يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تدرس اليابان الانسحاب من مشروع محطة سينوب للطاقة النووية في تركيا، الذي ترتفع تكاليفه يوما بعد آخر، في ضربة اقتصادية جديدة لأنقرة، وإحباط لطموحات الرئيس التركي النووية، التي كان يحلم بإضافتها لإنجازاته المزعومة في احتفالات مئوية الجمهورية.
ذكر ائتلاف الشركات اليابانية الذي يتولى إنشاء المحطة، الثلاثاء، أن ميزانية المشروع ارتفعت إلى الضعف لتصل إلى 44 مليار دولار، ما يعرقل مهمة استكماله، وأرجعت صحيفة جمهورييت نقلا عن مصادر يابانية السبب الرئيس في التراجع لانهيار الليرة، ما يجعل طوكيو مجبرة على رفع إجراءات الأمن والسلامة لمنع تكرار السيناريو الكارثي في مفاعل فوكوشيما النووي عام 2011.
 

احتفال مسموم

في مايو 2013، وقعت أنقرة اتفاقا دوليا لإنشاء محطة نووية في مدينة سينوب المطلة على البحر الأسود، على أن تضم  4 مفاعلات نووية، مع شركات ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة، وإي إن جي إي إي للطاقة الفرنسية، فضلا عن مؤسسات أخرى.
كان من المقرر بدء تشغيل المرحلة الأولى من المحطة عام 2023، تليها الثانية في 2024، والثالثة 2027، والأخيرة 2028.

تعد "سينوب" واحدة من أهم المشروعات التي وعد الرئيس التركي رجب إردوغان بأنها ستكون جاهزة للعمل بالتزامن مع الاحتفال بمرور 100 عام على تأسيس الجمهورية في 2023، في حين أعلنت شركة أتوشو اليابانية انسحابها من المشروع مطلع العام الجاري بسبب ارتفاع التكاليف عما حدده رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي وإردوغان معا في عام 2013.
 

كارثة طبيعية

إصرار حكومة العدالة والتنمية على إقامة محطات طاقة نووية ومناجم بمنطقة البحر الأسود أسفر عن التهام مساحات خضراء هائلة وجفاف الأنهار في مناطق الإنشاءات، ما ينذر بوقوع كارثة بيئية.

 
انضم خبراء البيئة إلى آلاف السكان لتنظيم مظاهرات منددة بالمشروع، ولجأوا إلى القضاء، في حين وصفت العضوة بما يسمى منصة مقاومة البحر الأسود، خديجة حجي صالح أوغلو، أرض المشروع بأنها منطقة ساحرة تحولت إلى موقع بناء، مشيرة إلى أن تلك المشروعات لا تؤدي فقط إلى تدمير البيئة إنما إلى حدوث تغيرات سكانية بسبب الهجرة، قائلة: "إنهم يأخذون المياه من أنهارنا ويقطعون أشجارنا ويحفرون أرضنا لإقامة مشاريعهم، ومع كل مشروع يندثر المزيد من الموائل الطبيعية والأراضي الزراعية". 
 
الكاتب معاذ إبراهيم أوغلو قال في مقال بموقع "أحوال تركية" إن إردوغان يحاول تدشين محطة نووية على البحر الأسود التي عانت من تبعات أسوأ كارثة نووية هي انفجار مفاعل تشرنوبل الروسي في 1986، ما أسفر عن تسمم الهواء والماء وتعرض السكان للإشعاع، وإصابة الأطفال بالتشوهات والأمراض المزمنة، وكأنه لا يتعلم!

كل عام ومع إحياء ذكرى تشيرنوبل، يتجمع الآلاف من المتظاهرين في الشوارع التركية من أجل التنديد بالنشاط النووي لبلادهم، وتأتي سينوب في مقدمة المدن التي تشهد احتجاجات عارمة، ترفع لافتات "لن نسمح بإنشاء محطات نووية، سينوب لن تكون فوكوشيما، لا للمفاعلات النووية".
يشارك في الفعاليات العديد من السياسيين والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، مثل منصة الدفاع عن البحر الأسود، حزب الشعوب الديموقراطي، منصة الدفاع عن غابات الشمال.
 
رئيس بلدية سينوب باكي أرجول، ندد بإنشاء المحطة النووية، حيث قال إن المدينة واحدة من أجمل الأماكن في العالم، لافتا إلى أن إنشاء محطة نووية على أرضها يعني أن هناك أشخاصا يريدون تغيير طبيعتها الساحرة، والتي تعد من أكثر المدن سعادة، حسب أرقام هيئة الإحصاء التركية.
"أرجول" حذر من أن إنشاء المحطة النووية يتسبب في ارتفاع مصابي السرطان، ويدمر الحياة السمكية في المدينة، مطالبا بإجراء استفتاء على القرار.
 

مذبحة الأشجار

نشرت صحيفة أفرنسال التركية، أكتوبر الماضي، تقريرا حول مجزرة الأشجار التي نفذتها الحكومة في سينوب من أجل إنشاء المحطة النووية، وقطع أكثر من 650 ألف شجرة.

وبسبب الكارثة رفع أهالي سينوب دعوى قضائية من أجل إيقاف مذبحة الأشجار ووقف المشروع، وخلال إحدى جلسات المحكمة أوضح المتحدث باسم غرفة مهندسي الكهرباء في تركيا محمد أوزداغ أن المحطة ليست مهمة بالنسبة لأنقرة، مذكرا بالكوارث النووية مثل "تشيرنوبل- فوكوشيما" من حيث إزهاق الأرواح والأمراض فضلا عن المخاطر البيئية.
"أوزداغ" قال إن الآثار السلبية للمحطات النووية معروفة في كل العالم، وتركيا ليست بحاجة إليها.
 

غرق في الديون

يقول الكاتب التركي أوزجور جوربوز في مقال بصحيفة بيرجون، نشر في سبتمبر الماضي، إن أنقرة ستكون مدينة بمبلغ 100 مليار دولار لشركات أجنبية بسبب محطتيها "سينوب" و"أك كويو".
 
"جوربوز" أوضح أن الديون الخارجية تصل حاليا 460 مليار دولار، ما يؤثر على الحالة الاقتصادية في البلاد ومستوى معيشة المواطنين، لافتا إلى أن الشركات باتت لا تستطيع سداد ديونها.
حذر الكاتب قائلا :"المركب يغرق بالفعل وهذه البداية، إن حكومتنا لا تكترث للديون، حيث تواصل جهودها من أجل تأسيس محطات نووية: الأولى مع روسيا تحت اسم أك كويو، والثانية مع اليابان وفرنسا تحت اسم سينوب، ما يحمل على عاتقها مبلغ 100 مليار دولار إضافية على ديونها".

Qatalah