يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


من الإخوان إلى داعش مرورا بـ "التكفير والهجرة" وجماعات السلفيين المتعددة، وأضحوكة "أستاذية العالم"، خرجت كل الحركات الإرهابية من عباءة السلطنة العثمانية التي يسمونها زعما باسم "الخلافة"، في محاولات يائسة للاستيلاء على السلطة باسم الدين  - هو منهم براء- دون برامج لتحسين حياة الناس أو على الأقل تثبيت أحوالهم كما هي عليه، فيما يردون على من يفضح مشروعهم التخريبي بوابل من رصاص التكفير الخارج من فوهة تركية المنشأ.
الحكاية قديمة قدم الدولة العثمانية نفسها، كل شيء في سبيل السلطة، حتى الإسلام كان أداة بيد السلاطين تارة يخبئونه وأخرى يظهرونه على حسب مصالحهم، كانوا أول من استخدم الخطاب الديني في ميدان السياسة أمام مطالب الإصلاح والحكم النيابي وإصلاح التعليم والحريات، ورفع السلطان عبد الحميد الثاني شعارا ظاهره الإسلام وباطنه الاستبداد، عبر فكرة "الجامعة الإسلامية" وكان نصيبها الفشل، لكنها انتقلت إلى الشعوب العربية في صور عدة ربما تكون "أستاذية العالم" هي الأشهر وحجر الزاوية في فكر الإخوان للمتاجرة بالإسلام.
أصاب العثمانيون شعوب الشرق بلعنة الإسلام السياسي الذي ينكوي به الجميع، بعدما وضع على عاتقه نشر الخراب والجهل وتدمير المدن وتشريد الشعوب، ونظرة لما يحدث في سورية وليبيا الآن تغني عن آلاف الكلمات.

استغلال الإسلام
يُستخدم مصطلح الإسلام السياسي لتوصيف حركات تسعى لتغيير أنظمة الحكم باستخدام شعارات الإسلام البراقة دون طرح أية برامج حقيقية لانتشال المجتمعات من تخلفها.
ويعتمد دعاة الإسلام السياسي على الأفكار والأهداف السياسية النابعة من فهم مغلوط للدين، وتبلورت جذورها على يد السلطان عبد الحميد الثاني نهاية القرن التاسع عشر بهدف خداع الشعوب لتعزيز سلطته والتنفير من دعوات الإصلاح.
وعن ذلك التوظيف للدين يقول وجيه كوثراني في كتابه "السلطة والمجتمع والعمل السياسي: ارتكز عبد الحميد على (خطاب إسلامي) في دعوته، شدّد فيه على منصب الخليفة، ووحدة المسلمين وخطر الأفكار المستوردة الأوروبية. واستطاع أن يخلق في السلطنة تياراً شعبياً معادياً للغرب، وفي نفس الوقت للأفكار التحررية والعقلانية ذات المنحنى الليبرالي. 
يؤكد الباحث محمد بنتاجة في دراسة "وهم الخلافة الإسلامية" أن التاريخ الإسلامي عموماً لم يعرف أية نمطية لتقديس الحكام في عصره الأول، فالفكرة الأساسية في الإسلام السياسي وهي عدم محاسبة الحاكم باعتباره ظل الله على الأرض، لم تكن معروفة في عصر النبي والخلفاء الراشدين.
الصدمة التي خلفها إسقاط السلطنة العثمانية كانت من العنف على دعاة الإسلام السياسي، فحاولوا البحث عن نموذج يعيد "الخلافة"، أسس حسن البنا جماعة "الإخوان المسلمين" عام 1928م للقيام بهذا الدور، حسب راضي القداح في كتاب "الإسلام السياسي - محاولة للفهم"، فيما ألف محمد رشيد رضا كتابه "الخلافة أو الإمامة العظمى"، الذي يعد دستور التيار السلفي المنادي بعودة الخلافة.

وهم الإحياء
يقول الباحث المغربي محمد بنتاجة في دراسته أن الفهم المغلوط للتاريخ السياسي الإسلامي أدى إلى تبني دعوة إحياء ما يسمى بالخلافة، باعتبارها الحل الأمثل لبلورة مشروع تحديثي يعيد للأمة نهضتها وحضورها في المشهد العالمي.
وينم الطرح عن سذاجة وجهل لأنه لا يأخذ تغير الزمن والواقع في الاعتبار، ويريد تجميد الزمن عند لحظة معينة، وهي المجد في ظل الخلافة، ولو سألنا دعاة الإسلام السياسي عن أية خلافة يقصدون ويتباكون لكانت إجاباتهم "آل عثمان".
أشد المفارقات، أن الدولة الأصل كانت مرتعا للقهر والعسف والضعف والخضوع للأجانب واحتقار الشعوب والاستبداد والفشل الاقتصادي، فهل تصلح أن تكون مثالاً يُحتذى؟.
ويضيف بنتاجة أن الإسلام السياسي يسوِّق الوهم للشعوب في دعوته للخلافة المزعومة، ويتناسى دعاته أن الواجب الأول ضرورة إحياء الإنسان بتحسين تعليمه وظروف عيشه وتحفيزه على الإبداع وسلوك الوسطية والاعتدال.
وبعد زوال الخلافة طمع عدد من الحكام العرب في ترسيم نفسه خليفة، لينال ما للمنصب من قدسية في نفوس البسطاء، إلا أن المفكرين الأحرار تصدوا للوهم، وصدر كتاب الشيخ علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" 1925م لينقذ المواطنين من مستبد جديد يتمسح بالإسلام.
ولم تيأس الجماعات التي تبنت إحياء الخلافة شعاراً وراحت تعمل على التمكين انتظاراً للوقت المناسب، وكانت هذه سياسة الإخوان إلا أن جناحا داخل الجماعة لم يطق صبراً وراح يفجر ويقتل الأبرياء لإشاعة الإرهاب، حتى يخلو الحكم له، وخرجت الكثير من الجماعات المسلحة من تحت عباءة الإخوان مثل التكفير والهجرة.
والعجيب أن إحياء الخلافة يعني عودة سياستها المستبدة تجاه العرب، ويتعجب محمد النفزاوي مؤلف كتاب "معالم الحداثة" من هذه السذاجة، ويقول :"لم يستطيعوا أن يفهموا كيف للدولة العثمانية وهي خلافة إسلامية أن تغيب تدريس اللغة العربية، لغة القرآن، وأن تعامل الولايات العربية التي يعدّ سكانها أكثر مما يعدّ الأتراك كمناطق نفي للمتمردين من كل صنف، وأن لا تحصل على قدر معقول من التمثيل والتسيير في الدولة العثمانية".
إن الفكرة التي نشأت بعد سقوط الخلافة تقوم حول الزعم بعدم إسلامية الأوضاع القائمة، أكثر مما هي إصلاحية تقدم فكرة أو برنامجاً أو بديلاً إسلاميا، بمعنى نفي الإسلام عما سواها كما عرفها الكاتب إبراهيم غرايبة في مقال منشور على موقع "مؤمنون بلا حدود".

زيف الديموقراطية بين العثمانيين والإخوان
رفضت السلطنة العثمانية دعاوى الإصلاح، وحين نستعرض سلوك الإخوان المسلمين نجد نفس المبدأ يحكمهم، فأعضاء الجماعة يقبلون بالديموقراطية شكليا لأنها السبيل للوصول للسلطة، لكنهم لا يؤمنون بمبادئها من حرية وتعددية وقبول بالآخر.
ويذكر محمد الخطيب في كتاب "حركة الإخوان المسلمين" أن الضبابية والتلون والتقلب في المواقف حسب ما تقتضيه مصلحة الحركة، منهج قديم متجدد متجذر لديهم، فاليوم: الديموقراطية ضرورة ملحة، وغداً: حرام وممنوعة، واليوم: طاعة ولاة الأمر واجبة، وغداً طواغيت وظلمة، لأنهم لم يحكموا بما أنزل الله.

الإرهاب العثماني قدوة داعش
التراث العثماني منبع الإرهاب، فحلم إقامة دولة الخلافة وأوهام التوسع العسكري وأمنيات الغنائم والسبايا، تعود إلى الممارسات العثمانية، ونماذج الجماعات الإرهابية من داعش والقاعدة والإخوان تستمد القدوة من خلفاء آل عثمان.
استخدمت الدولة العثمانية سلاح التكفير بحق خصومها، فقد أصدرت الفتاوى بتكفير الشيعة الزيدية في اليمن لأنهم رفضوا الخضوع للاحتلال وهزموا العثمانيين في معارك طاحنة، بينما لم يكفروا الإسماعيليين الشيعة في اليمن لأنهم خصوم للزيدية، وكفر العثمانيون محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا  وغيرهم لخصومة سياسية.
وهي سياسة جماعات الإرهاب في تكفير الخصوم ثم قتلهم، مثل تكفير المفكر المصري فرج فودة على يد الجماعات الإرهابية والإخوان ثم قتله بيد أحد الإرهابيين، واليوم تتعرض سورية لمذابح وتصفيات مذهبية على يد داعش بدعوى الخلافة، وقبل قرن من الزمان تعرضت بلاد الشام لمذابح وتصفيات عرقية واغتيالات وإعدامات سياسية على يد العثمانيين.

العثمانيون الجدد واحتقار العلم
لم يقدر العثمانيون العلوم مقارنة بالبندقية والمدفع، فكانت حضارتهم عسكرية يتفشى فيها الجهل.
ورّث العثمانيون نفس الآفة للإسلامويين ومنهم العثمانيون الجدد في تركيا وأزلامهم في الدول العربية، فصار التقدم هو إنشاء المصانع والنمو الاقتصادي السريع، الذي يُستخدم لتبرير قمع الحريات واغتيال المعارضين وترسيخ الاستبداد، وهو النموذج الذي تبناه إردوغان، الذي يمثل القدوة للجماعات المتطرفة والإرهابية.

عود على بدء
التوافق بين أفكار العثمانيين القدماء والإخوان، طفح على السطح مجددا مؤخرا في تحالف معلن بين إردوغان ممثل العثمانيين الجدد، وجماعة الإخوان، فمنذ وصول الأول إلى سدة الحكم عام 2003، تم استقباله من الإخوان بوصفه باعث أمجاد الخلافة، ولم يتورع منظر الإخوان يوسف القرضاوي عن وصفه بالسلطان العثماني وخليفة المسلمين.
نظم الإخوان استقبالات حافلة لـ"الخليفة المزعوم" في مصر إبان فترة صعود الإخوان في 2012، والسودان في 2018، بما يكشف أن أفكار إردوغان والإخوان تصدر من نبع واحد هو الميراث العثماني، فالإخوان يروجون لجرائم سلطان تركيا في سورية والعراق، يمجدون لخطواته في التوسع على حساب آلاف القتلى في البلدين.

Qatalah