يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


قبل أن يكمل إبراهيم الأول عامه الثاني مات والده السلطان العثماني أحمد الأول سنة 1617 فانتقلت الوصاية عليه لأخيه مراد الرابع الذي أمر بحبسه في جناحه الخاص بالحرملك، وعندما كان صبيا شاهد إبراهيم إعدام إخوته الكبار عثمان الثاني وسليمان وبايزيد وقاسم، بأوامر من السلطان مراد الرابع.

رؤيته للرؤوس وهي تتطاير تسببت في عقد نفسية مزمنة له، ظل طيلة العقدين في انتظار صدور قرار إعدامه، كان يقيم في غرفة معتمة لا تحوي إلا نافذة واحدة، لم يكن للأمير بداخلها عمل سوى ترقب الموت في ساعاته الطويلة التي يقضيها في جناحه وحيدا تُخيفه الجدران وترعبه الأصوات التي يتخيلها تأتيه على هيئة خطوات لأقدام كتيبة الإعدام. 

توليه العرش
في ظل حديثه اليومي مع خيالاته، لم يكن إبراهيم يعلم أن والدته السلطانة كوسم فرضت سيطرتها على القصر، وقبضت على زمام الحكم، وفوجئ بها تفتح باب محبسه وتخرجه من السجن وتدفع به ليتولى عرش آل عثمان وهو لا حول له ولا قوة، مجرد شخص بائس يهزي من جنون الخوف ويبارز الهواء بيديه ليمنع من يتخيلهم يحاولون قتله.

اندفع الآغوات - رؤساء الفرق العسكرية - لتهنئته على العرش، فظن أنهم يريدون خنقه وأنها مكيدة من أخيه السلطان مراد لاختبار ولائه، فرفض وأعرض عنهم ولم يصدقهم وهم يقسمون أمامه بالولاء، حتى أتت أمه كوسم ومن خلفها جنديان يحملان جثة السلطان مراد، فتيقن من الخبر، السلطان المعتوه فرح لموت أخيه مراد، وأخذ يصرخ تارة ويضحك بهستريا تارة أخرى. كان يهذي: "مات السفاح مات السفاح!". ورضي أن يتولى الحكم العام 1640.

ترف السفيه
عاش إبراهيم فترة حكمه تحت سطوة أمه السلطانة كوسم، صاحبة الفضل الأول في توليه الحكم، فأغرق نفسه في الملذات ولم يهتم بشؤون الدولة التي عمتها الفوضى، طفولته المشوهة جعلت منه مختلا عقليا، وأورثت بداخله الطمع فسعى إلى تكوين ثروات طائلة عن طريق عادات أجداده في السلب والنهب وسرقة أموال العباد.​

فرض السلطان المعتوه الضرائب الباهظة على الشعب لتلبية نفقات ترفه الجنوني، وأوعز لحراسه وجنود الإنكشارية بكسر أبواب محلات المجوهرات، فنهبوها وصادروا ثروات أصحابها، وقام بتزيين لحيته بأسلاك من الذهب وثبت بها فصوصا من اللؤلؤ، معتقدا أنه بذلك أكثر جمالا وجاذبية، كما راودته أفكار طفولية فأمضى وقته في إطعام السمك قطعا نقدية.

مس شيطاني 
السلطان المريض بالصرع كاد يقتل طبيبه لأنه فشل في علاجه فاحتال عليه الطبيب وأقنعه بأنه مصاب بمس من الجن، فتقرب إبراهيم للسحرة والمشعوذين ليعالجوه بالطلاسم، لكن حالته ازدادت سوءا وعانى من حالات تشتت ذهني جعلته يقدم على قتل أحد أولاده غضبا من بكائه ليلا، وقام بالفعل بإلقائه في بركة ماء، واستطاعت زوجته إنقاذ الطفل قبل الغرق ليعيش الصبي بندبة في رأسه بقية عمره.

جنون إبراهيم لم يقتصر على القصر العثماني، بل تعداه إلى علاقات إسطنبول الخارجية، إذ أعلن الحرب على جمهورية البندقية، حليفة العثمانيين الوحيدة في المتوسط، للاستيلاء على جزيرة كريت، واعتقل جميع رعايا المدينة الإيطالية بالسلطنة، وأمر بمصادرة أموالهم وممتلكاتهم.

وفي أثناء الاشتباكات قامت البندقية بالرد على العثمانيين بالإغارة على عدد من ثغور شبه جزيرة المورة اليونانية، فهاج إبراهيم وماج وأمر بقتل جميع المسيحيين في إسطنبول، ولكن شيخ الإسلام، أسعد زاده، حذره من الإقدام على مثل هذه الخطوة، وفي إحدى نوبات صرعه أعدم الصدر الأعظم قرة مصطفى باشا بحجة قلة غنائم الحرب في معركة كريت، على الرغم من أن الباشا نجح في ضمها لدولة العثمانيين.

ترك إبراهيم شؤون الحكم واهتم بحياة الحرملك والخصيان، وساعدته أمه السلطانة كوسم فغمرته بالجواري ليعيش حياة البذخ والمجون، وبسبب تواجده الدائم مع النساء انحرف ومال إلى محاكاتهن فكان أكثر السلاطين تخنيثا وشذوذا، وشارك الحسناوات من الجواري الرقص وأصبح غير مؤتمن بالمرة على الحكم.

الجارية تللي خاصكي
في الرابعة والعشرين من عمره لم يكن إبراهيم يصغى لأحد سوى جواريه اللواتي ازداد نفوذهن وتدخلن في شؤون الدولة، وزاد الطين بلة حين وقع في عشق إحدى الجواري البدينات (تزن حوالي 150 كيلو)، وتدعى تللي خاصكي، فطرز ملابسه بالكهرمان ليجذب أنظارها. 

تزوج إبراهيم من جاريته، وأعطاها حصيلة ضرائب ولاية مصر (أغنى ولايات الدولة) مهرا لها، وفرش حجرتها بجلود السمور في محاولة منه لاسترضائها، مما جعل فترة حكمه تعرف بعصر "سامور دوري"، والسمور نوع من أنواع الفرو الفاخر، وشاع استخدامه في القصر العثماني وكان السلطان العاشق يهديه لجواريه.

السلطان المتحرش 
وفي إحدى الليالي انتاب إبراهيم الشك في إحدى حريم القصر بأنها تخونه مع أحد الغرباء، وتضخمت بداخله الغيرة ليتمكن الغضب من قلبه معتقدا أنها تتآمر عليه مع هذا الرجل لتخلعه من الحكم.

شكه المتواصل أفقده الثقة في جواريه وعددهن 280 جارية، فأمر بإغراقهن جميعا في مضيق البوسفور، وبعد موتهن لم يجد إلا زوجات وزرائه والصدر الأعظم ليتحرش بهن، فهربن إلى بلاد الحجاز تلحقهن شائعات العار والفضيحة.

أما السلطانة كوسم فقد ساورها أيضا الشك في نوايا ولدها إبراهيم تجاهها، فدبرت مؤامرة للتخلص منه قبل أن يتخلص منها في واحدة من نوبات جنونه، فاستغلت تدهور أوضاع السلطنة وتحالفت مع أغا الإنكشارية لارتكاب جريمتها البشعة، وحرضت شيخ الإسلام عبد الرحيم أفندي ليصدر فتوى تجيز خلعه وقتله، واتفق الجميع على عزل السلطان وتولية ابنه محمد الرابع، ولم يكن قد أتم السابعة من عمره.

وبعد 10 أيام من عزله نادى بعض رجال الدولة بضرورة عودة السلطان المخلوع، لأن ولاية السلطان محمد الطفل لا تصح شرعًا، فقررت كوسم قتل إبراهيم صاحب الـ33 عاما، بعد أن تجردت من مشاعر الأمومة، وأوعزت إلى حراسها بخنقه لتفيض روحه ويسدل الستار عن نهاية عصر من الجنون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1 - أحمد عبدالرحيم مصطفى في أصول التاريخ العثماني

2 - أحمد آق كوندز الدولة العثمانية المجهولة

3 - يلماز أوزتونا تاريخ الدولة العثمانية

4 - خليل اينالجيك تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الإنحدار

5 - محمد جميل بيهم فلسفة التاريخ العثماني

6 - دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية

Qatalah