يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


4 أغسطس 2019 إردوغان واللعب على الحبال الإسرائيلية والفلسطينية

الحرب الكلامية وحالة السجال والملاسنة اللتان يطلقهما الرئيس التركي رجب طيب إردوغان من حين لآخر، لا يمكن تفسيرهما بمعزل عن الشأن الداخلي التركي وتحالفات إردوغان مع تيار "الإخوان"، ومحاولته استرضاء الداخل ولو بحروب كلامية وملاسنات لفظية، للاستهلاك المحلي.
إردوغان المتعاون مع إسرائيل عسكرياً واقتصادياً، و"المتضامن والمدافع" عن الفلسطينيين إعلامياً ضمن حزمة من العنتريات يطلقها من حين لآخر، هو ثنائية فصامية، تمثل حالة شيزوفرينيا سياسية، فهو كمن "يأكل مع الذئب ويبكي مع الراعي".
إردوغان الذي تعده جماعة "الإخوان" خليفة للمسلمين، وهو الطامح إلى عودة العثمانية الثانية، هو نفسه إردوغان صاحب العلاقة المثيرة مع إسرائيل، فإردوغان "الصديق العدو" هو كما وصفه الوزير الإسرائيلي يسرائيل كاتس، حين قال لصحيفة "معاريف": "إن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يلعب مع إسرائيل بمصطلح (فرينمي)، أي (الصديق العدو)".
وإردوغان "الصديق العدو" لإسرائيل، وفق التوصيف الإسرائيلي، هو نتيجة طبيعية لتاريخ طويل من العلاقات التركية - الإسرائيلية، والعلاقات بين إسرائيل وتركيا قامت منذ عام 1949. فتركيا أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل وطناً قومياً لليهود... تركيا التي تحتضن اليوم أكبر مصانع أسلحة للجيش الإسرائيلي، بينما المبادلات التجارية بين البلدين أكثر من 4 مليارات دولار، منذ أن أصبحت اتفاقية التجارة الحرة الإسرائيلية - التركية سارية المفعول عام 2000.
التعاون التركي - الإسرائيلي لم يقف عند التجارة والسوق الحرة، بل وصل إلى التعاون العسكري والسماح للطيران العسكري الإسرائيلي بالتحليق في الأجواء التركية، حيث ينص الاتفاق على تبادل الطيارين 8 مرات في السنة، ويسمح للطيارين الإسرائيليين بالتحليق فوق الأراضي التركية.
براغماتية إردوغان السياسية جعلته يصافح الإرهابي آرييل شارون جزار صبرا وشاتيلا في القدس عام 2005، بينما الأخير رحب به بالقول: "مرحباً بك في (عاصمة إسرائيل الأبدية)"، دون أن نسمع أي اعتراض ولو بالهمس من إردوغان، الذي صدّع رؤوسنا بعنتريات إعلامية "دفاعاً" عن الحقوق الفلسطينية، ولعل من بينها تلك التي افتعلها في حوار دافوس مع شمعون بيريز.
إردوغان الذي قبل بالقدس "عاصمة أبدية" من لسان شارون، رفض القبول بها من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، فإردوغان صاحب علاقات معروفة مع إسرائيل، وحالة شراكة تجارية وعسكرية، رغم مهرجان الشتائم، فهو القائل: "إسرائيل بحاجة إلى بلد مثل تركيا في المنطقة، وعلينا أيضاً القبول بحقيقة أننا نحن أيضاً بحاجة لإسرائيل".


يبقى السؤال الأهم: هل إسرائيل عدو أم صديق أم الاثنان معاً في السياسة التركية؟ فإسرائيل العدو في عنتريات إردوغان هي نفسها الصديق الحليف في تودد إردوغان... ثنائية متناقضة، ولا يمكن فكّ طلاسمها إلا من خلال فهم البراغماتية في السياسة التركية، التي يتزعمها إردوغان.
الحرب الكلامية وعنتريات إردوغان على الإسرائيليين، وبكائياته مع الفلسطينيين، هما في الحقيقة لكسب شعبية، وللإرضاء العاطفي لأنصار جماعة "الإخوان"، خصوصاً بعد مجاهرة إردوغان بدعم جماعة "الإخوان" في بلدان كثيرة، منها ليبيا ومصر وسورية، فالدور التركي المشبوه، والتدخل السافر في الشأن العربي، امتداد لأطماع استعادة العثمانية مجدداً.
فإردوغان بعد انهيار المشروع التوسعي التركي عقب التراجع في سورية، وتنامي دور المعارضة السياسية في الداخل التركي، وخسارة حزب "العدالة والتنمية" الحاكم انتخابات بلدية إسطنبول، وضغط إردوغان ورفضه نتائج الصندوق، كعادة "الإخوان" في رفض نتائج الديمقراطية إذا كانت النتائج عكس هواهم، وخسارتهم الثانية المكررة بعد الإعادة في كبرى بلديات الجمهورية التركية، والتي تعدّ بوصلة اتجاه المسار السياسي للبلاد، كلها تؤكد أن مشروع إردوغان بدأ في الأفول.

نقلا عن "الشرق الأوسط".

Qatalah