يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


30 نوفمبر 2018 إردوغان يجدد تحالف إسلاميي تركيا مع اليمين المتطرف

أتذكرون حين أعلن دولت بهجلي زعيم حزب الحركة القومية التركي المنتمي إلى اليمين المتطرف أنه لن يكرر تحالفه الانتخابي مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم حين تحلّ الانتخابات المحلية في مارس المقبل؟ حسنا، مرّ شهر واحد واليوم نجد السياسي المخضرم يتراجع، كليا، عن موقفه والتحالف يعود.

في أكتوبر الماضي، وفي خطاب أمام اللجنة البرلمانية لحزبه، كالَ بهجلي انتقادات لاذعة في تقييمه لحزب العدالة والتنمية، وهو الحزب الذي ساعده حزب بهجلي نفسه في يونيو الماضي على الفوز بأغلبية في الانتخابات البرلمانية وساعد الرئيس رجب طيب إردوغان على الانتصار في الانتخابات الرئاسية.

حينها أعلن بهجلي، وبكل قوة، أن حزب الحركة القومية قد عانى بما يكفي من سياسات الوصاية والخداع التي يمارسها حزب العدالة والتنمية، وأنه مستعد “لقطع الحبل السري” الذي يربط بين الحزبين، ومن ثم الدخول بمرشحين تابعين له في الانتخابات المحلية.

واحدة من النقاط البارزة في خطاب زعيم حزب الحركة القومية كانت رفض حزب العدالة والتنمية القبول بمقترح شريكه بمنح عفو عام، يليه إطلاق سراح لأعضاء التيار القومي الذين يرتبطون بأي شكل من الأشكال بالجريمة المنظمة.

قضية أخرى في الخلاف بين الحزبين كانت رفض حزب العدالة والتنمية حكما أصدره مجلس الدولة يدعو إلى إعادة قَسَم الطلبة، وهو تعهد يعبّر عن المبادئ الأساسية للقومية التركية بعدما أمر الحزب الحاكم بإلغائه من المدارس في العام 2013.

وفي ذات اليوم الذي صدرت فيه تلك الانتقادات عن بهجلي لشركائه، قال إردوغان أمام النواب البرلمانيين المنتمين إلى حزبه إنه لن يطلق سراح من وصفهم بأنهم أباطرة تجارة المخدرات المنتمين إلى حزب الحركة القومية. ومضى إردوغان ليتهم بهجلي بالعنصرية في آرائه المتعلقة بقسم الطلبة.

لكن الزمن يتغير. أليس كذلك؟
فبعد شهر واحد مما بدا بشكل كبير أنه نهاية للتحالف، فإن الجميع على ما يبدو قد تحلوا هكذا فجأة بروح التسامح. التقى إردوغان مع بهجلي الأسبوع الماضي وأعلنا تجديد الاتفاق الانتخابي.

وبعدها بأيام، ومع إعلان الحزب الحاكم أسماء 40 مرشحا لمناصب رؤساء البلديات، قال بهجلي إن حزبه لن يطرح مرشحين للمنافسة على مناصب رؤساء البلديات في كل من أنقرة وإسطنبول وإزمير، وإنه سيساند مرشحي حزب العدالة والتنمية. ما سبب هذا التغير الحاد؟

الحديث السائد في الدوائر السياسية يرجّح أن هذا التغيّر المفاجئ سببه نتائج استطلاعات الرأي. فالتراجع المستمر في نسب التأييد لحزب العدالة والتنمية قد يهدد فرص الحزب في تحقيق هدفه بالسيطرة على المناصب المهمة في كل من إسطنبول وأنقرة في الانتخابات المحلية في مارس المقبل.

أما بالنسبة لحزب الحركة القومية، فرغم أنه قد حافظ في ما يبدو على نسبة 11 بالمئة التي حصل عليها في الانتخابات العامة، فإن استطلاعات رأي أكدت أن من غير المرجّح للحزب أن يحقق نفس النسبة في الانتخابات المحلية، حتى في الدوائر التي يسيطر عليها في الوقت الحالي، وبينها مدن مثل أضنة ومرسين ومانيسا وإسبرطة.

بالتالي، وبعد شهر واحد على انفصالهما المفاجئ، وجد الحزبان ألاّ مفر من الاحتفاظ بالعلاقة بينهما.لقد أدركا أن خوض كل منهما الانتخابات بمفرده قد يتسبب في خسائر كبيرة من شأنها تهديد استقرار الحكومة.

يشعر حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية أن انفصالهما كان خطأ ازداد عمقا حين صدرت ردود فعل عن أحزاب المعارضة.
فلقد بدأ حزب الشعب الجمهوري، وهو حزب علماني يعدّ الأكبر بين أحـزاب المعارضة، محادثات مع الحزب الصالح ومع حزب السعادة لتكرار التحالف الذي شكلته معا في انتخابات هذا العام. وبينما لا يتوقع أن يتم تشكيل تحالف رسمي، فإننا نشهد اتصالات متواصلة بين حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي وهو حزب معارض موالٍ للأكراد، حيث يسعى حزب الشعب الجمهوري لضمان تأييد الناخبين الأكراد في كبرى البلديات التركية، وبينها أنقرة وإسطنبول وإزمير وأضنة ومرسين وأنتاليا.

لن يقبل القوميون داخل الحزب الصالح بانضمام حزب الشعوب الديمقراطي إلى التحالف. لكن سيزاي تيميلي، الرئيس المشترك لحزب الشعوب الديمقراطي، أشار إلى أن حزبه سيعكف على تقييم مرشح حزب الشعب الجمهوري لمنصب رئيس البلدية في إسطنبول، وإنه ربما يمتنع عن خوض الانتخابات لتجنّب تفتيت أصوات المعارضة في أهم البلديات التركية.

في الوقت نفسه، ألقت بيرفين بولدان، وهي الرئيس المشارك الآخر للحزب، خطابا بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة حيث وصفت الانتخابات المحلية المقبلة بأنها بأهمية استفتاء على حكم حزب العدالة والتنمية الذي سُجن في عهده خمسة آلاف من أعضاء حزب الشعوب الديمقراطي.

وطالبت بولدان حزبها بمواصلة التصدي لسياسة القمع، وقالت إنها مستعدة للتعاون مع أحزاب في المناطق الكردية من جنوب شرق تركيا وفي أقاليمها الغربية في مواجهة حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية.

ومن المحتمل أن تصبح تعليقاتها بمثابة إعلان بتأييد التحالف الذي شكّله كل من حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح وحزب السعادة.
تبدو هذه وكأنها تطوّرات إيجابية بالنسبة لحزب الشعب الجمهوري، لكنه لو أراد ترجمة ذلك في صورة مكاسب واضحة، سيكون عليه اختيار مرشحين يمكن لهم جمع قاعدة الناخبين المؤيدين للحزب وراءهم.

وأعلن حزب العدالة والتنمية قائمة مرشحيه لمناصب رؤساء البلديات بعد فحص مكثّف، لكن إردوغان، وفي اللحظة الأخيرة، قرر عدم الكشف عن أسماء ثلاثة من أهمّ المرشحين الذين تردّد أنه اختارهم للمدن الثلاث الكبرى: إسطنبول وأنقرة وإزمير.

ولعل الرئيس في انتظار أن تتحرك المعارضة وتعلن عن مرشحيها لهذه المدن الثلاث قبل أن يعلن هو أسماء من اختارهم الحزب الحاكم لمواجهة مرشحي المعارضة.

ورغم التأييد الذي يقدّمه حزب الحركة القومية، فإن اختيار المرشحين سيكون عاملا مهما بالنسبة للحزب الحاكم.
وسيكون من الصعب على أي مرشح من حزب العدالة والتنمية توقّع الحصول على تأييد كامل من الناخبين من أنصار حزب الحركة القومية في المدن الثلاث الكبرى.

ويفسر هذا سعي إردوغان الحثيث في البحث عن مرشحين قادرين على جذب ناخبين من الأطياف الاجتماعية الأخرى.
فمن شأن خسارة الانتخابات في أنقرة وإسطنبول أن تؤدي إلى هزة عنيفة في عالم السياسة التركية، خاصة داخل حزب العدالة والتنمية، حيث يتوقع أن تطفو على السطح الخلافات الداخلية والانشقاقات.

ويتردد كذلك أن بهجلي، هو الآخر، يتعرض لضغط من داخل حزبه وفي أوساط قاعدته الانتخابية، بعدما خاطر مرة أخرى بالارتماء في أحضان إردوغان والإحجام عن تقديم مرشحين في المدن الثلاث الكبرى، تماما مثلما فعل في انتخابات يونيو الماضي.

ولو نجحت المعارضة، بعد إجراء يمكن وصفه بأنه أقرب للانسحاب من الانتخابات، في تحقيق نجاح في هذه المدن الثلاث التي تشكّل معا ثلث عدد الناخبين الأتراك، فإن موقف بهجلي على رأس حزب الحركة القومية سيتعرّض على الأرجح لهجوم من داخل الحزب.

وقد يتعرّض كمال كليجدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري أيضا لموقف مماثل، وهو الذي يتردّد أنه يسعى للتصدّي لتمرّد داخلي في الحزب بعد الأداء الضعيف للحزب في الانتخابات البرلمانية. فالنسبة لكثيرين، ستكون الانتخابات المقرّرة في مارس هي الفرصة الأخيرة أمام كليتشدار أوغلو.

نقلًا عن موقع صحيفة "العرب"

Qatalah