يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


حديث رجب إردوغان عن الصحافي السعودي جمال خاشقجي، الذي جاء في معرض كلمته أمام البرلمان التركي الثلاثاء، أثار ردود فعل عنيفة تجاه الرئيس الذي قدم نفسه بوصفه ديموقراطيا يعلي من حقوق الإنسان، فيما أظهرت تقارير حقوقية سياسة التنكيل والقتل التي ينتهجها مع خصومه السياسيين والصحافيين.
الصحافة العالمية اهتمت بحديث إردوغان عن خاشقجي، وذكرته بممارساته القمعية مع الصحافيين الأتراك، حتى الصحف الإسرائيلية التي اعتادت الصمت على ممارسات الرئيس التركي من باب المجاملة اضطرت إلى الكلام، وقالت صحيفة هآرتس الإسرائيليه إن "رجب إردوغان أحد أكثر قامعي الصحافة الحرة في العالم"، وأنه يقود الحكومة التي زجت بأكثر عدد من الصحافيين حول العالم داخل السجون.
يعد إردوغان أكثر الرؤساء حول العالم قمعا لحرية التعبير، يتضح ذلك من هجومه المستمر والمتزايد على الصحافيين لتكميم أفواههم، ومنذ مسرحية الانقلاب في صيف 2016 يواجه أكاديميون وصحافيون وكتاب مضايقات من نظام إردوغان، ويذوقون صنوف الترهيب والمضايقة والرقابة المستمرة، ما دفع البعض إلى وصف ما يجري بأنه "موت الصحافة".
أصبحت تركيا في عهد إردوغان أسوأ دول العالم من حيث التعامل مع الصحافيين حسب تقرير نسمات للدراسات الاجتماعية والحضارية، حيث صنفها الاتحاد الدولي للصحافيين "IFJ" كأكبر سجن للصحافيين في العالم للعام الثاني على التوالي، ويمثل الصحافيون المعتقلون في تركيا نصف عدد الصحافيين المعتقلين على مستوى العالم، وجاء ترتيب أنقرة في مؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود" في الترتيب 157 من بين 180 دولة في أبريل الماضي.



قمع مستمر 

منذ مسرحية الانقلاب أرسل 319 صحافيا إلى السجون، وصدرت مذكرات اعتقال بحق 142 صحافيا آخرين مشردين في خارج البلاد، وحوكم قضائيا 839 صحافيا في قضايا نشر خلال العام 2017، وفقا لما أوردته مؤسسة الصحافيين الأتراك، فضلا عن اعتقال 124 صحافيا ممن كانوا يعملون في المؤسسات الإعلامية التابعة للمعارض فتح الله غولن بتهم "الانضمام إلى منظمة إرهابية والترويج للإرهاب ومحاولة الانقلاب".
يوجد أيضا 44 صحافيا في السجون بتهمة الانتماء لحزب العمال الكردستاني، و11 صحافيا يساريا من صحيفة جمهوريت بتهمة العمل لصالح منظمة الخدمة التابعة لغولن وحزب العمال الكردستاني، وجرى اعتقال الصحافي أحمد شيك بتهمة الترويج للإرهاب من خلال حزب الثوريين الليبرالي، وعوقب كل من الصحافية ناظلي إلجاك والصحافي أحمد ألتان وأخيه الصحافي محمد ألتان و3  آخرين بالسجن المؤبد في 16 فبراير 2018، وهي العقوبة نفسها التي تلقاها الصحافي هدايت كاراجا رئيس مجموعة سمانيولو الإعلامية والعضو للمجلس الأعلى للصحافة التركية في 8 يونيو 2018.
يأتي الصحافيون العاملون في الصحف الوطنية في مقدمة المعتقلين وعددهم 77 صحافيا، يعقبهم العاملون في الراديو والتليفزيون الوطني أو ما يسمى بقنوات "تي أر تي" وعددهم 45 صحافيا، ويبلغ عدد العاملين في وكالات الأنباء الإخبارية 30 صحافيا، ويوجد 12 صحافيا من العاملين في المجلات الدورية، و15 صحافية معتقلة في السجون التركية؟.
يسيطر الخوف على المشهد الإعلامي في تركيا، وتبلغ نسبة الصحافيين الموقوفين منذ مسرحية الانقلاب 85% من الصحافيين المحبوسين في السجون التركية، وتفرض السلطات التركية قيودا صارمة على اتصال السجناء مع محاميهم، وفي أحسن الأحوال يسمح للسجناء بلقاء محاميهم تحت المراقبة، ولا يسمح لبعض السجناء باستلام الرسائل أو الكتب، ويسمح فقط لأقرب الأقارب مرة في الأسبوع بزيارة السجناء من خلال نوافذ زجاجية وعن طريق الهاتف، ويتعرض الصحافيون في السجون إلى أنواع متعددة من التنكيل والإساءة والتعذيب والانتهاك البدني والنفسي.

 

صحافيون خلف القضبان
عائشة نور باريلداك صحافية شابة قبض عليها في 11 أغسطس 2016 بتهمة الانتماء إلى جماعة إرهابية، ونسب إليها تهمة العمل في جريدة زمان المعارضة، واتهمت أيضا بأنها تدير حسابا في بنك آسيا، أرسلت عائشة رسالة من السجن لجريدة الجمهورية تشكو فيها من معاناتها داخل السجن، حيث تتعرض للضرب والتعذيب والتحرش الجنسي، وقالت في رسالتها: "التحقيق معي استمر 8 أيام، المحققون كانوا سكارى، أخاف أن أظل داخل الحبس".
عدنان كوماك صحافي بوكالة أزاديا والت الإخبارية اعتقل في 27 سبتمبر 2016، وتعرض للتعذيب من قبل الشرطة في مكان مهجور لمدة يومين، وصرح بأن ضباط الشرطة الذين اعتقلوه أشعلوا النار في بطاقته الصحافية وصبوا البلاستيك المذاب منها على جلده.

إبراهيم كارايغين المحرر السابق لصحيفتي زمان ويني حياة اعتقل في 16 يوليو 2016، وظل محتجزا في مكان مجهول لفترة طويلة، حتى اضطر زملاؤه إلى نشر رسالة حول اختفائه عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما اضطر السلطات في 25 أغسطس 2016 إلى الإعلان عن احتجازه في سجن سيليوري بإسطنبول.
أحمد جوك ممثل أنقرة لمجلة الخبز والعدل اعتقل بتهمة عضويته في حزب الشعب الثوري الليبرالي، ولم يتم إطلاق سراحه رغم أنه قدم شهادة طبية معتمدة تفيد بإصابته بمتلازمة كورساكوف، والقانون المنظم لإجراءات السجون التركية ينص على الإخلاء الفوري لمن يقدم شهادة طبية متعلقة بهذا المرض المزمن.



ملاحقة الصحافيين في الخارج

بلغ عدد الصحافيين الذين يواجهون خطر التوقيف والاحتجاز 142 صحافيا وإعلاميا خلال العام 2017، وكان بعضهم خارج البلاد قبل مسرحية الانقلاب في صيف 2016، واختبأ آخرون عند ذويهم، وهرب البعض الآخر إلى الخارج بطرق غير شرعية معرضين حياتهم للخطر في سبيل حريتهم، بينما يظل عدد كبير من هؤلاء الصحافيين في عداد المفقودين.
تحرض تركيا مجموعات من الموالين لها في الخارج ضد الصحافيين الهاربين، ومن أشهر النماذج الصحافي جان دوندار الذي صدرت بحقه مذكرة اعتقال إجباري خلال مشاركته في ندوة عقدت في زيورخ، حيث هاجم مراد شاهين رئيس منظمة الاتحاد الأوروبي التركي الديموقراطي وهي منظمة موالية لإردوغان الصحافي في الندوة، وقال له إن “الأتراك يعرفون من أنت، أنت خائن حقير”. 
تعرض الصحافي دوندار لتهديدات كثيرة حتى من إردوغان نفسه، حيث خاطبه في إحدى المناسبات قائلا: "سوف يدفع ثمن التحقيقات الصحافية التي كتبها غاليا، ولن أتركه يفلت دون عقاب"، والتحقيق الصحافي المشار إليه في حديث إردوغان رصد الدعم التركي للجماعات الإرهابية في سورية، ويحرض الصحافيون الموالون لإردوغان ضد المعارضين، وقال أحدهم: "على المخابرات العامة أن تقوم بقتل وتصفية دوندار".
واعتقلت الشرطة السيدة هاجر كوروجو دون أن تصدر بحقها مذكرة اعتقال، بدلا من زوجها الذي كان يعمل رئيسا لتحرير صحيفة يارينا باكيش، فعندما اقتحموا منزله ولم يعثروا عليه طالبوها بالاتصال به فأبلغتهم أنها لا تعرف مكان تواجده، وجرى تحويل مذكرة الاعتقال باسمها بقرار من وكيل النيابة الذي أمر الشرطة باعتقالها، ويروي شهود الحادث ما قالته الشرطة لنجل كوروجو، حيث خاطبوه: "في المرة القادمة سنعتقلك أنت".

Qatalah