشرين، وغالبا لا يعود.
العرب فقدوا ما يقرب من 200 ألف قتيل في معارك الحرب العالمية الأولى وحدها، وتحديدا في الدفاع عن غاليبولي في موقعة جناق قلعة، التي يفاخر بها إردوغان الآن.

وقدمت مصر الآلاف من شبابها، للدفاع عن الأراضي العثمانية، في اليونان والمورة والقرم وكريت، وغيرها من المناطق التي طرد العثمانيون منها.
التوسع العثماني في أوروبا لا يختلف شيئا عن الاحتلال الأسباني والبرتغالي لقارة إفريقيا والأمريكتين، والاحتلال البريطاني للهند، فضلا عن أن العرب أنفسهم كانوا محتلين من العثمانيين، فبأي منطق يفتخر شعب محتل بحروب من قام باحتلاله.

المصادر :


Qatalah