يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لأنها كانت فظائع كبيرة، ساق لها القدر كاتبا كبيرا، ليسجلها بسطور من ألم، ترتجف حروفها شفقة على ما رأى صاحبها بعينيه من مشاهد قيامة المصريين، التي توالت سوداء مظلمة تتابع بين جوع وقتل ونزوح داخل الوطن وعجز عن حماية ابن يختطف ليعمل عبدا، أو ابنة ينتهك عرضها في نهار رمضان، وداخل ساحة مقدسة في المسجد بعد صلاة الظهر. 
كان لها عبد الرحمن الجبرتي بالمرصاد، كما كان لأبطال تلك الجرائم شاهد حي لا يزال يجلد بكلماته ظهور المحتل التركي، الذي يحاول اليوم بكل ما أوتي من قوة أن يبيع للمصريين دم أجدادهم ويهديهم مذابح ودمارا جديدا تحت وهم سلطنة الخلافة.
عاش عبد الرحمن بن حسن الجبرتي الحنفي، فترة اضطراب سياسي وعسكري، كانت مصر خلالها ولاية عثمانية تعاني الفقر والجهل والتخلف، فعقب دخول سليم الأول إلى المحروسة في العام 1517، وارتكابه مذبحة القاهرة التي طارت فيها رقاب آلاف المصريين العزل من السلاح، بسيوف قوات الإنكشارية المتجبرة، ورغم اقتصار وجود الأتراك وممثلي السلطنة على القاهرة والمدن الكبرى، لكنهم تكبروا على المصريين، واعتبروا أنفسهم سادة البلاد والعباد.
أما تنديد الجبرتي بالحكم العثماني فتفيض به كل صفحة من صفحات كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، الذي شرع في تأليفه ليكون وثيقة اتهام تاريخية ترصد فضائح وجرائم العثمانيين، حتى لا ينساها المصريون وينجرفوا وراء الدعاية التركية الكاذبة التي تروج لما يسمى "الفتح العثماني"، بداية من وصفه هجوم "سليم العابس" على مصر بـ "الفتنة".

يقول الجبرتي في سبب خراب مصر تحت الاحتلال العثماني :"وفي أثناء الدولة العثمانية ونوابهم وأمرائهم المصرية، ظهر في عسكر مصر سنة جاهلية، وبدعة شيطانية، زرعت فيهم النفاق، وأسست فيما بينهم الشقاق، ووافقوا فيها أهل الحرف اللئام، في قولهم سعد وحرام، وهو أن الجند بأجمعهم اقتسموا قسمين، واحتزبوا بأسرهم حزبين".
لافتا النظر إلى أن سليم رغب في تقسيم السلطة المحلية في مصر لكي يضمن استمرار سلطته، حتى لو أدى ذلك إلى شيوع المظالم بين الرعية، فقد نفذ سياسة فرق تسد، عبر تقسيم فرق المماليك المتبقية إلى فريقين: الأول باسم الفقارية، وضم إليه فرق الجيش العثماني، والثاني فرقة باسم القاسمية تضم بقايا الجيش المملوكي، وأشعل نار الفتنة بينهما حتى لا يخلو أحدهما بنفسه فيطمع بحكم مصر، ويضمن ولاء الجميع لإسطنبول، وكان من نتيجة هذه السياسة على البلد أن "أهريقت فيه الدماء، فكم خربت بلاد وقتلت أمجاد، وهدمت دور، وأحرقت قصور، وسبيت أحرار، وقهرت أخيار"، حسب وصف الجبرتي.
كان الوالي (الباشا) رأس الأتراك العثمانيين، مستقرا في القلعة، إلا أنه لم تعد له صلاحية تصريف أمور البلاد، فأصبح خاضعا لحكم المماليك الأتراك، فيما يركز كل همه في جمع الثروات من جيوب المصريين، دون اهتمام  بالأمور السياسية أو المعيشية للناس، ويذكر الجبرتي في أحداث العام 1774 "واستهلت السنة ووالي مصر خليل باشا محجور عليه وليس له في الولاية إلا الاسم والعلامة على الأوراق".

أطلق المصريون على الوالي أيوب باشا الذي عين العام 1645 لقب "خيوب باشا"، لفشله في إدارة مصر وانتشار الفوضى وجرائم القتل والسرقة، كما ثارت الشائعات حول تقديمه رشوة للسلطان إبراهيم المجنون، وانتشرت الرشوة في جميع المعاملات الرسمية، بين الوالي وحاشيته والقضاة وحكام الأقاليم، لكنه لم يفلت من ألسنة المصريين التي سبته وذكرته بأصله الوضيع "لعنك الله ولعن اليسرجي (تاجر العبيد) الذي جاء بك ومن باعك ومن اشتراك ومن جعلك أميرا".
أما الفئة الثانية من العنصر التركي، فكانت من قبل الحامية العسكرية التي كان عملها الرسمي الدفاع عن مصر، والتي تكونت من قوات الإنكشارية والسباهية، الذين تمتعوا بسلطات واسعة، واعتبروا أنفسهم أصحاب النفوذ الحقيقي فى مصر المحروسة، ويتناول الجبرتي صراعات الفرق التركية وما صحبها من فوضى واعتداء على الأهالي في القاهرة والأقاليم، فقد كانوا المصدر الرئيس للاضطرابات والشغب لأتفه الأسباب.
وبالرغم من أن السلطة في مصر انتقلت إلى أيدي بكوات المماليك وأصبحوا القوة المسيطرة على مصر في القرن الـ17 نتيجة لضعف الولاة في أعقاب ضعف الإدارة المركزية للسلطنة، فإن التنافس بين الجانبين صار على أشده بهدف القفز على السلطة، والمناصب الرئيسة، وعلى الأخص منصب شيخ البلد، ولم تنقطع الحروب فيما بينهم.

الشعب يأكل لحوم الحمير
في الوقت الذي ضعف فيه نفوذ الوالي العثماني، أخذت شوكة العسكر تزداد في البلاد، وصاروا يتدخلون في كل شؤونها، وأصبح الولاة ألعوبة بأيديهم، بعد أن عجزوا عن ردعهم وحماية الأهالي من شرورهم، ويرصد الجبرتي الصراع بين أثنين من أمراء المماليك وهما مراد بك وإبراهيم بك، والذي كان له آثار سيئة على البلاد والعباد، وحسب رواية الجبرتي كان العام 1784 قاسيا على المصريين "فانقضت هذه السنة كالتي قبلها في الشدة والغلاء، وانتشرت المظالم من الأمراء، وأمروا أتباعهم بتجبي الضرائب من القرى والبلدان، وفرضوا الفردة والإتاوات حتى أهلكوا الفلاحين، وضاق ذرعهم واشتد كربهم، وطفشوا من بلادهم، وانتشروا في المدينة بنسائهم وأولادهم، يصيحون من الجوع، واشتد بهم الحال حتى أكلوا الميتة من الخيول والحمير، ومات الكثير من الفقراء بالجوع، وصار سمر الناس وحديثهم في المجالس ذكر المأكل والقمح والسمن، وأصبح أهل مصر في شدة كرب وضنك، وانقطعت الطرق برا وبحرا، وكثر التعدي والسلب والنهب، ولم يتركوا على الأرض عودا أخضر".

الحكمدار يجمع البقشيش
ذكر الجبرتي العديد من حالات اعتداء الحامية العثمانية على الأهالي، فكانوا "يخلون المنازل من ساكنيها ليسكنوها ويخرجون الناس قهرا من بيوتهم، أو يحرقونها، وإذا امتنع أصحابها، فكانوا ينكلون بأصحابها، وفي حالة تأخر رواتب الجنود الأتراك كانوا يهاجمون الأسواق ويخطفون أمتعة الناس، وكل ما يجدونه داخل السوق من مأكل، فيضطر أهل السوق إلى إغلاق حوانيتهم، خوفا من امتداد السلب والنهب إليهم".
كما كانت للعسكر "عادة (فِردة) تسمى (الجمعية)، فقد كان المختصون بخدمة حكمدار القاهرة ونائبه يخرجون في كل يوم جمعة وقد لبسوا أحسن ثيابهم، فينتشرون في أنحاء القاهرة يطوفون على بيوت الأعيان وكبار القوم ليطلبوا منهم البقشيش، ثم يمرون على بيوت الناس وفي أيديهم العصي والأسلحة، فيعطيهم صاحب البيت ما يرجون، لأنهم كانوا يرون ذلك فرضا واجبا، وقد ثقلت تلك الأمور على الناس حتى أن بعضهم كان يترك منزله بسببها".
من حوادث تعدي الجنود على الحرفيين، ما يرويه في حوادث العام 1786 "كثر تعدي العساكر على أهل الحرف والمحال التجارية، ومن صور ذلك أنه يدخل على صاحب المحل ويجبره على التوقيع على عقد مشاركة في نشاطه ويشاركه الربح".

 خطف الفتيات في نهار رمضان
أدت الممارسات الشاذة للأتراك إلى شقاء أهل مصر، فكانوا يقفون في الطرقات يخطفون من يمر من النساء والغلمان، ورصد الجبرتي باشمئزاز الانحرافات الأخلاقية للمحتلين، فيذكر أن "أربعة من الجند اغتصبوا غلاما، وذهبوا به إلى بيت لهم، وتكاثر عليهم الناس يريدون إخراج الغلام، فأطلق الجند الرصاص على الناس فمات منهم 15 رجلا".
كان أغلب هؤلاء العسكر يجاهرون بالإفطار في نهار رمضان "فيجلسون على الحوانيت والمصاطب ويأكلون ويدخنون" ويمضي واصفا تلك المخازي بقوله: "حدث أن أدخل رجل من الجند امرأة في مسجد الأشرفية وفعل بها الفاحشة فيه، بعد صلاة الظهر في رمضان"، يتابع الجبرتي "كما كانوا يمرون بشوارع القاهرة في نهار رمضان والقهاوي مقفلة فيطلبون أصحابها ليفتحوها وليصنعوا لهم القهوة ليشربوها، فإذا أبى صاحبها كسروها وعبثوا بما فيها من الآنية والأدوات، كما كان يجتمع في معسكراتهم الكثير من النساء المحترفات البغاء، فينصبون لهم الخيام ويجئ لهم بائعو الحشيش ويجتمع حولهم الغوازي والراقصون، فينصرفون جميعا إلى شرب المسكر وأكل الحشيش والاجتماع بالنساء والغلمان ولعب القمار جهارا في رمضان".

سخرة وعونة وفردة.. قاموس العار
رصد الجبرتي بألم حياة الفلاح المصري في ظل الاحتلال العثماني، إذ ساد نظام الالتزام، الذي اشترط على الملتزمين أن يدفعوا الضرائب على الأراضي التي بحيازتهم، وتزرع الوسية (أراضي الملتزم) بنظام السخرة، فيذكر المؤرخ أنه "إذا آن وقت الحصاد طلب الملتزم الفلاحين فينادي عليهم الغفير بالتبكير إلى شغل الملتزم، فمن تخلف لعذر أحضره الغفير وسحبه من شنبه وأشبعه سبا وشتما وضربا".
وعندما كان المماليك يتأخرون في سداد الضرائب للسلطان، كانوا يعتصرون الفلاحين لتسديد الأموال المطلوبة، وكان كل "بيك" يتحكم في عدد من البلاد والقرى يستغل إيرادها ومواردها، ويستولى على المحاصيل والماشية،  وأدى هذا السلب والنهب إلى تدهور الحالة الاقتصادية، ففي أبريل 1786 "سمح مراد بيك لبعض جنوده بفرض ضريبة لحسابهم على قرى المنوفية، وعلى كل بلد 150 ريالا".
ونظرا لاختلال نظام الإدارة في مصر في القرن الـ18، اندفع الملتزمون ورجال الإدارة لإرهاق الفلاحين بمطالبهم الجائرة، وأصبح الفلاحون يئنون من السخرة والعونة والفردة والكُلفة، وقد أدى ذلك إلى خراب كثير من القرى التي هجرها أهلها فرارا من الظلم، فكان الفلاحون ينزحون إلى المدن خاصة القاهرة، وكما يقول الجبرتي فإن الأتراك "إذا وردوا قرية نهبوها، وأخذوا ما وجدوه فيها، فأخذوا الأولاد والبنات وارتحلوا".

ولا شك أن الأعباء المالية تركت آثارها السيئة على الفلاحين، وتمثل ذلك في هجرهم لقراهم، حتى أن كثيرا من القرى أصبحت خاوية على عروشها، ولم يبق بها أحد من سكانها، ووصل الأمر بالفلاحين إلى أن أهل عدة قرى كانوا يتجمعون في قرية واحدة ليبتعدوا عن الجند المكلفين بجمع الضرائب. 
يشير الجبرتي إلى أن الأعباء الثقيلة التي أصبح الفلاح ملزما بها فيقول :"يكل القلم عن تسطيرها ويستحي الإنسان من ذكرها، حتى خربت القرى وافتقر أهلها وجلوا عنها"، حتى إذا وصلنا إلى أواخر القرن الـ18 وجدنا أنه "لم يبق بالأرياف إلا القليل من الفلاحين، عمهم الموت والبلاء"، ونجد أن إقليم المنوفية لم يبق به إلا 25 قرية فيها بعض السكان، وباقي قراها أصبحت خرابا ليس فيها "ديار ولا نافخ نار" على حد تعبير مؤرخنا العظيم.
يروي الجبرتي أنه في العام 1650 "اجتمع الفقراء والشحاذون رجالا ونساء وصبيانا وطلعوا إلى القلعة، وصاحوا من الجوع، فلم يجبهم أحد، وكانت هذه الحادثة ابتداء الغلاء، وحصلت شدة عظيمة بمصر وأقاليمها، وحضرت أهالي القرى والأرياف، حتى امتلأت منهم الأزقة، واشتد الكرب حتى أكل الناس الجيف، ومات الكثير من الجوع، وخلت القرى من أهاليها، وخطف الفقراء الخبز من الأسواق ومن الأفران، ومن على رؤوس الخبازين، ويذهب الرجلان والثلاثة مع طبق الخبز يحرسونه من الخطف وبأيديهم العصي، حتى يخبزوه بالفرن ثم يعودون به".
تعرضت مصر خلال العهد العثماني لحالات شديدة من القحط والمجاعات والأوبئة، تحدث الجبرتي عن فظائعها، وكثيرا ما كانت المجاعات مصحوبة بانتشار الأوبئة، الأمر الذي أفضى إلى موت الآلاف من الناس، وكثيرا ما فسر ذلك "بفساد حكام آل عثمان وخروجهم عن طاعة الله وإسرافهم في المعاصي".

فرار اللصوص
خلال ثلاثة قرون بين عامي 1517 و 1798، تفرغ العثمانيون للنهب والسلب وسرقة قوت المصريين، نشروا الجهل والخرافة، قمعوا الفلاحين ونكلوا بهم، عاش المصريون في فقر مدقع، فيما روج الأتراك سواء كانوا من العثمانيين أو المماليك أن شرعيتهم قائمة على حماية بلاد الإسلام من الغزو الصليبي، في أكذوبة سرعان ما انهارت، عندما جاءت جيوش فرنسا بقيادة بونابرته (الإمبراطور نابليون فيما بعد) تدك أسوار الإسكندرية وتكتسح مدن الدلتا، حيث أصاب الرعب القوات العثمانية التي فرت أمامهم من القاهرة.
سجل الجبرتي أحداث العام 1798 بكل أسى، حين استغلت فرنسا حالة الضعف السياسي والعسكري بالولايات العثمانية لينقضوا عليها، بعدما أصبحت القوات التركية لا تقدر أن تحمي نفسها، فكيف لها أن تدافع عن ولاية مهمة بقدر مصر، كشف الجبرتي خيانة العثمانيين لمصر، حين تخاذل السلطان سليم الثالث عن نصرتها ولم يحرك ساكنا وتركها ليدافع أهلها عنها، الذين استبسلوا ودافعوا عن أرضهم بصدورهم التي تلقت طلقات الفرنسيين، بداية من الإسكندرية وحتى شوارع القاهرة، بعدما فر الوالي العثماني والحامية العسكرية التركية إلى الشام.
ولخص الجبرتي أحداث هذه السنة بقوله: "وهي أولى سنين الملاحم العظيمة، والحوادث الجسيمة، والوقائع النازلة، والنوازل الهائلة، وتضاعف الشرور، وترادف الأمور، وتوالي المحن، واختلال الزمن، وانعكاس المطبوع، وانقلاب الموضوع، وتتابع الأهوال، واختلاف الأحوال، وفساد التدبير، وحصول التدمير، وعموم الخراب، وتواتر الأسباب"ـ إذ انهزمت قوات العثمانيين والمماليك في موقعة إمبابة-الأهرامات، "فلم تكن إلا ساعة وانهزم مراد بيك ومن معه"، بعدها فرت القوات التركية الجبانة إلى بلاد الشام تاركة المصريين يواجهون الغزو الفرنسي، هكذا كانت نتيجة ثلاثة قرون من الاحتلال العثماني لمصر، انهيار شامل سلم البلاد لقمة سائغة لمحتل آخر، وهرب.

Qatalah