يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تاريخ تآمر إردوغان على المنطقة العربية يمتد لسنوات، وبالتالي لا يمكن اعتباره وليد لحظة استثنائية أراد من خلالها تحقيق مصالح لحظية له ولمشروعه التوسعي، وتظهر مواقفه السياسية البرغماتية سعيه لابتلاع ثروات المنطقة وتكوين إمبراطورية وزعامة تضاهي دولة الظلم العثمانية التي أسسها أسلافه.

تعهد إردوغان خلال لقائه بالرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش، في البيت الأبيض 2005، بدعمه في تنفيذ مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، الذي ظهرت أولى بذوره العام 2000، وتمحورت جميعها حول إحداث تغيير في شكل خريطة المنطقة، خدمة لأطماع الدول العظمى من جهة، ودولة الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى. 

طرح بوش مشروع "الشرق الأوسط الكبير" في العام 2004، لبسط الهيمنة الأميركية على المنطقة، وإقامة نظام دولي جديد تكون فيه بلاده هي المستأسدة بالتحكم في الثروات الطبيعية للمنطقة العربية على وجه الخصوص، إذ تحوي ثلثي الاحتياطات العالمية من الذهب الأسود (البترول). 

ما هو مشروع الشرق الأوسط الكبير؟ 
الشرق الأوسط الكبير" هو امتداد لمشروع ما يسمى "القرن الأميركي الجديد" الذي وضعه قادة صنع القرار في الولايات المتحدة العام 1997، ويطمح البيت الأبيض من خلاله في تحقيق حلم "الإمبراطورية الأميركية"، بإقامة نظام عالمي يشمل تغيير خريطة الأمتين العربية والإسلامية.

ظهر مشروع "الشرق الأوسط الكبير" العام 2000 كجزء من مشروع "القرن"، الذي لم يكن ليتحقق إلا بزيادة ميزانية الدفاع والإنفاق على التسليح، وتشجيع شعوب المنطقة على الممارسة السياسية من المنظور الغربي.

يستهدف المخطط توثيق أميركا لعلاقاتها مع حلفائها، لتحدي الأنظمة المعادية لمصالحها وعلى رأسها (روسيا والصين)، والتغيير السريع لجميع الأنظمة العربية والإسلامية الموالية لهما، وكان البدء بأفغانستان والعراق وسورية، وبالفعل سقط النظامان في كابول وبغداد.

يقوم مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي ساهم في وضعه أكاديميون صهاينة على التغيير الاستراتيجي، والجغرافي، للمنطقة، لخدمة مصالح الدول الكبرى.

حددت واشنطن الحيز الجغرافي للمشروع من أقصى شمال إفريقيا وصولاً إلى عمق آسيا، حيث يشمل المغرب ثم يمتد شرقاً إلى الجزائر، ومصر، وبلاد الشام، والعراق، والخليج، والجزيرة العربية، وإيران، وتركيا، وأفغانستان، وجمهوريات آسيا الوسطى، وباكستان، وإندونيسيا.

دمقرطة بالقوة
تبنى واشنطن وفق المخطط، "دمقرطة المنطقة"، وصل الأمر في بعض الأوقات إلى تهديد أنظمة عربية وإسلامية بفرض الديموقراطية عليها بالقوة، كما استهدفت أميركا استئصال ما تسميه "الإسلام الراديكالي"، إذ كانت تعاني فوبيا "الإرهاب" بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. 

كانت ترى أن مواجهة المتطرفين دينيًا لن تكون إلا بخلق مجتمعات إسلامية تتبنى ذات التجربة التركية العلمانية.

بحسب تقارير صحافية، فإن الولايات المتحدة وضعت مرتكزات المشروع ومنطلقاته، خلال ثلاث قمم عقدت في (الولايات المتحدة، وبروكسل، وإسطنبول)، بالتنسيق مع "إسرائيل"، و"الاتحاد الأوروبي" وحلف شمال الأطلسي (الناتو).

المثير للدهشة أنه لو افترضنا حسن النية في المشروع كما تزعم واشنطن، فلماذا لم يتم أخذ رأي أهل "الشرق الأوسط الكبير" حكاماً ومحكومين، ولماذا لم يُأخذ في الحسبان تاريخ الشعوب وثقافاتها وتقاليدها وواقعها وتنوعها الحضاري والسياسي والديمغرافي والاقتصادي؟

لماذا تركيا وإردوغان؟
نظرت أميركا إلى تركيا بوصفها حليفًا نموذجيًا سيؤدي دورًا رائدًا في المشروع الخبيث، يتمثل في ترويض المنطقة عبر تسهيل برامج الغزو الثقافي والديني الذي يحترف فيهما إردوغان. 

ومنذ وصول إردوغان إلى الحكومة العام 2002، وهو يقدم نفسه بوصفه رئيسًا مسلمًا لدولة علمانية. أي أنه أصبح في نظر الأميركان قائدا مسلما مؤمنا بمبادئ العلمانية، وهو المطلب الذي تُصر عليه واشنطن خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر.

خلال تلك الفترة كانت تركيا تحلم بالالتحاق بالاتحاد الأوروبي، واعتبرت أميركا موالات أنقرة لها ثابتة لا شبهة فيها، فضلًا عن قدرتها على مخاطبة العالم الإسلامي، لكون الإسلام هو دين الأغلبية بها، لذلك وقع الاختيار عليها.

العلاقات التركية الإسرائيلية كانت حافزا آخر للأميركان في الاعتماد على إردوغان في المشروع، فدفء العلاقات بينهما لاقى ترحيبا وتشجيعا كبيرين من جانب واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي، وقد زار إردوغان تل أبيب، وقبر هرتزل مؤسس الدولة الإسرائيلية العام 2005. 

كل هذه الأمور أهلت إردوغان كي يكون فرس الرهان الذي ستعتمد عليه أميركا في مشروع الشرق الأوسط الكبير، إلى جانب معرفتها بطموحه الشخصي في المنطقة وسعيه لتوسيع نفوذه. 

طرح المشروع
بعد وقوع الاختيار على إردوغان أراد الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش اطلاع تابعه التركي على تفاصيل الخطة، قرر دعوته في البيت الأبيض العام 2005، وأخذ يسرد عليه تفاصيل المشروع لمدة تخطت الساعة الكاملة.

كان الاتفاق الذي تمخض عن اللقاء، هو تعهد إردوغان بالاجتهاد، لتنفيذ "الشرق الأوسط الكبير" وبناء عليه شكره بوش، بحسب ما ذكرت صحيفة "صباح" التركية.

بوش من جانبه طالب إردوغان ببذل جهود كبيرة في المنطقة خلال الفترة المقبلة، ووعده بتكليف الإعلام الدولي بتقديمه بوصفه الزعيم الجديد لها، وأنه قادر على القيام بمفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لحل القضية الفلسطينية ونشر السلام.

اتفق الطرفان على تغيير النظام السوري، وتشكيل جبهة جديدة يلعب فيها إردوغان  دورًا بارزًا في محاربة الإرهاب، ودعم حركات المعارضة، لإسقاط الأنظمة الاستبدادية، والبدء بمرحلة جديدة من التعاون بين تركيا والأكراد، ووقف أعمال القتال مع حزب "العمال الكردستاني"، ودعمهم لإقامة دولة لهم في تخوم الشمال السوري. 

كلفت واشنطن إردوغان بالعمل على ترويج النموذج التركي في الحكم، إلى جانب تعمدها وصف تركيا بالدولة المعتدلة دينيًا.

تقول صحيفة "يني شفق": "اقترح الرئيس الأميركي أن تبادر تركيا بإرسال وعاظ وأئمة إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي، لكي يتولوا التبشير بالتجربة الدينية المسخ في تركيا".

من هنا بدأ إردوغان الاعتماد على تنظيم "الإخوان"، لكونه الأقرب أيديولوجيًا له، وظهر جيل من الدعاة أمثال يوسف القرضاوي يمجدون التجربة التركية وحكم إردوغان. 

مرحلة التنفيذ
كان العام 2009 دليلًا على بدء تركيا في تنفيذ المشروع، وزير الخارجية، أحمد داوود أوغلو، قال تصريحًا شهيرًا على موقع وزارة الخارجية: "تركيا ستكون دولة فعل. سوف تستشار في كل قضايا المنطقة والعالم. سنكون مؤثرين في القوقاز والشرق الأوسط والبلقان". 

تُظهر التصريحات أن تركيا بدأت التنفيذ في مراحل مشروع الشرق الأوسط الكبير، خاصة أن وزيرة الخارجية الأميركية كوندليزا رايس قالت في وقت سابق إن المشروع سيمتد من حدود شرق آسيا إلى حدود غرب إفريقيا مروراً بالشرق الأوسط القديم والجمهوريات الإسلامية السوفياتية سابقاً في أواسط آسيا والقوقاز وحتى نواكشوط.

أرادت أميركا كذلك من تركيا أن تلعب دورًا في تحجيم الدور الإيراني في المنطقة، الأمر الذي يجعلها بغير حاجة للتدخل العسكري ضد إيران.

التفاوض مع العمال
ستكملت تركيا الدور المطلوب منها بالتفاوض مع حزب "العمال الكردستاني"، ودخلت المخابرات التركية في مفاوضات مع الحزب، حتى تم توقيع اتفاق سلام بين الطرفين قبل أن يتم الانسحاب منه العام 2015.

خلال العام 2009 زار إردوغان منطقة "ديار بكر" معقل الأكراد، وعدهم بإقامة منطقة لوجستية، لكن سرعان ما تحولت وعوده لهم إلى شن عمليات إجرامية لسحقهم والتنكيل بهم، متوعدًا بمحاربة وإحباط أيةمحاولة لإقامة كيان مستقل للأكراد.

لعبت تركيا دورًا بارزًا في الأحداث التي وقعت في العالم العربي خلال العام 2011، دعمت حركات المعارضة والجماعات المسلحة لإسقاط الأنظمة في سورية وليبيا ومصر، وتحتل حاليًا الشمال السوري ومناطق في العراق، وترفض الانسحاب منها بحجة تأمين أمنها القومي. كل ذلك يدخل ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يعد إردوغان هو الأداة الأساسية في تنفيذه.

Qatalah