يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كانت الصفقة مضمونة من وجهة نظر الجانب الأميركي، فلطالما اختبروا شراهة إردوغان في جمع المال، وحاجته لتأكيد صورته كمصلح اقتصادي وصانع ثروة كبير لدى الشعب التركي، فكان لهم ما أرادوه بعد جلسة واحدة، وحصلوا على موافقة على تسخير كل إمكانات بلاده البرية والبحرية والجوية، لغزو العراق واحتلاله وقتل شعبه بضربة مباغتة من الجارة المسلمة، بحجة تقليل التوتر والغضب الدولي وخفض درجة استفزاز العالم الإسلامي من سحق دولة مسلمة وهدمها على رؤوس النساء والأطفال.  

قدمت تركيا خدمات سابقة طوال عملية حصار العراق، في أعقاب حرب الخليج الثانية، تمثلت في مساندة للثلاثي (أميركا وإنجلترا وإسرائيل) بتوجيه ضربات عسكرية لأهداف استراتيجية عراقية في العام 1998، والتي عرفت وقتها بعملية "ثعلب الصحراء"، جعلتها مؤهلة للعب الدور القذر كله بالوكالة فيما بعد بفتح الطريق أمام غزو آمن ومريح في 2003.

غزو بتصويت جماعي
غدر تركيا بجارتها، تكشف في 1 مارس 2003 بوصول مشروع قانون أرسله إردوغان إلى البرلمان، طالبا تمريره بشكل عاجل، لكون الأغلبية البرلمانية وقتها كانت لحزبه "العدالة والتنمية"، وهو ما حدث بالفعل في دقائق، حيث منح 363 نائبا أصواتهم لصالح سن المشروع، الذي منح إردوغان الغطاء الشرعي في الانضمام للقوات الأميركية والبريطانية التي كانت تتأهب لعملية غزو العراق.


لم يضمن القانون للقوات التركية المشاركة في العمليات العسكرية فقط، فقد كان في حقيقته شيئا آخر تماما، تجلى فور إعلانه في وصول 62 ألف جندي أميركي من الوحدات القتالية الأولى إلى أنقرة وحشدهم على الحدود العراقية تمهيدا لعملية الاجتياح، بالتزامن مع تمكين 255 طائرة مقاتلة و65 مروحية من اختراق المجال الجوي لبغداد، بل والتحليق في الأجواء التركية طوال مدة الحرب كيفما تشاء، فضلا عن تقديم جميع التسهيلات للقواعد العسكرية الأميركية وعلى رأسها "إنجرليك وباتمان وديار بكر والإسكندرونة ومرسين".

ثمن دماء أطفال بغداد 
حصل إردوغان على دعم أميركي يقدر بنحو 300 مليون دولار، لإعادة تأهيل القواعد العسكرية من جديد حتى تكون قادرة على استقبال الغزاة، كما دعمت واشنطن أنقرة بـ 3500 فني وعسكري لتقديم استشارات في عملية إعادة التأهيل، في حين أعلن وزير خارجية أميركا - في تلك الفترة -  كولن باول أن الفاتورة المقدمة لتركيا مقابل استعمال أراضيها شملت 6 مليارات دولار، موزعة على النحو التالي: 2 مليار دولار مساعدات عسكرية، و4 مليارات مساعدات اقتصادية، إضافة إلى 24 مليار دولار قروضا ميسرة، منها 8.5 مليار دولار مدفوعة فورا.

في 13 مارس 2003، طلب الرئيس الأميركي جورج بوش، من رئيس الحكومة التركية رجب طيب إردوغان فتح المجال الجوي للقوات الأميركية لبدء عملية الغزو، ليجبر إردوغان مجلس النواب في 19 مارس على الموافقة، ويسارع بفتح 11 ممرًا جويًا لمدة ستة أشهر دون قيد أو شرط، شاملة تزويد الطائرات بالوقود وإعادة الإمداد.


سيارات الهمفي تعبر الحدود
ما إن بدأت عملية الاجتياح الأميركية حتى انقضت القوات التركية على شمال العراق بحجة منع حزب العمال الكردستاني من تنفيذ أية عمليات عدائية ضدها، وفي 1 أبريل سمحت تركيا بعبور 204 عربات همفي أميركية إلى منطقة كردستان، وهو الإجراء الذي لاقى ثناء وزير الخارجية الأميركي كولن باول أثناء زيارته للمنطقة في اليوم التالي.

بإسقاط تمثال الرئيس العراقي صدام حسين، من ساحة ميدان الفردوس تم إزاحة بلد قوي من خارطة الدول العربية، ليبدأ التاريخ تسجيل فصول معاناة جديدة للعراقيين.


 

نشر المليشيات والإرهابيين
حققت تركيا هدفها بتفكيك الجيش العراقي الوطني وإخراجه من المعادلة العسكرية في المنطقة، واستبداله بالمليشيات الطائفية، فضلًا عن تسهيل نشر الجماعات الإرهابية التي بدأت بجماعة "التوحيد والجهاد" بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، ثم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق الذي توسع إلى الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" بقيادة أبو بكر البغدادي.


دخلت العراق في دوامة الدم نتيجة الصراع الطائفي الذي تضاعف بشكل غير مسبوق في أنحاء العراق، باستهداف مزارات شيعية ومساجد سنية وتفجير الأسواق بالسيارات المفخخة، ما تسبب في شيوع الفوضى والفساد، حيث أصبحت البلاد بين الدول العشر الأكثر فسادا في العالم، واحتلت بغداد المرتبة 166 من بين 176 في مؤشر الفساد الذي تطلقه منظمة الشفافية الدولية.

وانتكست الصناعة التي كانت تشكل 14% من الدخل القومي على خلفية أعمال السلب والنهب التي تعرضت لها المصانع والمعامل، فضلًا عن التدمير المنظم للبنية التحتية. 

أميركا للعراقيين: نحتلكم للأبد
150 ألف عراقي من المدنيين والعسكريين قتلوا خلال الغزو، بينما أحصت المنظمة العالمية للهجرة أعداد الأسر المهجَّرة من العراق لتسجل 1.6 مليون عراقي أُبعدوا عن ديارهم بين العامين 2006 و 2010 فقط.

في المقابل بلغ عدد قتلى التحالف الدولي الذي قادته أميركا 4421 عسكريا، إضافة إلى 32 ألفا أصيبوا جراء العمليات، وفقدت بريطانيا 179 من جنودها، وبلغت كلفة العملية حسب تقارير أميركية 802 مليار دولار.

كانت هذه الخسارة مسموحة في سبيل صيد ثمين يتمثل في وضع اليد على حقول النفط العراقية بعد التخلص من الحكومة المزعجة لجيرانها، وبعد تحقق هذا الهدف جرى سحب القوات الأميركية المقاتلة - في عمل استعراضي - لصد الضغوط الشعبية والرسمية المنادية بإنهاء حالة الاحتلال، وإعلان احترام استقلال العراق.


إلا أن هذا الاستعراض تحطم على صخرة الواقع المر، فقد عاد التحالف الدولي ليعلنها صريحة في أغسطس الماضي "القوات الأميركية ستبقى في العراق طالما اقتضت الحاجة"، وقال المتحدث باسم التحالف شون رايان إن بقاء القوات الأميركية من شأنه "المساعدة في تحقيق الاستقرار في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة تنظيم داعش".

Qatalah