يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"أجدادنا لم يرتكبوا مجازر بحق الأرمن".. هكذا زعم الرئيس التركي رجب إردوغان بثقة الجاهل في الذكرى المئوية للمذابح عام 2015، فيما لا تزال صور الجثث الممزقة والجماجم المبعثرة لضحايا المذابح الجماعية تُعذب الذاكرة الإنسانية، كشفت صرخات مئات الآلاف من الضحايا الوجه القبيح للسلطنة العثمانية وجنودها في عام 1915، الذي شهد فصلا كاملا من الذبح والمجازر لم يعرفها التاريخ من قبل، بسبب أفكار تخريبية سيطرت على حكام إسطنبول ادعت نقاء العنصر التركي وأحقيته المطلقة في السلطة والأرض دون باقي الشعوب، فصدر قرار سعيد حليم باشا الصدر الأعظم بتحريض الجنود على إبادة الأرمن متوعدا من يتكاسل عن القتل بالقتل.
تصريحات إردوغان والقادة الأتراك تكذبها شهادات الناجين من المذابح العثمانية، بل وتدمغ العرق التركي بالتلوث والوحشية، فقد نقلوا صورا مفزعة عن الأهوال التي ارتكبها المحتل التركي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة بالحرب العالمية الأولى، وهي روايات جمعها الباحث سيتا كيليجيان في كتابه "شهادات الناجين من الأرمن"، وكلها تتفق مع كتابات المعاصرين للمذبحة مثل، المحامي والكاتب سوري فائز الغصين في كتابه "المذابح في أرمينيا"، والمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي في "الكتاب الأزرق"، والمؤرخ الأميركي هربرت آدمز جيبونز في "أحلك صفحة سوداء في التاريخ الحديث، الأحداث في أرمينيا 1915".
بدأت أولى خطوات الإبادة الجماعية للأرمن المدنيين بالتنسيق بين وزيري الداخلية والدفاع، وصدر القرار مطلع عام 1915 بترحيلهم من مناطقهم وتهجيرهم إلى صحراء سورية والعراق (مدينتي دير الزور ورأس العين)، بهدف تطبيق نظرية حزب الاتحاد والترقي القائمة على نقاء الجنس التركي وتفوقه، والإيمان باحتقار بقية شعوب الدولة العثمانية بما في ذلك الأرمن والعرب.
خطط طلعت باشا وزير الداخلية لإبادة الأرمن عن طريق تهجيرهم ثم قتلهم، إذ نالت المجاعة والأمراض قسطها من أرواح الضحايا لتزيد من فداحة المأساة، بالإضافة لذبح الآلاف على يد ميليشيات الأتراك.

التهجير إلى الموت
يروي مانوك تشولاكيان قصته مع التهجير القسري قائلا :"بداية مايو 1915 تم حظر التجوال في قرية آشود لثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث جاء الجنود وأخذوا والدي ولم نره بعد ذلك، بعنا أثاث منزلنا بعد أن أمهلنا الأتراك ثلاثة أيام للخروج، وسرنا إلى مالاطيا وظللنا في رحلة السير بالصحراء مع مجموعة من الهاربين حتى دير الزور في سورية تحت ضربات السياط من الجنود، وبسببها ماتت والدتي".
يرصد بارسيغ شاتويان (1905- 1999) لحظة الطرد من المنازل إلى المجهول فيقول: "في بداية الصيف، كنا أنا ووالدتي وأختي نائمين على سطح منزلنا، كانوا أخذوا والدي إلى الجيش ولم يعد، عند الفجر شعرنا بشخص يقول بالتركية: هيا انهضوا. وراح يضربنا، فتحنا أعيننا ورأينا أنه تركي، كنا سمعنا أنهم سيهجروننا فجهزنا أنفسنا وأغلقنا الأبواب، أخذنا ما نملك من مال وانطلقنا مع العسكري نفسه وآخر كردي علق على خصره سيفا عثمانيا يصل إلى ركبته، انطلقنا نحو المنفى، نحو الموت أحياء".

الموائد.. فضلات حيوانية
تروي لوسين كلافيان (مواليد 1912) قصة الطرد من الوطن: "لا أذكر كيف نجونا من الإبادة، لكنني أعرف أننا لجأنا إلى مكان ما فترة طويلة، وذات يوم خرج والدي إلى مطحنته ليتدبر ما نأكل لكنه لم يعد، بعد أيام وجدناه مذبوحا على بُعد عدة أحياء، عانينا مرحلة جوع قاسية دفعتنا للبحث عن حبوب الشعير في أوساخ الخيل، حبة شعير قد تطيل العُمر لحظة أو بعض لحظة، قد تسكت صراخ طفل عساه من فرط الجوع يتخيلها سنبلة والسنبلة تصبح رغيفا والرغيف حلم، المقهور يحلم ليحتال على القهر، يدرك أن صورة الينبوع لا ترطب لسانا يابسا وانشراح الحقل لا يصنع مائدة طعام، حبة شعير من فضلات خيل. حبة يا بشر!".
"إلى أين تأخذونني؟ مكاني هنا، هنا ابنتي وزوجي وأمي وكل أقربائي، أريد أن أبقى هنا وأموت هنا، لا تفرّقوا بيني وبين ابنتي، دعوني هنا". هكذا نقلت لوسين كلافيان تضرّعات جدة 79 عاما "صعدت إلى الحافلة فاقدة الوعي تقريبا واستمرت في البكاء وهي تمد ذراعيها من النافذة، وتهز رأسها محدقة نحو الخارج، انطلقت الحافلة مسرعة وأنظار الجدة ظلت مشدودة إلى الوراء، أما هذه الأم فخانها النظر، وحدها اليد تعي وظيفتها، تمسك بصغيرها مخافة موته أو ضياعه، اليد الأخرى مفتوحة على الخواء، أنا وأنت يا صغيري والوقت الباقي، بجسدينا الآيلين إلى الفناء، بثمن أننا أرمن، أحضنيني يا أمي باليدين معا، عبثا تتسولين الرحمة، لو امتلكوها لما كنا على الأرض حطاما من دون ثياب".

رؤوس الأطفال الطائرة
يتذكر أرام تاشجيان (1901- 2001) أحداث 1915 الأليمة "فيما كنت ألعب قرب القمامة، رأيت جنديين يسيران ويضربان خمسة شبان بالسياط وقيدت أقدامهم بالسلاسل، سقط أحدهم على الأرض ولم يستطع الوقوف، فهدده التركي بالقتل إن لم يتابع السير، وعندما رأيت الجنود هربت ورأيت من بعيد كيف يسير المكبلون الأربعة وهم يجرون رفيقهم الذي سقط".
يكمل تاشجيان "أرسلت النساء من أرضروم إلى المنفى وقد نكل بهن سكان القرى التي مررن بها وأخذوا الجميلات سبايا، وكلما مروا بقرية نهب أهلها ما معهن من نقود، ولم يبق معهن حتى الثياب التي يلبسنها ومن تمتنع عن إعطاء اللباس يطلقون عليها الرصاص ويقتلونها".
يختتم تاشجيان شهادته "بين الضحايا كانت امرأة في قرية قره جورن ملقاة على ظهرها عارية إلا من القميص المصبوغ بالدم، واستقرت أربع رصاصات في صدرها وتحت ثدييها وبقربها طفل صريع لا يتجاوز الثامنة من عمره ضرب بفأس على رأسه وأُلقي على وجهه".
تروي دزاغيك كويومجيان (1904- 2005) "كان والدي يملك أراضي وبساتين، أخذه الأتراك قسرا إلى الخدمة العسكرية في الجيش، وشأن جميع شبان القرية لم يعد أيضا، عثروا في نفس الفترة على جد والدي مذبوحا، وهو الكاهن آدور (115 عاما)، لقد عذبوا المسكين أياما فبتروا أطرافه واحدا تلو الآخر، ثم وضعوا ركوة القهوة على صدره ليحرقوا الشعر، وعندما طلب قطرة ماء سقوه من بولهم، وواصلوا تعذيبه حتى صرخ من شدة الألم: اقطعوا رأسي لأخلص"، وتختتم: رافقت كراهية الأتراك الأرمن إلى القبر وكل أرض يحطون فيها.

إبادة عائلة كاملة..لا مفر من الموت
تقول أروسياك مارسوبيان (1892- 1996) إحدى الناجيات، التي ولدت في مدينة أضنة عام 1892، وتركت وثيقة بها شهادة هروبها ومعاصرتها للأحداث "خلال المذابح خرج والدي وشقيقي ذو الـ16 عاما إلى الشارع ولم يعودا، وبعد البحث طوال شهر كامل وجدنا قميصيهما ملطخين بالدماء ثم وجدهما أحد الأشخاص مذبوحين، وبعدها بأيام دخل الأتراك بحجة التفتيش وبدأ إطلاق النار".
تواصل مارسوبيان "أخذوا أمي وهم يجرونها، أما أختي التي كانت في الثامنة عشرة، فأطلقوا النار على بطنها، وكنت أنا مختبئة في إحدى الزوايا، رأيتها تهوي على الأرض دون حراك، والدماء تسيل من بطنها".
بقيت أروسياك مختبئة إلى أن ابتعد الجنود، ثم ركضت نحو أختها لكن الأخيرة فارقت الحياة "بدأت أبحث عن والدتي بين الجثث على الأرض، وأنا أبكي وأصرخ، فجأة وجدتها والدم يسيل من رأسها، وعندما اقتربت قالت لي: اذهبي.. اذهبي. فهمت أنها كانت تتظاهر بالوفاة خوفا من الضربة الثانية القاتلة من الجنود".
وتكمل: "أحد الأشخاص الذي كان ينهب الجثث وجد أمي ونقلها للمستشفى، لكني لم أتمكن من لقائها، ومع اشتداد الحرب نقلتنا سفينتنا إلى مصر ومنها إلى بيروت، وهناك أقمت في مخيم للاجئين، وكنت كلما أسمع أن سفينة ترسو في الميناء أذهب إلى الشاطئ لأبحث عن أقاربنا دون جدوى، وبعد أن بحثت عن والدتي وأخي لسنوات علمت أنهما نقلا لليونان ولم يشأ القدر أن ألتقي بهما".

جثث في الشوارع وأوبئة في البيوت
يروي جيزميجيان كيف تخلص الأتراك من الزعامات الشعبية للكرد فيقول :"نكل العثمانيون بزهراب ووارتكس وهما من زعماء الأرمن اللذين تعرضا للأهوال في رحلة التهجير ثم الموت، ورافقهما في الطريق نساء وأطفال وشيوخ يسيرون مع الدرك كأنهم قطعان الغنم، والذي يراهم عن بعد يظن أنهم جيوش سائرة لمواقع القتال، وعلى حافتي الطريق مناظر تقشعر منها الأبدان، فمن طفل مقتول وملقى على الأرض إلى شاب محروق بالنار مرورا بصبية في شرخ الشباب يخجل البدر من جمالها ملقاة جثتها على الطريق لا يسترها سوى شعرها، إلى شيخ هرم أعياه التعب فمات في طريقه إلى منفاه، ثم صعد الجنود بالزعيمين زهراب ووارتكس إلى ربوة مرتفعة وأطلقوا عليهما الرصاص".
يكشف جيزميجيان انتشار الأوبئة والأمراض بين المهجرين مضيفا "تسببت الجثث الملقاة في الشوارع في انتشار وباء التيفوس، وعلى إثر ذلك جرى طرد الأرمن المنفيين من حلب، إلى حد أن رجال الشرطة كانوا يخرجون المختبئين في البيوت ويجرونهم أرضا ويربطونهم بالحبال كالخنازير، وكان يجري إخراج البؤساء الذين لم يبق لهم ملجأ غير الله من المدن، وذات يوم قدم أرمني التماسا أعلن فيه أن أفراد عائلته المصابين بالتيفوس قذف بهم إلى الشارع ثم كدسوا في عربة الزبالة وأرسلوا خارج المدينة، وكان المسكين يتوسل ويبكي ويطلب الإذن بالبقاء ولو عشرة أيام، ولم يكن الرجل التعس يعرف أنه محكوم عليه بالموت، وأن أحدا لن يشفق عليه".
تروي جارين جاربويان قصة هرب والد جدتها على متن سفينة فرنسية أبحرت بهم إلى بورسعيد ومنها إلى القاهرة، تقول: "كان والد جدتي صغيرا وقت المذبحة، وتمكنت والدته من إخفائه في ملابس فتاة ووضعت حلقا في أذنه، لأن الأتراك كانوا يقتلون الأولاد، واستطاع الهرب على متن سفينة فرنسية مع الأسر التي فرت من الحرب".

Qatalah