يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لا يراها إلا بوابة للتسلل في إفريقيا، تسمح له بوضع قدم في الحديقة الخلفية للعرب، لتكون شوكة في ظهورهم، طمعا في نفوذ كاذب، وثروة تبحث عمن يملكها، هكذا سعى النظام التركي إلى اختراق القرن الإفريقي عبر إثيوبيا، التي تعاني هشاشة بحكم ظروفها السيئة.

بلور كتاب رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داوود أوغلو "العمق الاستراتيجي" الصادر عام 2002 أطماع إردوغان وحزبه في تلك المنطقة، بقوله إن دور أنقرة "مركزي وليس على الهامش، ومن المفترض أن تكون لاعبا أساسيا في كل من البلقان والشرق الأوسط .. وإفريقيا".
كثفت أنقرة محاولات اختراق المنطقة التي تتألف من دول الرباعي إثيوبيا وإريتريا والصومال وجيبوتي، وارتكز رئيسها رجب إردوغان في تحركاته على أسانيد كاذبة، حيث يدعي أن الأتراك أحق بعلاقات أمتن مع إفريقيا من قوى دولية صاعدة وفاعلة في القارة مثل الهند والصين.
أخذ إردوغان يتحرك في كل الاتجاهات لدخول المنطقة، واستغل رغبة أديس أبابا في استعادة دورها كلاعب إفريقي وتجاوز محنتها الداخلية، فوضع خطة ذات محاور متعددة لنيل أطماعه ولو ببطء.

إثيوبيا.. قلب القرن الإفريقي
إثيوبيا هي أكبر دول القرن الإفريقي وتقع في القلب منه، حيث يحدها من الشمال إريتريا ومن الشرق جيبوتي والصومال ومن الغرب جنوب السودان ومن الجنوب الغربي كينيا، ويسعى إردوغان إلى وضع موطئ قدم له فيها تمهيدا لاختراق المنطقة بأسرها ومنها إلى القارة السمراء.

يلعب رجب منذ العام 2011 على رغبة إثيوبيا في الانفتاح على العالم الخارجي، بعدما مرت خلال الفترة الأخيرة بمراحل انغلاق نتيجة الأزمات الاقتصادية، والخلافات العرقية، فقدم بلاده بوصفها الداعم الأول لأديس أبابا، ورفع مستوى العلاقات سياسيا وعسكريا واقتصاديا بتمويل سد النهضة، فضلا عن الدعم الإنساني عبر وكالة "تيكا" وهي أداته الناعمة للتدخل في شؤون الدول.
ترى تركيا أن السيطرة على إثيوبيا تضمن لها دورا محوريا في المنطقة، حيث تتحكم في منابع النيل الأزرق الذي يشكل ما بين 80% و85% من إجمالي مياه نهر النيل، ما يجعل جميع دول حوض النيل البالغة 11 دولة مرهونة بموقف أديس أبابا من بناء السدود المائية وهو ما ظهر جليا في أزمة سد النهضة، من جهتها، ابتلعت إثيوبيا الطعم وغرقت في وهم الزعامة التركية، فأخذت تدعم مشروع رجب في المنطقة بكل السبل.

أدوات الاختراق
لم تقف تركيا مكتوفة الأيدي أمام تصارع القوى الدولية والإقليمية على إثيوبيا ومنطقة القرن الإفريقي، فخططت لضمان موطئ قدم لها وتنوعت أدواتها لتبدأ بالمحاولات الديبلوماسية التي تمثلت في رفع مستوى العلاقات إلى أعلى درجاته، وقام إردوغان بزيارة إلى أديس أبابا عام 2015 وهناك تحدث عن العلاقات بين البلدين وكيفية دفعها إلى الأمام.
في المقابل، زار الرئيس الإثيوبي مولاتو تيشومي ورتو تركيا في أكتوبر الماضي، والتقى إردوغان في قصر الرئاسة، فيما ذكرت وكالة الأناضول وقتها أن اللقاء ركز على التنسيق المشترك بين البلدين في القضايا والمحافل الدولية وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بينهما.

الغزو الاقتصادي
تمثل إثيوبيا بالنسبة إلى تركيا سوقا اقتصاديا واعدا بفضل مواردها المتعددة، ويحرص إردوغان على اختراقها بإشراكها في العديد من الاتفاقيات التي تخدم مصالح أنقرة أولا، خاصة فيما يتعلق بمجالات الجمارك والتجارة والطاقة. 
وفي مؤشر على مدى التداخل الاقتصادي والتجاري بين البلدين، صرح وزير الدولة للخارجية في إثيوبيا ماركوس تاكلي أن تركيا هي الشريك الاقتصادي الرئيس لبلاده، مشيرا في تصريحات على وكالة "الأناضول" الشهر الجاري إلى وجود العديد من الفرص الاستثمارية مع أنقرة سيتم إعلانها قريبا، فيما كشف السفير التركي لدى أديس أبابا فاتح أولوصوي عن زيارات مرتقبة لوفود تركية رفيعة المستوى إلى إثيوبيا، وأكدت تقارير اقتصادية أن تركيا تعد المستفيد الأكبر من هذا التقارب وليس إثيوبيا، بعدما أصبحت رابع أكبر الشركاء الاقتصاديين لأنقرة كما يقول السفير التركي، مشيرا إلى ارتفاع حجم الاستثمارات الصناعية لبلاده في أديس أبابا إلى نحو 3 مليارات دولار.

بحسب الإحصائيات الرسمية، يصل تعداد سكان إثيوبيا إلى نحو 105 ملايين نسمة، وبذلك تعد من بين أكبر الشعوب في القارة الإفريقية، من الناحية الاستهلاكية، وترغب أنقرة في أن تكون هي المصدر الأساس للسلع التي تستهلكها كل هذه الكتلة البشرية، وتسعى أنقرة للاستفادة من رفع العملات الجمركية بين الدولتين في إدخال أكبر قدر من السلع والبضائع المعفاة من الجمارك.

تركزت معظم الاستثمارات التركية في إثيوبيا خلال الأعوام الماضية حول الغزل والنسيج والكابلات الكهربائية والاتصالات والصناعات الكيمائية والجلود والبناء والسكك الحديدية والطرق، ما يدر على المستثمر التركي العديد من الأرباح جراء هذه الاستثمارات الضخمة.
وسارعت حكومة "العدالة والتنمية" خلال العامين الماضيين إلى توقيع 5 اتفاقيات اقتصادية مع الجانب الإثيوبي لتعزيز التبادل التجاري، وذلك بحضور كل من وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي ووزير الصناعة الإثيوبي أحمد إيتو.

الاختراق الناعم
لم تقتصر أدوات إردوغان في اختراق إثيوبيا على المستوى الديبلوماسي، بل شملت أيضا الاختراق الناعم باللعب على وتر العلاقات التاريخية بين الدولة العثمانية وبلاد الحبشة، وزعم أن السلطان عبدالحميد الثاني بدأ اتصالاته مع الإمبراطور الإثيوبي منليك منذ العام 1896، وجرى افتتاح أول قنصلية تركية في مدينة هرر عام 1912، وأعقبها افتتاح السفارة في العام 1926 بعد 3 سنوات من إعلان قيام الجمهورية.

حرصت تركيا على افتتاح مراكز ثقافية لتعليم اللغة التركية في العديد من المدن الإثيوبية، فضلا عن تأسيس المدارس الدينية لنشر أفكار الحزب الحاكم بين الإثيوبيين، وشرعت في تطوير العديد من المناطق الإثيوبية المرتبطة بالتاريخ الإسلامي مثل منطقة نجاش  في أقصى شمال شرقي البلاد.

سهلت منظمة التعاون والتنسيق التركية "تيكا" لإردوغان المهمة منذ افتتاح مكتبها في أديس أبابا عام 2005، حيث ركزت أنشطتها على الترويج للتعليم التركي باعتباره أكثر أدوات الاختراق الثقافي فاعلية من خلال المنح والبعثات في الجامعات التركية، إضافة إلى إعادة ترميم مسجد النجاشي التاريخي في إقليم تجراي شمالي إثيوبيا، فضلا عن مجابهة منظمة حركة الخدمة التي يصنفها إرهابية، والتي تنشط في القارة الإفريقية، إذ تمتلك العديد من المدارس.

الاختراق العسكري 
لا يغيب الجيش الإثيوبي عن نظر إردوغان الذي عقد معه العديد من اتفاقيات التعاون المشترك لاستخدامه كأداة للتوغل في العسكرية الإثيوبية بدلا من اللجوء إلى إنشاء القواعد، ووقعت أنقرة اتفاقية دفاع مشترك مع أديس أبابا في مايو 2013، وأقرها البرلمان الإثيوبي في مارس 2015.

تتضمن الاتفاقية تعزيز التعاون بين الجانبين في مجال الصناعات الدفاعية بأن تحصل تركيا على  الدعم الفني والعسكري واللوجستي من إثيوبيا مقابل إمدادها بالتكنولوجيا الدفاعية، فضلا عن إبرام صفقات سلاح، ومنها اتفاقية تنص على توريد شحنة أسلحة إلى أديس أبابا بقيمة مليار دولار في العام 2015.

مكايدة مصر
يواصل إردوغان ممارساته الكيدية مع مصر بالتوغل في القرار السياسي لإثيوبيا، حيث أعلن دعم أنقرة لمشروع بناء سد النهضة العظيم على نهر النيل، الذي يهدد القاهرة بتقليص حصتها التاريخية من مياه النيل البالغة 56.5 مليار متر مكعب بنحو الثلث.

المتحدث باسم جبهة تحرير الأورومو الإثيوبية جمادا سوتي سبق وقال لصحيفة العرب اللندنية إن أنقرة تساهم في مشروع بناء سد النهضة، وتمد الحكومة الإثيوبية بالمعدات والأموال اللازمة لضمان نجاح المشروع.

شجعت تركيا إثيوبيا على المضي قدما في مشروع السد رغم اعتراض القاهرة على بعض الأمور الفنية المتعلقة بإجراءات ملء الخزان والتي تهدد الأمن المائي لمصر، ووجدها إردوغان فرصة سانحة للنكاية في القاهرة.

المصادر :


Qatalah