يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


أراد الرئيس التركي رجب إردوغان التنكيل بعدوه اللدود، رجل الدين فتح الله غولن، المقيم في أميركا، والذي يتهمه بالوقوف وراء مسرحية الانقلاب، فهداه ذكاؤه المحدود إلى تدبير مؤامرة خبيثة على أمل أن يعقد صفقة مع أميركا تتيح له مقايضة عدوه بأحد رعاياها، فكانت أزمة اعتقال القس الأميركي أندرو برانسون.

أزمة القس الإنجيلي وضعت مسمارًا جديدًا في نعش الاقتصاد التركي المنهار، وأثبتت محدودية تفكير إردوغان الذي أراد التأمر على خصومه، فإذا به يتأمر على نفسه، وعلى مقدرات شعبه بالتبعية، فكانت الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي عصفت بالبلاد والعباد، وأدت إلى ركوع الليرة وانهيارها أمام الدولار.

1993.. القس الأميركي يدخل تركيا
القس الإنجيلي، البالغ من العمر 50 عامًا، عاش طوال حياته في قرية بلاك مونتان بولاية كارولاينا الشمالية الأميركية، وفي عام 1993 انتقل إلى تركيا ضمن حملات التبشير التي تنظمها الكنيسة، وأسس كنيسة القيامة في مدينة إزمير عام 2010، بعد 7 سنوات منذ سمحت البلاد بالعمل التبشيري.

أكتوبر 2016.. بدء الأزمة
الأزمة بدأت عندما قدم القس برانسون طلبًا للسلطات التركية بتمديد تأشيرة إقامته هو وزوجته وأبنائه الثلاثة، مطلع أكتوبر 2016، فجاءه الرد على شكل مذكرة اعتقال، وأسندت إليه مجموعة تهم جزافية، ليتضح بمرور الوقت أن إردوغان اتخذ من القس رهينة لمقايضة واشنطن برجل الدين فتح الله غولن.

استدعت الشرطة التركية القس الأميركي، في 7 أكتوبر 2016، وظن الرجل أن الاستدعاء من أجل مناقشة طلبه، ولكنه فوجئ باحتجازه مع زوجته، وإبلاغه بأنه سيتم ترحيله مع أسرته في غضون 15 يومًا، وقبل انتهاء مهلة الترحيل بيومين أفرجت السلطات عن زوجته وأبقت عليه داخل السجن.

حاول محامي القس التواصل معه وسط تعنت الأجهزة الأمنية التركية، وعندما سمح له أخيرا بلقاء موكله أفرجت السلطات عن وثيقة تحمل توقيعًا مزيفا لـ "برانسون"، وزعمت فيها أن القس تنازل عن حقه في التمثيل القانوني، ما يؤكد أن شيئا ما كان يدور داخل الغرف المغلقة، وأن أنقرة غير قادرة على مواجهة الرأي العام داخليًا وخارجيًا بالحقيقة، بالإضافة إلى ذلك رفضت تركيا اجتماع ممثل القنصلية الأميركية بالقس، ما يعد انتهاكًا لمعاهدة فيينا للعلاقات القنصلية الموقعة عام 1963. 

ديسمبر 2016.. اتهامات جزافية
في ديسمبر 2016، وبعد شهرين من اعتقاله، واجهت السلطات التركية القس "برانسون" بقائمة اتهامات جزافية، كان أبرزها "انتماءه إلى منظمة إرهابية مسلحة، وتواطئه في أعمال تجسسية، ومشاركته وتخطيطه لمحاولة الانقلاب"، بالإضافة إلى ملاحقته بدعوى تتهمه بـ"دعم حزب العمال الكردستاني"، بالاستناد إلى سجلات سفره إلى المناطق الكردية في جنوب شرقي تركيا، ولكن مقربين من القس قالوا إن زياراته إلى تلك المناطق كانت تأتي بغرض رعاية اللاجئين السوريين.

2017.. صفقة مقايضة القس بـ "غولن"
أمام تمادي الأتراك وتعسفهم مع القس الأميركي، طالبت الولايات المتحدة بإطلاق سراح مواطنها مطلع عام 2017، ولكن الرد التركي جاء كارثيًا، وثبت أن الأمر ليس سوى مؤامرة دبرها رجب إردوغان وجاء "برانسون" ضحيتها، حيث وافقت أنقرة على طلب واشنطن بشرط أن تسلم فتح الله غولن المقيم لديها منذ عام 1990، ويتهمه إردوغان بالوقوف وراء المسرحية الانقلابية، وهو الأمر الذي رفضته الإدارة الأميركية بشكل قاطع.

بعد أن رفضت واشنطن الصفقة التركية نقل إردوغان القس "برانسون" من مركز احتجازه إلى سجن كيركيلار رفقة اثنين من مناصري غولن، مطلع أغسطس 2017، وفي أواخر أغسطس من العام نفسه، نشرت وكالة الأناضول التركية الرسمية تقريرًا يفيد بأن المدعي العام حصل على وثائق جديدة تدعم التهم الموجهة إلى القس.

مارس 2018.. بدء المحاكمة الهزلية
قبلت محكمة تركية قرار المدعي العام باتهام القس الأميركي في مارس 2018، وحددت يوم 18 أبريل موعدًا لأولى جلسات محاكمته، واستمرت الجلسة نحو 11 ساعة كاملة، بحضور ساندرا جولي، نائبة رئيس لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية، التي قالت إن القاضي لم يستمع إلى أي من شهود الدفاع الذين طلبهم "برانسون" وهيئة دفاعه.

يوليو 2018.. إطلاق سراح مشروط
أطلقت السلطات التركية سراح القس الأميركي، في يوليو 2018، ووضعته قيد الإقامة الجبرية طوال فترة محاكمته، الأمر الذي استفز الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وغرد عبر "تويتر" بأن "اعتقال برانسون عار تام"، وأكد أن "تركيا تحتجز القس كرهينة لمقايضته بغولن"، مطالبًا بالإفراج عنه دون قيد أو شرط، وهدد نائبه، مايك بنس، تركيا حال استمرارها في احتجاز القس بفرض عقوبات اقتصادية على أنقرة.

أغسطس 2018.. عقوبات أميركية على تركيا
رفضت محكمة استئناف تركية إطلاق سراح القس الأميركي في 17 أغسطس، وقالت إن "عملية جمع الأدلة لا تزال جارية"، مشيرة إلى احتمالية "فرار القس من البلاد"، وحددت جلسة 12 أكتوبر الجاري لاستكمال محاكمته، فجاء الرد الأميركي سريعًا بفرض حزمة عقوبات اقتصادية على أنقرة، ما أدى إلى فقدان الليرة التركية نحو 20% من قيمتها، وانهيار الاقتصاد التركي.

فرضت واشنطن أيضًا عقوبات على وزيري الداخلية والعدل التركيين، لقيامهما بأدوار رئيسة في اعتقال القس، حسبما أفادت المتحدثة باسم البيت الأبيض، سارة ساندرز، وقدم محامي القس "برانسون" التماسًا إلى المحكمة الدستورية التركية، في أكتوبر 2018، يطالب بإطلاق سراح موكله من قيد الإقامة الجبرية في المنزل، وتنتظر القضية تطورًا جديدًا في جلسة 12 أكتوبر الجاري.

Qatalah