يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لاشك أن جنوح رجب إردوغان إلى التطرف، لم يكن وليد اللحظة، فمن المؤكد أنه تتلمذ على يد مجموعة من الأشخاص الذين شكلوا تطلعاته وأفكاره، ولعل أبرزهم الشاعر نجيب فاضل قيصاكورك.
كان قيصاكورك بلا شك شاعراً مهماً، لكنه في الوقت نفسه كان شخصية غير مستساغة للغاية، فاشية ومعادية للحريات، ويمكن اعتباره الأب المؤسس للقومية التركية المتطرفة. كان أيضاً ضد الغرب بشدة.
وكما هو معروف، فإن إردوغان، بينما كان طالباً، عبر عن الأفكار التي استمدها من نجيب فاضل في مسرحيته ماسكوميا، التي صورت العديد من القوميات الأخرى كأعداء لتركيا.
فعندما كان الفتى إردوغان يتلقى علومه الأساسية في مدارس إمام خطيب الدينية فترة الستينيات، تسللت إلى يديه كتب فاضل قيصاكورك الرجل الذي اعتبر على نطاق واسع أحد أوائل من نظّر لأفكار العثمانيين الجدد، وتحدثوا عن نعيم العثمانية المفقود، وضرورة استعادة الإمبراطورية المقبورة عبر إحياء الأفكار العثمانية مجددا في المجتمع التركي.
 
صنم معبود
نجيب فاضل تحول إلى رجل يسير عكس المجتمع، يجر الأتراك من معانقة المستقبل إلى العيش في الماضي، تحولت الدولة العثمانية على يديه إلى صنم معبود، حارب من أجله الجمهورية الأتاتوركية، رفض أفكار تطوير المجتمع، فورّث كل هذه لتلميذه غير النجيب؛ إردوغان.
قيصاكورك (1904-1983) الملقب في الأدبيات العثمانية الجديدة بـ "الأستاذ"، كان في طليعة حركة العثمانيين الإسلاميين، وأحد أهم نقاط الإرتكاز التي قام عليها التنظير لفكرة أسلمة تركيا، حيث مثلت كتبه الأساس الذي تغذت عليه تلك الفكرة منذ عام 1950، بحسب الكاتب التركي فاتح بايراك أوغلو.
 
تفتح وعي قيصاكورك على انهيار الدولة العثمانية 1922 ثم الخلافة المزعومة 1924، بعد عقود طويلة من الضعف والتحلل البطيء، لكن قيصاكورك بدلا من دراسة أسباب انهيار العثمانيين، فضل الطريقة السهلة برمي الأمر كله على المؤامرة الغربية الكونية ضد آل عثمان، فتحول إلى شخص ناقم على الدولة الجديدة التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك على أنقاض العثمانلية.
كتابات قيصاكورك الأدبية عبرت عن مواقف سياسية تتعلق بالإمبراطورية العثمانية والجمهورية التركية الحالية، فساهمت مقالاته وكتاباته في تكوين موقف الإسلام السياسي من تركيا الجديدة، وفكرة إحياء التراث مرة أخرى، حيث تلقف كتاباته آخرون من بعده باعتبارها خريطة طريق حقيقية اقترحها قيصاكورك لاستعادة مجد العثمانيين الضائع. 
 
الكفر بالغرب 
ولد نجيب في أسرة ميسورة الحال العام 1904 في منطقة تشامبرلاتش بإسطنبول، وخضع لإشراف من جده محمد حلمي بك، الذي ألحقه بمدرسة الفنون البحرية الشاهانية في العام 1916، وهناك بدأ اهتمامه بالشعر، كما بدأ في إصدار الصحف المدرسية، ثم التحق بقسم الفسلفة في دار الفنون العام 1921، حيث تعرف على أعلام أدباء عصره وزاملهم، ومنهم ناظم حكمت وأحمد هاشم ويعقوب قدري وغيرهم، كما نظم أول ديوان شعري له في نفس العام بعنوان "أو فيه بن" أو "أنا وهو".
حقق الديون الأول لقيصاكورك بعض الشهرة، ما مكنه من الحصول على منحة حكومية لجامعة السوربون في باريس 1923، حيث تعرف على الفيلسوف الفرنسي الشهير هنري برجسون، وبدأت حياته تتحول لكابوس حسب وصفه في كتابه "بابايلي" بسبب امتلاء باريس بكافة المحرمات من خمر ونساء وقمار ومجون، فسقط في إدمان لعب القمار، ما أدى إلى إنهاء تجربته في عاصمة النور سريعا والعودة إلى إسطنبول، لكن قبل عودته إلى المدينة خسر بعض أمواله القليلة في لعب القمار، بحسب ما ذكر في كتابه.
 
العودة إلى إسطنبول لم تكن بالأمر السهل على عقلية قيصاكورك، فالعالم العثماني اختفى، صور أتاتورك تملأ شوارع المدينة التي لم تعد عاصمة للدولة الجديدة، انتهت الدولة القديمة وظهرت الجمهورية التركية ذات الصبغة العلمانية والمنحازة لقيم الحداثة، لم يتقبل قيصاكورك فكرة تحول إسطنبول إلى نسخة من باريس، لذا أغلق على نفسه الباب وبدأ في قراءة تاريخ العثمانيين والتنظير لعودتهم.
بدأ نجيب فاضل في حصد الشهرة بإصدار كتاب "بيت العنكبوت" العام 1925، ثم حقق جماهيرية واسعة بكتابه "الأرصفة" الذي نشر العام 1928، جاءت الفرصة لقيصاكورك للتعبير عن أفكاره عندما نشر ديوانه الشعري المعروف "بيوك دوغو مارشى" أي "نشيد الشرق الكبير" العام 1938، والذي كان ثمرة مشاركته ضمن مسابقة في إحدى الصحف المحلية لكتابة نشيد وطني لتركيا.
من هنا ظهر اهتمام قيصاكورك بفكرة استعادة أمجاد تركيا في الشرق الأوسط، حيث بدأ في نشر مجلة تحمل اسم "الشرق الكبير" العام 1943، لبث أفكاره الأصولية لإحياء مجد الإمبراطورية العثمانية مرة أخرى، وبذلك استطاع اجتذاب اهتمام كتاب آخرين ليكتبوا في المجلة، وغلف قيصاكورك أفكاره بصبغة صوفية بعدما تتلمذ على يد أستاذه عبد الحكيم الأوراسي أحد شيوخ الطريقة النقشبندية، والذي التقاه في إسطنبول العام 1934.
حول قيصاكورك مجلة "الشرق الكبير" إلى منصة لنشر أفكار الأصوليين الراغبين في استعادة الدولة العثمانية، ولما كانت السلطات التركية تقف بالمرصاد لمثل هذه المحاولات، سعى الرجل إلى التركيز على الطابع الاسلامي الأخلاقي للمجلة، والاستعانة بنشر مقالات بديع الزمان النورسي، وهو أمر كان بمثابة التحدي لمبادئ الجمهورية التركية التي تفصل الدين عن السياسية، كما واصل عقد الاجتماعات والندوات والمحاضرات لنشر أفكاره طوال عقود الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، وفي إحدى المرات كان من ضمن الحضور فتى صغير يدعى عبد الله جول سيكون شريكا لإردوغان بعد نصف قرن في تأسيس حزب "العدالة والتنمية" الحاكم.
 
تابع مندريس المخلص
حسب صحيفة الصباح، جذبت كتابات قيصاكورك المعادية للجمهورية الأتاتوركية انتباه السلطات التي قامت بإغلاق المجلة عدة مرات، وفي عام 1947 تم القبض على قيصاكورك وزوجته نسيلهان هانم بتهمة الترويج لعودة السلاطين العثمانيين وإهانة الجمهورية التركية، حيث حكم عليهما بالسجن لمدة شهر وثلاثة أيام. 
بعد ذلك أسس قيصاكورك جمعية الشرق الكبير ليصبح رئيساً لها عام 1949، ثم دخل السجن مرة أخرى هو وزوجته على إثر أنشطة الجمعية الدعائية ضد الجمهورية، ليخرج بعفو أصدره الحزب الديمقراطي بعد فوزه بالانتخابات العامة عام 1950، لتستأنف الجمعية عملها وتنشر دعايتها بشكل علني، ووجه قيصاكورك خطاباً إلى عدنان مندريس، رئيس الوزراء حينذاك،  ناصحاً إياه بتقريب حزبه تجاه المحور الإسلاموي.
 
حسب صحيفة "تاريخي سياسيت"، فإن مندريس الذي يعد أول رئيس وزراء بنكهة اصولية منذ تأسيس الجمهورية التركية، كان متأثراً بأفكار قيصاكورك للدرجة التي جعلته يقول في أحد الاجتماعات في مدينة إزمير: "استطعنا أن ننقذ ديننا من الضغوط التي تظل تمارس عليه حتى الآن، كما سمحنا ورغم معارضة الانقلابيين المتعصبين -خصومه من السياسيين- من تعريب الأذان وإدخال الكتب الدينية بالمكتبات، أصبح القرآن يذاع بالراديو، ستبقى تركيا دولة إسلامية وللمسلمين فحسب، كل التقاليد الإسلامية سيتم إعادتها مرة أخرى"، وهي نفسها المطالب التي روج لها قيصاكورك في مجلته خلال فترة الأربعينيات.
وبعد سماعه لكلام مندريس، عرض نجيب قيصاكورك على الفور أن يتقبله مندريس كخادم مطيع حيث كتب بنفسه في مجلة الشرق الكبير: "رئيس الوزراء الذي يقول مثل هذا الحديث يستحق أن نعلن له أننا خدمه بكل سرور"، ثم أكمل "رغم كل الاختلافات السياسية الماضية، أرجو أن تتفضل وتقبلنا كخدم لكم مدى الحياة!". 
 
التحالف بين القوميين والإسلاميين
حسب الباحث التركي هاكان يافوز بجامعة يوتاه يعتبر قيصاكورك مثل أعلى لقيادات العدالة والتنمية الحاكم، وبالتحديد إردوغان، حيث كان أول الأصوليين الذي اقترح إمكانية إيجاد رابطة وتحالف بين القوميين المتشددين والإسلاميين، عبر طرح فكرة التوفيق بين مطالب إحياء الدولة العثمانية لكن بشكلها القومي المتعصب، وهي الرؤية التي يتبناها تحالف الشعب الحاكم في تركيا حاليا بين حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية. 
هاكان يعتبر أن هذا التغير في تفكير الإسلاميين بسبب الضغوط السياسية التي مورست عليهم أثناء نشر أفكارهم التي تمثل هدماً للجمهورية الأتاتوركية، لكن بتبني هذه الرؤية يستطيع الإسلاميون بسهولة الترويج لأفكارهم وتغيير المواقف والتحالفات السياسية بشكل أسهل، كما فعل قيصاكورك بالضبط، حينما ظل يتأرجح بين الأحزاب، إذ بدأ حياته السياسية بعضوية حزب الشعب الجمهوري الحاكم بين عامي 1920 و1930، لكن بعد وصول الحزب الديمقراطي ومندريس للسلطة أصبح من أكثر الداعمين للحزب، وبعد سقوط الحزب عاد للتأرجح بين الإنضمام لحزب جبهة الإنقاذ ذي الخلفية الإسلامية (1971-1981) وحزب الحركة القومية المتعصب. 
لذا ليس بغريب أن يحظى الرجل بصداقة كل من نجم الدين أربكان الأب الروحي للإسلام السياسي في تركيا، وكذلك ألب أرسلان توركش الأب الروحي للأحزاب اليمينية القومية المتشددة، فالرجل يعتبر من أيقونات التيارين وتحظى أفكاره بالقبول لديهم. 
أفكار قيصاكورك لا يمكن رؤيتها حسب الباحث فوندا تشوبان في جامعة آك سراي إلا من خلال مفهومين أساسيين سعى للتأثير في الحياة السياسية والاجتماعية من خلالهما، وهما مفهوم "الشرق الكبير" ومفهوم "الدولة العلية"، حيث تدين هذه المفاهيم التي تأخذ حيزها من الوجود في أيديولوجيا العثمانيين الجدد وباقي تيارات الإسلام السياسي الأخرى، للسبب في ظهورها. 
 
أبو الفاشية 
يرى تشوبان أن نجيب قيصاكورك يمكن أن يعزى إليه الأفكار التي تستند عليها التيارات التي تسعى لإنشاء الديكتاتورية باسم الدين، حيث يلصق له البعض تهمة تبني نظام يعتمد على أفكار الأنظمة الفاشية والنازية المتعصبة مع مزجها بالطقوس الإسلامية لتحقيق أهدافها. 
يعتبر فاتح بايراك أوغلو أن قيصاكورك الأب الروحي للحركات الراديكالية في تركيا على غرار حزب الله وجبهة المغيرين، وحتى حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا إرهابياً، حيث اعترف عبد الله أوجلان، زعيم الحزب المسجون منذ 1999، بأنه كان يذهب إلى مؤتمرات قيصاكورك حينما كان طالباً، عندما كان المفكر الاسلامي يهاجم الشيوعية. 
يصل بايراك أوغلو إلى خلاصة وهي أن قيصاكورك الذي لم يتورع عن مهاجمة جمهورية أتاتورك متخفياً تحت شعارات الدين، التزم الصمت ولم يوجه في كتاباته ولو لمرة انتقادا إلى مندريس الذي كان مرتمياً في أحضان الأمريكان، على أمل أن يعطوه قيادة العالم الإسلامي بعد التخلص من الشيوعية، بل أن هذا المسار كان محل ترحيب من المفكر ذو التوجه الإسلامي.
لذا يرى بايراك أوغلو أن نجيب فاضل قيصاكورك هو الأب الروحي لأفكار الإسلاميين والانفصاليين الأكراد، بل والأهم الرجل الذي بارك الانبطاح التركي أمام واشنطن منذ الأربعينيات حتى الوقت الحالي، رغم ما كان يبديه من انتقاد علني للإمبراطورية الأمريكية. 
رحل قيصاكورك في العام 1983، لكن أفكاره عاشت أكثر مما ينبغي، بعدما تلقفها إردوغان الذي حول مقولات وأشعار شاعره الأثير إلى دستور حياة، أخلص لأفكار الرجل فنفذ ما حلم به عبر إقامة خلطة بين الأفكار الإسلامية المتشددة والقومية التركية المتعصبة لتكون دستور العثمانيين الجدد، لم يكن في الأمر غرابة أن تبث قناة "TRT" الرسمية فيديو لإردوغان وهو ينشد كلمات أستاذه المفضل قيصاكورك.

Qatalah