يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


27 أكتوبر 2018 إردوغان على خطى التجانس النهائي

يشير مؤرخو القرن السادس عشر إلى أنه بعدما تولى السلطان سليم الثاني الخلافة وغزا الشرق الأوسط، تحولت حالة التوازن بين المسيحيين والمسلمين في الدولة العثمانية باتجاه الإسلام. وزادت حدة هذا التوجه مع قرب نهاية القرن السابع عشر بعد خسارة المجر والنهاية الفعلية للفتوحات في البلقان، حيث توجد كثافات سكانية مسيحية.
مع بداية القرن التاسع عشر، وانطلاقا من الاستقلال اليوناني الذي أعقبه تأسيس دول قومية، انتهى الحال بالدولة العثمانية إلى خسارة جميع أراضيها في منطقة البلقان في نهاية حروب البلقان عامي 1912 و1913. وتسبب بناء الدول القومية في هجرة قسرية للمواطنين العثمانيين المسلمين من البلقان إلى الأناضول. وبالمثل، فإن الضغط الروسي والعنف في القوقاز اضطرا جزءا كبيرا من السكان المسلمين للهجرة إلى الأناضول.
وعلى الرغم من تشويه التوازن الديموغرافي في الأناضول، ظلت حركة السكان تلك لا ترقى إلى أن تشكل تجانسا عن طريق الدمج القسري أو التثاقف؛ فالدولة العثمانية، على عكس الفرنسيين والبريطانيين، لم تتدخل في دين أو لغة أو عِرق مواطنيها. لكن موقف الدولة بدأ يتغيّر مع نهاية القرن التاسع عشر.
لعب مهاجرو البلقان، الذين صاروا راديكاليين بفعل الحروب، واللاجئون المسلمون القادمون من القوقاز، دورا كبيرا في إبادة الأرمن عام 1915. فمن جهة، كان سكان الأناضول الجدد يحاولون تملّق حكومتهم الجديدة؛ ومن جهة أخرى، كانوا يثأرون لأنفسهم بعد كل ما مروا به من مِحَن في السابق.
كانت الدولة التركية آخر دولة تنشأ على أنقاض الدولة العثمانية، وكانت بحاجة إلى قاسم مشترك وفريد تقوم على أساسه؛ ولم يكن هناك مفر من أن يكون ذلك القاسم هو الإسلام، إذ كان العنصر الفريد الذي يجمع بين أغلبية مواطني الدولة. من ثم فقد أُقصي غير المسلمين بشكل تلقائي من الكيان القومي المشكل حديثا.
تتجلى ذروة “التطهير الديني” من خلال الإبادة والمذابح والتبادل القسري للسكان وتدمير المنشآت الثقافية والدينية (مثل الكنائس والأديرة والمدارس والمقابر وأسماء المدن). وتشير الأرقام إلى انخفاض عدد سكان الأناضول إلى 13 مليون نسمة في عام 1923 مقارنة مع 16 مليونا في عام 1913؛ ويمثل فارق الثلاثة ملايين هذا غير المسلمين الذين تعرضوا لمذابح و/أو للنفي. وتركيا اليوم، مقارنة مع الدول المجاورة الصغيرة، هي البلد الإسلامي الأكثر توحدا في المنطقة.
وعلى الجانب الآخر، نجد أن تحقيق تجانس السكان والهندسة الديموغرافية للمجتمعات المحلية يتماشيان جنبا إلى جنب مع بعضهما البعض. ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، ظل الأكراد وبدو الأناضول هدفا لمعظم جهود الدولة العثمانية المرتبطة بالتوطين القسري وإعادة التوطين.
وبحلول عام 1923، كانت الجمهورية التركية المؤسسة حديثا آنذاك دولة قومية “طيعة” نسبيا. وجرى قمع مصادر الإزعاج المتبقية، كالثورات الكردية و”تمرد” درسيم، بالعنف التام. وبحلول أربعينات القرن الماضي، صارت تركيا دولة موحدة لا وجود لطبقات فيها، اللهم إلا القليل من الاشتراكيين المزعجين.
ونحن في المرحلة الأحدث والأخيرة من هذه القصة الدامية الطويلة؛ فالإسلام السياسي في تركيا، برئيسه أردوغان وقاعدته الجماهيرية الكبيرة، أعلن على نحو ما جهادا ضد كل من يجرؤ على أن يكون مختلفا. والدعم الجماهيري الذي لا يتزحزح هو ما يجعل الهندسة الديموغرافية مختلفة عن جهود “التتريك” الماضية؛ فعلى الأقل نصف السكان الأتراك هم شغوفون بالتوحد حول عقيدة الإسلام السني.
وتشير تحركات النظام في السنوات الخمس الأخيرة إلى مساع حثيثة لإعادة اختراع التركية كهوية سنية وتطهيرها من جميع العناصر المخالفة لها بعيدا عن الفضاء العام، إن لم يكن بعيدا عن البلاد.
والعلويون، والأكراد، والمفكرون، والعلماء، والعمال الذين يرفضون “العبودية”، والصحافيون الذين يريدون أن ينشروا ويكتبوا، والمدافعون عن البيئة، ومناصرو الثقافة، والنساء اللائي لا ينطبق عليهن تعريف النظام للمرأة، ومن يتحدثون عن العدالة، والمفكرون المستقلون من السنة… كل هؤلاء المواطنين في خلاف مع مفهوم البشرية المتجانسة الجديد في تركيا. ومن الواضح أن التطهير يحتاج إلى الكثير من العمل، لكن لا يجب أن نهوّن من أمر التأييد الشعبي الذي يقف وراء هذا.
فبداية، يَستبدل النظام بشكل ممنهج المواطنين المختلفين بين الجماهير العريضة بأتراك “أخيار”. ويتولى خادمو النظام المطيعون مهمة استبدال المواطنين المختلفين.
ثانيا، يُجري النظام عملية هندسة ديموغرافية عميقة في المحافظات الكردية، حيث يوطّن الأكراد المطيعين والسوريين في المستوطنات الجديدة التي يبنيها في البلدات الكردية التي مزقتها الحرب. إن النظام يؤمم ممتلكات الأكراد المختلفين ويستولي عليها تحت ذريعة الارتقاء بالأحياء.
الأمر الثالث هو أن النظام يستغل اللاجئين السوريين، ومعظمهم لا يمكنهم أن يعودوا إلى بلادهم، ليصبحوا محورا رئيسا للاندماج الطوعي. وشأنهم شأن لاجئي البلقان والقوقاز، الذين لعبوا قبل مئة عام دورا أساسيا في حملات التطهير ضد غير المسلمين في الأناضول، سيلعب اللاجئون السوريون من السنة، والبالغ عددهم 3.5 مليون شخص، طوعا وبكل سرور دورا في حل محل الأتراك المختلفين. فضلا عن ذلك، سيكون للنظام حتى منظمته الخاصة، أو “تشكلات مخصوصة”، عندما تغادر الجماعات الجهادية المتركزة في محافظة إدلب سوريا وتتجه إلى تركيا، وسيحدث ذلك عاجلا أو آجلا.
رابعا، سيصبح المواطنون الجدد هم العرب الذين اشتروا عقارات في تركيا نتيجة للعديد من الاتفاقات الغامضة بين دولهم وتركيا.
خامسا، وربما يكون هذا هو الأسوأ، يجري إعداد الأجيال الجديدة التي شكلت وجدانها رئاسة الشؤون الدينية التركية (ديانت)، ونظام التعليم، والجيش الآن، لتحقيق التجانس النهائي.

Qatalah