يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


7 أكتوبر 2018 إذا: أنت إرهابي في تركيا

قضت محكمة تركية على سائق تاكسي ألماني من أصل كردي بالسجن مدة ثلاث سنوات. هذا الرجل يقيم في مدينة هامبورغ الألمانية، وهو، حين اعتقل، كان يزور والدته المريضة في تركيا.

لكن، كيف مارس هذا السائق الذي يقيم في ألمانيا، الإرهاب في تركيا؟ لقد فعل ذلك من طريق الفايسبوك. كيف؟ وصف زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون بأنه «كردي ذو بصيرة ثاقبة»، وفقاً للاتهام الذي وجه إليه.

لم تمض على اعتقال السائق الكردي أيام، حتى زج في السجن الصحافي النمسوي ماكس زيرنغاست الذي يكتب في المجلة اليسارية الألمانية «ريفولت». تهمته؟ الإرهاب. كيف؟ الكتابة عن حزب العمال الكردستاني.

قبل السائق والصحافي اعتقلت السلطات التركية العشرات، بل المئات، بالتهمة ذاتها.

في تركيا، هذا هو القانون الجديد: أنت تمارس الإرهاب إذا ما خطر لك أن تكتب عن أي شيء له علاقة بالقضية الكردية في تركيا (لا ليس في تركيا وحدها، بل في أي مكان في العالم)، سواء كنت صحافياً أو مجرد فرد عادي يسطّر جملتين في الفايسبوك أو تويتر.

هذا هو التعريف الجديد للإرهاب الذي أضافه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاموس السياسي. الإرهابي، تبعاً لهذا التعريف، ليس من يمارس العنف ويقتل الأبرياء، بل هو من يكتب عن حزب، تعتبره الحكومة إرهابياً. ليس ثمة أي مرجع قانوني دولي تستند إليه الحكومة التركية في هذا الباب. هي مرجع نفسها. إنه قائم بنفسه لنفسه. لهذا، فهي، أي الحكومة، تصطدم بكل المعايير الدولية في القانون والفهم السياسي. المعيار الذي تعتمد عليه في إطلاق أحكامها ليس القرائن والأدلة والنتائج والآثار، بل الموقف من الحكومة. من شأن أي معارض للحكومة، والحال هذا، أن يكون إرهابياً، من فتح الله غولن، الرجل الطاعن في السن والمعتكف في شقته في الطرف الآخر من المحيط، إلى جان دويندار، رئيس تحرير صحيفة «جمهوريت».

تصنف الحكومة التركية حزب العمال الكردستاني تنظيماً إرهابياً، وهذا أمر مفهوم، وربما مبرر، باعتبار أن الحزب ارتكب أعمالاً عنيفة أدت إلى القتل. ولكن، ماذا عمن يكتبون عن الحزب؟ ماذا عمن يكتبون عن القضية الكردية التي تفيض، بداهة، عن الحزب العمالي وربما تصطدم معه؟ ثمة منطق لا يمكن فهمه، ولكن في وسع أي مراقب للشأن الكردي في ميزان السياسة التركية، أن يفسره. تفسير ذلك هو أن كل ما له علاقة بالمسألة الكردية والوضع الكردي وحقوق الأكراد، في أي ركن في العالم، يعتبر من الخطوط الحمر التي ينبغي الحذر من تجاوزها. من يفعل ذلك يضع نفسه في خانة المتآمرين على الدولة التركية. ومن يتآمر على تركيا هو، بالطبع، إرهابي.

الغريب في هذه المعادلة أن من يكتب عن مئات التنظيمات الإرهابية أو حتى يتعاطف معها، بما في ذلك «القاعدة» و «داعش»، لا يعد إرهابياً في المنظور التركي. وهذا طبعاً شيء صحيح. فمن يكتب عن السرقة، مثلاً، ليس سارقاً. ومن يتعاطف مع سارق، مثلاً، لا يعني أنه يؤيد السرقة.

في وسع الصحافيين ومراسلي محطات التلفزيون في أي بقعة من العالم، أن يأتوا إلى تركيا ويكتبوا ما طاب لهم من التقارير عن «داعش» وسواه من التنظيمات الإرهابية، ويجروا المقابلات مع من كانوا في صفوفه، من دون أن تنال منهم الحكومة التركية. بالعكس، هي توفر لهم التسهيلات وترتب لهم سبل التحرك بيسر.

من يكتب عن الأكراد، أو يبدي قدراً أدنى من التعاطف معهم، إرهابي. ليس الصحافي النمسوي الضحية الأولى لهذا القانون الرهيب، وهو لن يكون الأخير. قبله عشرات الصحافيين والكتاب ذاقوا عذاب السجن والإهانة بسبب ذلك. الكاتبة التركية أصلي أردوغان نفسها لم تنج من هذا المصير، لأنها كانت تكتب في صحيفة متعاطفة مع الأكراد.

غير أن هذا المنطق يضع الحكومة التركية في ركن ضيق ويفضح عنصريتها وازدواجيتها ونزعتها الإقصائية. ذلك أن هذا السلوك الاستبدادي المرعب يصطدم بالهالة الديماغوجية الطنانة التي لا يكف الرئيس التركي عن تلوين خطاباته بها في كل لحظة. هو لا يكف عن حشو مسامع العالم بخطابات عن العدالة ومساواة الشعوب وحقوق الإنسان ولا يكف عن شجب «الإمبريالية» الأميركية وإسرائيل دفاعاً عن حق الفلسطينيين في العيش بكرامة. غير أن من الصعب أن يجد من يصدقه، سوى المنتفعين والكذابين، طالما أنه ينضح بكل هذا التعصب والحقد والكراهية إزاء أناس كل ذنبهم أنهم لا ينتمون إلى الأرومة القومية التي ينتــمي إليها هو وجماعته.

نقلا عن صحيفة "الحياة"

Qatalah