يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الصمت أو القتل.. خياران كلاهما مر فرضهما إردوغان على علماء البيئة الأتراك، إذا ما قرروا فضح نتائج مشاريعه المدمرة، وكشف تقرير نشرته منظمة غلوبال ويتنس، عن أن تركيا تتواجد ضمن قائمة تشمل 24 دولة تشهد عمليات قتل وإعاقة لعمل نشطاء البيئة.

على مدار السنوات العشر الماضية، رفض العديد من علماء البيئة، مشاريع حكومية، لآثارها السلبية والمدمرة على المجتمع، خاصة التي تدخل في مجالات (الطاقة والمناجم)، الأمر الذي أغضب إردوغان، وقرر تمريرها مهما كلفه الأمر، لتتحدث وسائل الإعلام بعد ذلك عن جرائم قتل لبعض هؤلاء النشطاء في ظروف غامضة.

مختل يغتال جيهان أران
تعد واقعة اغتيال الناشط البيئي جيهان أران من أشهر قضايا قتل علماء البيئة في تركيا، وذلك على خلفية نضاله ضد مشروع الطريق الساحلي للبحر الأسود، الذي كان 

مخططًا له أن يمر عبر قرية "فينديكلي" في محافظة ريزا مسقط رأسه، فقرر أن يتصدى للمشروع بقوة، وأخذ يحذر من التداعيات الخطيرة له، وكيف أنه سيؤثر على الحياة الساحلية هناك. 

فوجئ أران بهجوم غامض من شاب يدعى سرهات قارادنيز، (25 عاما)، في 20 أبريل 2005، القاتل المأجور قرر أن يصوب عدة طلقات نارية، بعضها طال رأس أران، فلقي حتفه على إثر الهجوم، اللافت للنظر أن التحقيقات مع قارادنيز فرض عليها سياج من السرية، وفي خطوة مفاجئة قررت هيئات التحقيق حفظ القضية، وإعلان أن منفذ الجريمة يعاني الاضطراب العقلي. 

بعد الخلاص من أران، تم استكمال المشروع، لكن العام 2008 بدأت التقارير تتحدث عن أضرار الطريق، ليخرج وزير النقل والمواصلات وقتذاك بن علي يلدريم، ليعترف بأن الطريق الساحلي في البحر الأسود تم إنشاؤه بشكل خاطئ، وأن الوزارة مصرة على استكماله، لأن كلفة تنفيذه بلغت 700 تريليون ليرة، وذلك وفق موقع إيمالاكاسي التركي.

سكان ولاية "جيراسون" كانوا على موعد مع كارثة بسبب الطريق خلال العام 2009، بدأت القصة حينما تعرضت المحافظة لأمطار غزيرة، ولم يتم تصريف المياه، ما أدى إلى خسائر هائلة، فضلا عن الإغلاق الدائم للطريق أمام وسائل النقل بسبب الفيضانات، وتأثر النظام البيئي بإنشاء الطريق، ففسد نظام الأمواج في البحر الأسود، ما أضر بالحياة البحرية، فضلا عن تضرر الحيوانات والطيور، ولم تتوقف الخسائر عند هذا الحد بل تأثرت السياحة الساحلية أيضا.

وبعد مرور 10 سنوات على اغتيال أران، عادت قضيته إلى الواجهة مجددًا، بعدما أصدرت محكمة قضائية حكمًا لصالحه في قضية كان حركها، للتأكيد على عدم مشروعية بناء الطريق الساحلي للبحر الأسود، ومدى الأخطار التي من المرجح أن يتسبب فيها.

ويحذو علماء البيئة الأتراك حاليًا، حذو أران، قرروا أن يناضلوا مجددًا ضد المشروعات التي تنفذ في الوقت الحالي في البحر الأسود، وقالوا إن العمل فيها يتطلب إزالة مئات الآلاف من الأفدنة، ما ينذر بحدوث كارثة بيئية وإنسانية كبرى.

احتجاجات تقسيم 
منتزه ميدان تقسيم في تركيا، شهد في مايو 2013 أكبر موجة احتجاجات قادها وقتذاك نشطاء بيئيون، اعتراضًا على إزالة حكومة إردوغان للأشجار، لإعادة إنشاء ثكنة عسكرية عثمانية (هدمت في 1940)، ومركز تجاري، وطالب النشطاء وقتها بوقف إزالة المنتزه وتقديم المسؤولين إلى المحاكمة العاجلة، لتعديهم على البيئة، إلا أن الحكومة قمعتهم واعتقلت مئات المشاركين فيها.

 

يعد مطار إسطنبول الثالث من أهم المشاريع بالنسبة لإردوغان، التي تعرضت لحملات نقد بسبب تشييده على مناطق غابات. وبدأت الاحتجاجات بمظاهرة ضخمة نظمتها جمعية "حماية غابات الشمال" في مدينة إسطنبول يونيو 2014، ورفعت لافتات تنتقد رئيس الجمهورية، وتطالب باحترام البيئة وعدم التعدي على المساحات الخضراء، لكن التظاهرة تعرضت للقمع وتم تفريق المتظاهرين من قبل قوات الأمن التركية.

حرق القرية الخضراء
إردوغان "عدو البيئة" لم يتوقف عن سياساته الحمقاء، أحرق مساحة هائلة من الغابات في أغسطس 2017، من أجل صديقه المقرب أمير دولة قطر، تميم بن حمد آل ثاني، واتهم نائب حزب الشعب الجمهوري هالوق باكشان، الرئيس التركي، بالوقوف وراء اندلاع حريق هائل في الساحات الخضراء داخل بلدة سورمانا بمدينة طرابزون، عقب تفقد أمير الدوحة للمنطقة بطائرة هليكوبتر، بمدة قصيرة. 

تابع: "اشتعلت النيران لأسباب غير معلومة في 6 مناطق، ما أدى إلى احتراق نحو 50 هكتارا من الغابات"، وقال باكشان: "السلطات الحكومية حرقت الساحات الخضراء في مدينة طرابزون، لإنشاء مساكن فاخرة لأمير قطر، والمعارضة ستخوض معركة قانونية بشأن عملية بناء قصور تميم، التي تتم هناك في أعقاب حرق الغابات". 

 

قنص زوجين في أنطاليا
أما مدينة أنطاليا، فشهدت في مايو 2017، أحدث واقعة قتل لبيئيين، ذهب ضحيتها الزوجان "علي وآيسن بيوك نوهوتشو". قصة الضحيتين بدأت بحسب صحيفة "الجارديان" البريطانية، بإعلانهما التضرر من المحجر الموجود قرب منزلهما في بلدة "فينيقلي" بولاية أنطاليا، وكان الزوجان عضوين في جمعية "ساحل البحر الأبيض لحماية البيئة" الحقوقية، لكن الرد على هذا التضرر والحملة التي أطلقاها ضد المشروع كانت مفاجئة ودموية، حيث قتلا قنصًا بدم بارد في مايو 2017. 

ضبطت قوات الشرطة القاتل، وكان يدعى علي يوماتش، الذي اعترف في البداية أن العملية تمت بدوافع السرقة، إلا أن التحقيقات كشفت بعد وقت أنه قاتل مأجور من شركة المحاجر.

رسالة ندم أرسلها لزوجته وهو في محبسه، هي من قادت فريق التحقيق إلى كشف الأسباب الحقيقية للجريمة، اعترف يوماتش (31 عاما) بجريمته، وقال لزوجته في الخطاب: "الشركة كانت ستمنحني ألفي ليرة إذا ما قمت بتصفية بيوك نوهوتشو، وبالفعل نفذت ما هو مطلوب مني، إلا أنهم لم يلتزموا بوعدهم، لقد غدروا بي وتنصلوا مني". 

المثير في الأمر أنه وبعد تسليم يوماتش الرسالة، أعلنت الشرطة أنه انتحر داخل محبسه، بعدما أصيب بانهيار عصبي نتيجة تخلي مسؤولي الشركة عنه.

الكشف عن الأسباب الحقيقية للحادث تسببت في ردود فعل واسعة داخل أنقرة، يقول أونور أقجول أحد المدافعين عن الغابات الشمالية بإسطنبول لصحيفة حرييت: "الواقعة تعد مؤشرًا على المناخ الذي تشهده تركيا الآن، إنها رسالة موجهة للمدافعين عن البيئة"، كما تقول إحدى أعضاء جمعية "ساحل البحر الأبيض لحماية البيئة"، وتدعى بايران تاسال: "كشفنا خطر المحجر الكائن في أنطاليا، بدأنا العديد من الحملات ضده، لم نكن نعرف أن النتائج خطيرة إلى كل هذا الحد، لقد كان الزوجان علي وآيسن بيوك نوهوتشو على حق في موقفهما".

رسائل مفخخة
وقبل الإقبال على الخلاص من البيئيين، تعمل الجهات المعادية لهم على تهديدهم بالقتل، فيقول العشرات من البيئيين في تركيا إنهم يتلقون رسائل التهديد عبر الهواتف وكذلك الرسائل الشفهية، لإجبارهم على عدم معارضة خطط الحكومة ومشروعاتها. وتعرض النشطاء توبا بينار وبيرهان أركوتلو وعضو جمعية "حماية غابات الشمال" أورتشون قراجيق، لإطلاق نار، نتيجة معارضتهم لمشروع إنشاء محطات كهرومائية في بلدة "آلاقير" بمحافظة أنطاليا.

وتعرض أورتشون للطعن في واقعة أخرى، حينما قرر التصدي لعملية قطع الأشجار التي جرت في 9 نوفمبر في منطقة أُصقمرو كوي في إسطنبول، ويقول أورتشون: "أظن أنني صرت أكثر شخص مستهدف في أُصقمرو كوي. هم يرغبون في إخافة الجميع بما فعلوه معي. إننا نستطيع أن نبطئ ونعرقل مطامعهم".

ويعد إسماعيل آق ييدلز من أشهر علماء البيئة في تركيا، بسبب مقاومته لمشاريع محطات الكهرباء في منطقة البحر الأسود ومحاربة الأضرار المتوقع أن تنتج عنها، يقول: "التهديدات التي يتعرض لها علماء وأنصار البيئة تستمر بشكل متزايد، هناك رغبة لإسكاتهم وقمعهم في ظل تطبيق قانون الطوارئ"، ولفت الانتباه إلى أن أحد الأهداف المرسومة لذلك هو قمع حركة النضال المتنامية ضد القوانين التي تسهل عمليات تخريب البيئة، وتابع: "بفضل ردود الفعل المعارضة لقانون الزيتون تم سحبه مؤخرا".

نسف غابات درسيم
وفي مساء يوم 26 يوليو الماضي، كانت قرية تشاتكسو التابعة لبلدة برتك في مدينة درسيم (محافظة تونجلي حاليا)، على موعد مع كارثة محققة، بعدما شب حريق في منطقة الغابات المليئة بالأشجار. 

المثير للدهشة كان التجاهل المتعمد من قبل سلطات القرية للتعامل مع الحريق، وعلى الرغم من إرسال إدارة الغابات في تونجلي - بعد بلاغ من أهالي القرية - عربات إطفاء وفريق مكون من 20 شخصا لإخماد الحريق، إلا أنهم لم يتمكنوا من السيطرة عليه، فقرروا المغادرة، فظلت النيران مشتعلة لمدة أسبوعين، ما ألحق الضرر بالكثير من النباتات والحيوانات البرية.

وبدأ الحريق في منطقة علي بوغازي في بلدة خوزات، ثم انتشر في باقي المناطق الريفية المجاورة، وحسب وكالة ميسوبوتامبا الإخبارية لم تشارك ولاية تونجلي أو إدارة الغابات في عمليات الإطفاء، بينما تمت السيطرة علي الحريق بجهود الأهالي. 

يقول حيدر شتين كايا، أحد الأهالي المتطوعين في الإطفاء: "أخمدنا الحريق الذي شب في ريف درسيم والمناطق المجاورة بجهود ذاتية. السلطات تركتنا نواجه المجهول. إنه لأمر مؤسف".

اللافت للنظر أن الدولة حرصت على نفي تعرض المدينة لحريق، يقول والي تونجلي: "الأخبار المتعلقة باندلاع حريق في غابات مدينة درسيم كاذبة ولا تعكس الحقيقة. والصور المنشورة في الأخبار لا تعود إلي مدينتنا!". 

Qatalah