يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


ينفر الأتراك من  تقاليد العثمانيين، يعتبرونها إرثا من التخلف، وذريعة لإحياء الاستبداد بيدّ العثمانيين الجدد وعلى رأسهم رجب إردوغان، لكن شيئا واحدا فقط من ذلك الإرث الفاسد تجمع النخبة والحكومة اليوم في تركيا على تقبله والحنين إليه وترويجه رغم منافاته لتعاليم الإسلام الصريحة: رقص الذكور الماجن أو "الزين" و"الزنة".
يعود رقص الذكور المخنثين بقوة ليحتل صدارة أنشطة الترفيه في إسطنبول، تماما  كما كان بالأمس في عاصمة السلطنة العثمانية، رغم تحفظ  غالبية المواطنين الأتراك حتى وقت قريب على مرض الشذوذ الجنسي الذي يجتاح الساحة التركية بفضل دعم حكومة "العدالة والتنمية" والرئيس التركي نفسه للشواذ.
قديما.. كانت قصور السلطان العثماني مرتعا للشواذ جنسيا، الذين لم يقتصر دورهم على إشباع رغبات السلاطين والأمراء والحاشية الجامحة في ممارسة الجنس مع الغلمان، فامتدت وظائفهم إلى الترفيه عن السلطان وحريم قصره، وفي صدارة هذا الترفيه الرقص الشرقي بملابس نسائية فاضحة.
وحديثا.. أطلقت قصور السلطنة أجنحة خيال العثمانيين الجدد، وحركت أشواقهم لفحش القصور السلطانية وما كانت تشهده من أبهة مصحوبة بالفجور واللهو والرقص أيضا حيث تختلط إليات الراقصين بأجساد مشاهديهم من نخبة الحكم بعد ذهاب العقول من أثر الخمر، فأطلقوا الضوء الأخضر لعودة هذه التقاليد في المحلات العامة والملاهي الليلية، لتبرز في السنوات الأخيرة أسماء راقصين مخنثين يحيون ليالي إسطنبول والمدن الكبرى برقصات الزنة بين جماهير من الرجال والنساء على السواء، تماما كما يستعرض "سيجاه" حاليا مهارته المتفردة في هز إسطنبول مع هزات وسطه العاري على أنغام موسيقى شرقية في حانات منطقة تقسيم السياحية الشهيرة.

خصر "سيجاه" يهز إسطنبول
عندما يرقص سيجاه يهلل الجميع، يميل بخصره يمينا، فتهتز عضلات بطنه مع ملحفة قماشية طويلة يلفها حول وسطه، أسوة بالراقصات، فيسرع قرع الطبول، بينما يلمع "الجليتر" على صدره مع السلسلة الذهبية تحت الأضواء، ليلقي بالفتنة في عيون مشاهديه من الرجال والنساء على السواء، ثم تخفت الأضواء فيرمي قبلة للجمهور، ويضع يده على قلبه، ثم ينحني للتحية.
في شانتا ميوزيك، أحد أشهر النوادي الليلية قبالة شارع الاستقلال في إسطنبول، يؤدي سيجاه "راقص الزين" على طريقة غلمان القصور العثمانية، فقرته اليومية، وهو واحد من عدة راقصين ذكور في أكبر مدينة في تركيا يكسب رزقه من "الرقص الشرقي" مرتديا البزات النسائية المثيرة.
يشهد رقص الزين رواجا حاليا بين الأتراك، حتى في المناطق المحافظة، يؤدي راقصو الزين عروضهم، دون لفتات جنسية، لغير المثليين، كما يقول صانع الأفلام  ميميت بيناي، الذي يستكشف فيلمه "راقص الزين" عام 2012 قصة صداقة بين راقص زين من إسطنبول، ومصور ألماني، ورجل مثلي من أورفا.


"في الشرق، لا يوجد رقص زين في مطعم، لن يحدث في حفل زفاف، لكن ستجده في بيت مغلق، حيث يلتف 12 رجلا حول الراقص"، بيناي يوضح أن الرجال والنساء هنا يتشاركون الرقص الشرقي على حد سواء، مضيفا "نحن جميعا نرقص في مرحلة ما - حتى الرجال الأسوياء - على الأقل، اعتدنا على ذلك".
في نصف العقد الماضي، أصبح رقص الزين في إسطنبول سائدا مدعوماً بالاهتمام الإعلامي المدفوع لفيلم بيناي، بالإضافة إلى نجاح نوادي اختلاط المثليين وغير المثليين كنادي شانتا الذي يقدم عروض زين لزبائن غير مثليين من الإناث، يقول ألبير شريك بيناي :"راقصو الزين كانوا على وشك الانقراض، لكنهم الآن يعودون مرة أخرى، كانت كلمة زين إهانة ، الآن هي رائجة".
الشعبية المتزايدة لرقص الزين أصابت المثليين المنضمين لهذه المهنة بالرخاء، سيجاه يعمل في شانتا منذ عامين، وظهر في برامج تلفزيونية في تركيا وقبرص.
مثل العديد من الرجال الأتراك المثليين، وجد سيجاه درجة من الحرية في إسطنبول، بسبب نشاط المثليين في العاصمة الثانية لتركيا، استنادا لدعم حكومة إردوغان وتحالف حزبه مع تجمعات ورابطة الشواذ، رغم تذمر الأوساط المتدينة، فوفقاً لاستطلاع رأي أجري عام 2011 ضمن مسح القيم العالمية، وصف 84٪ من الأتراك الجيران المثليين والمثليات بأنهم "الأسوأ". 

أوزجان: أمي تشعر بالفخر

يلماز بيراسان من أشهر الراقصين الذكور في عالم الزنة، لكنه غير راضٍ حاليا عن جمهوره، وعن حدود المتعة التي باتت ضيقة، على حد قوله. ويبدي مخاوفه لصحيفة "بيرجون" من أن يصعد للمسرح حاليا فيتم إلقاؤه بالحجارة، زاعما أن تركيا اليوم باتت لا تتذوق الفن والفنانين، بعكس ما كان يلقى من حفاوة حين كان يطل على جمهوره في السابق فيشبعه تصفيقا.
يقول بيراسان إنه كان أول راقص تركي يصعد للمسرح، وبالطبع تعرض لردود فعل كثيرة، لكنه لم يلتفت لهذه الهراءات وباشر طريقه، متذكرا أول ليلة رقص فيها، إذ كان يرتعش كثيرا من الخوف، لكنه تشجع، وبات يأتي إلى المسرح راكبا على ظهور الخيل والراقصات من حوله على أقدامهن، تقديرا له.

 

ربما يضع بعض الراقصين المنافسين شكوى يلماز في إطار إنكار أنه "ولى زمنه"، فها هو زاني أوزجان القبرصي التركي الذي يعيش في لندن ويدرس الرقص للرجال والنساء معا، ويتمتع بشهرة وأرباح هائلة، يقول إن والده لم يمانع حبه لتعلم الرقص بمشاهدة فيديوهات على الإنترنت.

أسس أوزجان فريقا من 22 راقصا، بدأوا في تقديم العروض العلنية، ويعلق على ذلك بقوله :"كانت والدتي تشعر بالفخر عندما تشاهدني أرقص على المسرح".
لكن أوزجان مختلف قليلا، فهو يولي الرقص أهمية عن الإثارة الجنسية التي تغلب على منافسيه المخنثين في إسطنبول، فيتجنب أصباغ الوجه (الماكياج) ولا يهتم بقصة شعر على الموضة، لأن ما يهمه أن ينظر الناس إلى فنه وليس جسده، حسب قوله.

تحتفي الصحافة التركية بهذا النوع من الرقص الماجن الذي يزيد انتشارا في المجتمع التركي، ففي سبتمبر 2017 نشر موقع "سي إن إن" بنسخته التركية  خبرا حول عرض لإحدى الراقصات التركيات في مدينة موغلا. وخلال العرض تصدت الراقصة لتعليم الرجال الأجانب الحاضرين فنون الرقص الشرقي، حتى أن بعضهم ارتدى أزياء الراقصات، واعتبرت الصحيفة أن العرض "مرح وممتع وجاذب للسياح".

 

أشهر مدارس الرقص المختلطة في تركيا "afem" و "dansakademi" و "yildizdansakademi"، و "yagizbankoglu" و "shinedans".

 
السلطان يرقص في  حضن "الزين"

اجتاحت شهوة ممارسة الجنس مع الغلمان والتمتع بهم بشتى الطرق القصور العثمانية، منذ القرن الخامس عشر، وأصبح اللواط ومظاهر اللهو من غناء ورقص الشغل الشاغل للسلطان ورجال قصره، خاصة في عهد محمد الفاتح، فيما عرف باسم "إيج أوغلان"، إذ تولى السلطان بنفسه اختيار أجمل الغلمان للعمل في القسم الداخلي "أندرون" بقصر الحكم طوب قابي، وتورط في علاقات محرمة مع هؤلاء الشبان الوسماء، إلى حد الغيرة عليهم، فأمرهم بارتداء النقاب.
وتوسع رقص المخنثين في القصور السلطانية، بإشراف "معلم الداخل الهمايوني"، الذي ينتخب المجموعة الموسيقية من غلمان وجواري وخادمات الحرم ليعلمهم الموسيقى في دار التعليم الموسيقي أو بيوت المعلمين.
كان "الزنة" يعزف ويرقص للرجال بالحانات والقصور السلطانية، ويضع مساحيق التجميل كالنساء تماماً، وامتلأ قصر طوب قابي وخاصة جناح "صُفة الخنكار" بهذا النوع من الراقصين الجدد، وتصور رسوم القصر الذهبية الراقصين الذكور إلى جانب الراقصات، حيث الأمر كان عاديا لدى الصفوة العثمانية.
تروي دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية قصة إحدى الحفلات الماجنة التي دعا إليها سليم الثاني "بدأ الموسيقيون يعزفون في قاعة صفة الخنكار، وراح السلطان ينتشي على أنغام الأغاني، متكئا في استرخاء على وسائد ناعمة والكأس في يده، ثم قام ليحتضن راقص الزنة ويتمايل معه".
واشتهر ثلاثة سلاطين هم سليم الثالث ومحمود الثاني وعبدالمجيد الثاني بعشق حفلات الجاز والبالو، وهو ما عابه عليهم أحمد جودت في كتابه "تاريخ جودت باشا"، الأمر الذي تطور إلى انتشار هذه الرقصة وأصحابها المخنثين في حانات المدن والشوارع التركية في القرن التاسع عشر، حين حل الضعف بالدولة العثمانية تماما.
أثار راقصو الزنة غيرة وغضب حريم القصر أنفسهن، لما كانوا يؤدونه من وظائف أخرى إلى جانب الرقص، وهي الخدمات الجنسية في أسرة الرجال، ما دفع فاطمة بنت سليم الأول للشكوى من زوجها مصطفى باشا والي سنجق أنطاليا، فأرسلت إلى والدها صارخة "يا والدي السلطان! إن الدنيا ضاقت بي، فقد تزوجت شخصا لا يهتم بي ولا يعيرني حتى أهمية الكلب، فكل اهتمامه هو اغتصاب الغلمان، وقضاء أوقاته معهم".

Qatalah