يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"إنه يكره كل مظاهر الحياة".. وبعد أن فرغ من حرق الأشجار وتكميم أفواه الشعب الساخط بقنابل الغاز من تقسيم إلى ميادين إسطنبول وأنقرة وأضنة وغيرها، والشعور بأن شوارع تركيا باتت راقدة بسلام، استدار مفزوعا بعد أن شعر بأن جماهير من الشباب حولته إلى أحمق ووضعته - دون أن يحس- في دور المهرج الكبير.

اكتشف الرجل أن الحياة التي كافحت أجهزته الأمنية لقتلها، انتقلت بكل حذافيرها إلى عالم افتراضي كامل، يرسم تركيا أخرى "حرة، جميلة، متصالحة مع جيرانها، والأهم لا تكره ولا تسفك دماء أحد".

فوجئ الرئيس التركي، بعد معاناة في مقاومة المنادين بالحرية والديموقراطية، بأنهم نقلوا المعركة إلى ميدان آخر بعيدا عن ميدان تقسيم وغيره، إلى ساحة الفضاء الرقمي الواسع "الإنترنت".

جن جنون الرئيس وحزبه، واستداروا بقوة لقتل الحياة في هذا العالم الجديد أيضا، ومطاردة الأتراك من صفحة إلى موقع إلى مدونة بعصا العقوبات الغليظة التي تمثلت في أكبر ترسانة لتشريع السجن والغلق والحرمان من الكلام على المواقع الإخبارية والعالمية بل وصفحات التواصل الشخصية أيضا.. باختصار قتل الحياة الافتراضية بعد وأد الأحياء على الأرض.

 

 

2007.. إشارة بدء الهجوم على العالم الافتراضي
بدأت نزعات إردوغان الاستبدادية تطفو على السطح منذ العام 2007، وتجلت كراهيته للثورة الرقمية التي أحدثتها المواقع والصحف على شبكة الإنترنت؛ بعدما نشطت في فضح فساده تارة، ودعمه للإرهاب تارة أخرى.

نجح إردوغان - برأيه-  في إغلاق 127 ألف موقع، و94 ألف مدونة، حتى يونيو 2018، أشهرها موقع ويكيبيديا، إلى جانب إغلاق جميع صحف المعارضة. حسبما أفاد مركز نسمات في دراسة بعنوان "تركيا أكبر سجن للصحافيين".

سعى إردوغان إلى تقنين استبداده، عبر سن جملة من التشريعات التي تمنحه صلاحيات لمراقبة المواقع الإلكترونية. أولها كان القانون رقم 5651 الذي صدر العام 2007، تضمنت مواده عبارات فضفاضة بحجة معاقبة جرائم الإنترنت. 

أصبح مستخدمو الشبكة العنكبوتية منذ ذلك الوقت تحت أعين السلطات، وخلال تلك الفترة زادت التطبيقات المحظورة من قبل مؤسسة تكنولوجيا المعلومات ووزارة الاتصالات.  

ويعكس قانون تشديد المراقبة على الإنترنت الذي أصر نواب حزب "العدالة والتنمية" على تمريره في العام 2014 مدى تربص إردوغان بالمعارضة، وكراهيته لوسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية.

التشريع تقدمت به وزارة الشؤون الأسرية والاجتماعية، منحت السلطات التركية من خلاله الحق في حجب المواقع الإلكترونية.

وفق القانون - نجحت الأغلبية البرلمانية في تمريره - يصبح بإمكان السلطات مصادرة صفحات إلكترونية لمدة تصل إلى سنتين على أن يكون الإفراج عنها عقب حذف محتوياتها.

تضمن القانون المشبوه نصوصًا فضفاضة تسمح بالمزيد من التلاعب، ما يمهد لحملات قمع المعارضين، ويسمح بتوسيع دائرة المحتويات الممنوعة بحجة انتهاكها الحقوق الشخصية والفردية، الملاحظ أنه لم تكن هناك أية ضوابط أو معايير تحدد شكل الانتهاك أو متى يعد المنشور انتهاكًا.

 

 

 

الفيديوهات المسربة تفضح نواب "العدالة والتنمية" المشبوهين
ربط البعض بين صدور القانون خلال تلك الفترة وانتشار مقاطع فيديو مسربة ترصد أعضاء من حزب "العدالة والتنمية" أثناء ارتكابهم مخالفات يتعلق بعضها بقضايا فساد مالي، وأخرى بدعم للجماعات المشبوهة.

وفق مواد القانون فإن السلطات التركية بيدها توقيف الأشخاص الذين ينشرون تلك الفيديوهات؛ بحجة تعديهم على الحريات الشخصية، عبر تصويرهم دون إذن النيابة العامة أو تصريح رسمي، ومنذ ذلك الوقت استخدمت الحكومة القانون في إغلاق مئات المواقع. 

استشعر إردوغان الخطر على حكومته، منذ انطلاق الاحتجاجات في ميدان التقسيم 2013، إلى جانب كشف فضيحة الفساد التي تورط فيها هو، وعدد من الوزراء، وأبناؤهم، فكان قرار الحكومة توسيع دائرة الحجب في عالم الإنترنت، وبالفعل نجحت في إحكام سيطرتها بقوة على وسائل الإعلام التقليدية، لكنها جعلت تركيا تتصدر قائمة الدول الأسوأ في أوضاع الصحافة والصحافيين.

ميول إردوغان القمعية تجلت بوضوح منذ العام 2007، عندما قرر حجب موقع يوتيوب بشكل كامل لمدة 18 شهرًا، الأمر الذي لم يحدث من قبل في أية بقعة من العالم، وأصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكمًا في 2012 يقضي بتعارض القرار مع المادة 10 من المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان التي تضمن حرية التعبير. 

ونشر موقع البحث العالمي جوجل خلال النصف الأول من العام 2013، تقريرًا يرصد تقدم تركيا بطلبات لحذف 12169 مقالًا، فضلًا عن حجب آلاف المواقع الآخرى.

وأفاد الموقع في بيانه: "تلقينا العديد من التقارير الموثوقة، وتأكدنا من خلال بحثنا الخاص أنه تم اعتراض خدمة نظام أسماء المجالات DNS التي تسمح للمستخدمين بتخطي حجب بعض المواقع، من قِبل معظم مزودي خدمات الإنترنت في تركيا". 

حجب 30 ألف موقع وغلق 80 مؤسسة إعلامية في 2016 
استشعرت المعارضة التركية خطورة الإجراءات التي يتبعها إردوغان تجاه الإعلام والمواقع الإلكترونية بشكل عام، فعكفت على فضح ممارساته بإعداد تقارير إحصائية بعدد المواقع التي تم حجبها خلال الفترة الأخيرة، وكانت النتيجة مفزعة.

قالت النائبة البرلمانية عن حزب "الشعب الجمهوري" ميلدا أونور، خلال الاحتفال باليوم العالمي للاتصالات مايو 2013: "وفقا للأرقام الأخيرة التي أعدها المتخصصون فإن هناك 30 ألفا و240 موقعًا محجوبًا. الحكومة قامت بتلك التصرفات منفردة بالمخالفة للقانون والمواثيق الدولية". 

وبلغت ذروة حجب المواقع خلال العام 2016، عقب مسرحية الانقلاب التي وقعت في يوليو، إذ تمكن إردوغان من إغلاق 80 مؤسسة إعلامية، بحجة مناهضة مؤسسات الدولة الموازية التي تتبع رجل الدين المعارض فتح الله غولن. 

وتوزعت المواقع المغلقة على النحو التالي: ثلاث وكالات أنباء، و16 قناة تلفزيونية و23 محطة إذاعة، و45 صحيفة يومية، بينها مواقع ميديا سكوب، وجازاتابورت، وروتاخبر، وصحيفتي أيه بي سي، وكارشي. 

وكتب موقع "ميديا سكوب تي في" عبر حسابه على "تويتر": مع الأسف حظرتنا وزارة الاتصالات، لا نجد مبررًا لذلك، سوف نعترض. 

ثم توالى صراخ الضحايا، فكتب مصطفى هوش، مدير النشر بموقع "جازاتابورت" عبر "تويتر": تم حظر الوصول إلى الموقع من تركيا، سنبحث عن من فعل ذلك وبأي مبرر.

 

أما مدير عام النشر في موقع صحيفة "أيه بي سي"، ميردان يانارداغ، فكتب في تغريدة عبر "تويتر": تم حجبنا دون سابق إنذار، هذا اعتداء على حرية الصحافة وانقلاب رجعي. 

 

 
 

"فخامة الديكتاتور رجب طيب إردوغان".. تتسبب في إعدام "ويكيبيديا"
بالغ إردوغان في سياسة قمع الصحافة بل والإنترنت بشكل عام، فأصدر في 30 أبريل 2017 قرارًا بإغلاق موقع ويكيبيديا؛ ردًا على نشر الموقع مقالتين اعتبرهما مسيئتين له.

كشف المقال الأول عن دعم تركيا للجماعات الإرهابية في سوريةا، ووقوفها خلف الحرب الأهلية هناك، بينما بدأت المقالة الثانية لكاتب مجهول الهوية في 17 أبريل 2017 بعبارة "فخامة الديكتاتور رجب طيب إردوغان"، وعلى الرغم من حذف المقالة بعد وقت قصير إلا أنها لاقت انتشارا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي أغضب الرئيس التركي بشدة.

بينما دافع وزير النقل التركي أحمد أرسلان، عن الإجراء قائلًا: ويكيبيديا تخلق انطباعا كاذبا بأن تركيا تدعم منظمات إرهابية، وطالبها بفتح مكتب لها في الداخل ودفع الضرائب اللازمة حتى لا يحجب موقعها، وقالت هيئة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إن الحجب جاء بقرار إداري من جانب السلطات لاعتبارات أمنية تتعلق بالقانون رقم 5651 بشأن تنظيم البث في شبكة الإنترنت ومكافحة الجرائم.

التبريرات التركية لم تقنع جيمي ويلز مؤسس ويكيبيديا فكتب في تغريدة على "تويتر": الوصول إلى المعلومات حق أساسي من حقوق الإنسان سأقف معك أيها الشعب التركي دائما لتكافح من أجل هذا الحق.

ودشنت شركة ويكيميديا المالكة لويكيبيديا في مارس 2018، حملة أطلقت عليها "نحن نفتقد تركيا #WeMissTurkey.

وقالت الشركة في بيان الحملة: بماذا ستشعر إذا استيقظت من النوم ذات صباح ولم تتمكن من فتح موقع ويكيبيديا؟ هذه الحالة تعيشها تركيا منذ 10 أشهر، تم منع 80 مليون شخص يعيشون فيها من قراءة ومطالعة الموقع.

 


لكن وفي رد فعل يدعو للسخرية، قررت بلدية إسطنبول معاقبة ويلز على تغريدته وحملته فأزالت اسمه من قائمة الضيوف في معرض المدن العالمية الذكية الذي عقد في المدينة من 15 إلى 18 مايو 2017. وقالت: استبعدنا مؤسس ويكيبيديا جيمي ويلز من معرض المدن العالمية المقرر إقامته في إسطنبول، وأبلغناه بالقرار.

لم يكتفِ النظام الإردوغاني بتلك الإجراءات الديكتاتورية، فوافق المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون في سبتمبر الجاري، على تشريع جديد يتيح له مراقبة خدمات البث عبر الإنترنت، بما في ذلك خدمة بث أفلام "نتفليكس"، وموقع الـ"يوتيوب".

 

 

Qatalah