يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


من سوء حظ الإسلام أن أول عهده بالمجر كان على يد العثمانيين، حيث تسببت جرائمهم هناك في تشويه صورته، شعب المجر لم يدرك أن الإسلام بريء من هذه الجرائم بسبب عدم تقديم شعب مسلم آخر صورة مشرقة تمحو مصائب العثمانيين.

فاتورة الجرائم العثمانية يدفع ثمنها الآن المسلمون في أوروبا واللاجئون الذين يعبرون أوروبا الشرقية إلى ألمانيا. أشد الدول كراهية للمسلمين هي المجر التي غزاها العثمانيون من غير سبب إلا النهب والسلب، والأكيد أن مسلمي اليوم يدفعون ثمن جرائم العثمانلي بالأمس.

العثمانلي قطف ثمن غزو أوروبا عسكريا بنهب الثروات واستعباد الأطفال وجني الأموال طيلة قرون، ومع تفاخر جمهورية تركيا، وريثة العثمانيين، خصوصا في عهد إردوغان، بهذه الجرائم على أنها مجد وبطولات، جعل كراهية شعوب شرق أوروبا للإسلام تنتقل من جيل إلى آخر.

أول القصيدة .. دم
قصة العثمانيين مع المجر بدأت عام 1387 في عهد الملك سيجسموند الذي حاول التصدي للخطر العثماني. البلاد آنذاك مزقتها الانقسامات الداخلية بين النبلاء الإقطاعيين والحكومة المركزية، وبين الفلاحين الأرثوذكس والإقطاعيين الكاثوليك.

الصدام الأول حدث بعد أن استولى السلطان بايزيد على بلغاريا وأصبح في تماس مع المجر، حينها حاول سيجسموند صد العثمانيين الذين داهموا حدود بلاده ولم يكن قادرا وحده على مواجهة جيش بايزيد القوي والمنظم.

بسبب العثمانلي عرف شعب المجر المسلمين بوصفهم قوما غزاة معتدين يغيرون على شعوب لم تبادر بالعدوان عليهم.

بايزيد أعلن لبعض المبعوثين من إيطاليا أنه بعد أن يقوم بغزو المجر، سيتجه إلى روما وسيطعم جواده بالشعير في مذابح كنيسة القديس بطرس، مؤكدا على أنه حامي الإسلام وظل يجهر بنواياه العدوانية ضد المسيحية.

كان هذا التهديد من العوامل التي جعلت سيجسموند يصمم على قيادة حملة ضد السلطان، دعوة الملك لم تلق استجابة من بابوات روما وفضلت جمهوريات البندقية العلاقات التجارية مع بايزيد على المجر.

سيجسموند وجد استجابة في الفرسان الإقطاعيين، وتوافد عليه عدد كبير من فرسان أوروبا، فكان الجيش يضم بين صفوفه فرقاء مختلفين، لم يعرفوا الانضباط، مما تسبب في هزيمة قاسية لهم على يد بايزيد في نيكوبوليس عام 1396.

ثاني جرائم بايزيد التي رسخت كراهية المسلمين كانت المذبحة العظيمة التي ارتكبها بحق الأسرى بعد أن انتصر في المعركة، بايزيد أجبر كبار الفرسان الأوروبيين على الوقوف بجانبه ومشاهدة زملائهم وهم راكعون تضرب أعناقهم.

10 آلاف ذبيح بأمر من الدموي بايزيد كانت كفيلة بأن تلصق صفة الوحشية والبربرية بالمسلمين طيلة قرون، وتورث ذاكرة مليئة بالكراهية.

بعد وفاة سيجسموند ملك المجر، استغل السلطان مراد الثاني فراغ العرش وهاجم الحدود المجرية واستولى على إحدى القلاع المهمة وضم الأفلاق.

مقبرة الأمة المجرية
تولى الفارس المجري هونيادي الدفاع عن البلاد ضد العثمانيين وكانت الحرب سجالا بين الطرفين. 

في عهد سليمان القانوني فقدت المجر أملاكها في صربيا وسقطت بلجراد في يد العثمانيين، وفي معركة قلعة بيتر واردين على الدانوب أعدم السلطان 500 جندي من حاميتها بعد استسلامهم وحول 300 آخرين إلى عبيد.

موقعة موهاكس كانت المعركة الفاصلة في إخضاع المجر وفيها تفوق العثمانيون في العدد والعتاد، بعدها صنع سليمان من رؤوس القتلى هرما، وأمر بذبح 2000 أسير، وبإضرام النيران في البلدة، وعرف هذا المكان باسم "مقبرة الأمة المجرية"، قوات السلطان دخلت مدينة بودا العاصمة وفي الطريق أمر السلطان بقتل جميع الفلاحين باستثناء النساء.

السلطان نهب المدينة وأضرم النيران فيها وأحرق مدينة بست التي تقع على الضفة المقابلة من نهر الدانوب وأحرقها ثم رحل عن المجر لعجزه عن الاحتفاظ بها.

أسرة الهابسبورج حكام الإمبراطورية الرومانية المقدسة تولوا الدفاع عن المجر وتصدوا للعثمانيين وانتهى الصراع بينهما إلى اقتسام المجر وحكم زابوليا نصف البلاد وكان ولاؤه للعثمانيين.

بعد وفاة زابوليا استغل سليمان الخلاف على العرش للعودة للبلاد وجاءته الفرصة على طبق من ذهب حين استعان به الأوصياء على الطفل ستيفن الابن الرضيع للملك المتوفى زابوليا وانتهز سليمان الفرصة ودخل بودا بهدف تثبيت ستيفن ملكا.

سليمان غدر بالمجريين واحتل بودا وحولها إلى ولاية عثمانية وقام بتحويل الكنائس إلى مساجد عام 1541. توسع سليمان في المجر وضم مساحات واسعة إليه وبذلك أصبحت غالبية المجر خاضعة للحكم التركي من الناحية العسكرية والمدنية والمادية وشكلت جزءا من الإمبراطورية العثمانية لمدة تزيد على قرن.

عام 1552 تجددت الاشتباكات على المجر واستطاع العثمانيون هزيمة النمساويين في مواقع عدة وأسروا عدة آلاف منهم وباعوهم كعبيد.

المعارك تجددت خلال الأعوام التالية بين الطرفين وكان النصر حليف النمساويين في مواقع عديدة وفي عام 1683 قاد الصدر الأعظم قره مصطفى باشا جيشا كبيرا لغزو النمسا ووصل إلى بلجراد وعسكر فيها استعدادا للتقدم صوب فيينا.

قره باشا تقدم بجيشه عبر المجر دون أن يسيطر على القلاع في الشطر الخاضع للنمسا ووصل إلى أسوار فيينا وضرب الحصار حولها، بطولات المدافعين وتخبط العثمانيين كانت السبب وراء إنزال هزيمة مذلة بقره باشا الذي فر إلى مدينة بودا المجرية.

الجيش النمساوي شن حملات مضادة للعثمانيين وتمكن من طردهم من المدينة وبحلول عام 1718 تلقى العثمانيون هزيمة ساحقة وتم توقيع معاهدة بسارو فيتز التي نصت على خروج العثمانيين من المجر وجزء واسع من صربيا. 

ضرائب وإقطاع
لمدة قرن ونصف القرن خضعت المجر للعثمانيين وفقدت الأمة المجرية استقلالها وصارت ممزقة بين العثمانيين والنمساويين ولم تستعد استقلالها حتى بعد طرد العثمانيين.

البلاد تحولت إلى إقطاعية عسكرية تركية تقاسمها السباهية وكبار الباشوات والميليشيات التي عاثت فسادا وأرهقت الفلاحين بالضرائب، الأراضي المجرية فقدت الأمن بعد أن تحولت إلى ساحة للصراع بين العثمانيين والنمساويين.

القرى عانت من النهب والحرق على يد الميليشيات العثمانية التي كانت ترافق الجيش أثناء تقدمه في المجر وأثناء حملاته على النمسا، تتار القرم والباش بوزوق كانت أهم فرق الميليشيا وكان واجبهم هو استباق الجيش والإعلان عن قدوم العثمانيين بحرق القرى والمزارع وقتل الفلاحين وسبي النساء.

ذاكرة أمة
المجر كانت الكعكة التي يتقاسمها العثمانيون مع النمساويين وعلى جثة هذه الأمة سوى الطرفان خلافاتهما واتحدا لاحقا ضد خطر روسيا القيصرية.

تاريخ المجر عرف المسلمين عن طريق العثمانيين وحدهم وعرف دورهم في تدمير الأمة المجرية واقتسامها مع النمسا، العثمانلي لعب دورا في إذكاء الصراع المذهبي بين الكاثوليك والأرذوثكس في البلاد لكي يضعف الطرفين ويظل متحكما بالبلاد.

150 عاما من تجريف الثروات والتحكم في رقاب الناس بروح وعقلية العصور الوسطى المتعصبة.

هذه الفترة انطبعت في ذاكرة الأمة المجرية وتناقلتها من جيل لآخر، قصص وحكايات وأغان شعبية عن التركي المسلم الذي يحرق القرى ويخطف النساء سبايا ويستعبد الأولاد.

فاتورة العثمانلي
دولة العثمانيين انتهت من التاريخ لكنها تركت لنا إرثا أسود من الجرائم والعدوان والظلم. بسبب استغلال العثمانيين للإسلام وتقديم أنفسهم كحماة الدين للغرب حمل الأوروبيون الإسلام جرائم العثمانيين وانتقلت هذه الجرائم للمسلمين في أي مكان.

خطأ الأوروبيين أنهم لم يفرقوا بين الإسلام والعثمانيين وبينهم وبين المسلمين فالإسلام والمؤمنون به لا علاقة لهم بجرائم العثمانيين.

اللاجئون المسلمون يدفعون ثمن هذا الإرث الأسود اليوم. الإسلام لم يستفد شيئا من غزوات العثمانيين في المجر بل تضرر كثيرا فقد بلغت نسبة كراهية المسلمين في المجر 72 % وفق إحصاء حديث.

المجر جاءت على رأس قائمة الدول الأكثر عنصرية تجاه اللاجئين خصوصا المسلمين، دول أوروبا الشرقية بشكل عام التي كانت في صدام مباشر مع العثمانيين هي الأعلى في التعصب ضد المسلمين والإسلام.

Qatalah