يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يتحرك الرئيس التركي رجب طيب إردوغان كرئيس دولة عظمى، بينما يتلقى الضربات من هنا وهناك كجزيرة صغيرة تحت الوصاية الدولية، يتلقى الصفعات كقزم. فشل فى اقتناص رضا الأوروبيين عن نظامه منذ وصوله إلى سدة السلطة فى أنقرة قبل 18 عاما، وفى الفوز بعضوية الاتحاد الأوروبي، بعد طريق طويل من الانحناء على عتبات الاتحاد وزعمائه، فرفع رأسه غاضبا كطفل، وراح يفتش عن قبلة أخرى، لمكايدة الأوروبيين من جهة، وجنى الأرباح التى طمع بكسبها من عضوية الاتحاد، لكن فى قارة أخرى، هى إفريقيا.

بدأ إردوغان الالتفات إلى إفريقيا؛ بعدما تلقى جملة من الرسائل الضمنية من قبل الاتحاد الأوروبي مفادها أن التحاق تركيا بالحلف ضرب من الأوهام، ليبدأ الديكتاتور التركي نقل مركز اهتمامه إلى القارة السمراء؛ وتحديدا قبل 13 عاما حينما أعلن أن 2005 هو عام إفريقيا.

"عام إفريقيا".. بدء المساعدات المسمومة للقارة 
كان إعلان عام إفريقيا مجرد إعطاء الإشارة لبدء تنفيذ خطة اختراق أمني، عبر المساعدات الإنسانية والمشاريع الاقتصادية، ركز فيها كثيرا على الدول الفقيرة بالقارة. وجاءت الصومال على رأس تلك الدول، فقد أمر أتباعه ببناء مدارس ومستشفيات ومشاريع خدمية بينها الطرق والكباري ومحطات الصرف الصحي، وانتظر جني ثمار مساعداته المسمومة.

حاول إردوغان التجمل بتخصيص ميزانية ضخمة للإنفاق على الأعمال الفنية؛ وأنشطة التبادل الثقافي، محاولا نشر اللغة التركية في البلدان المستهدفة. وحرص إردوغان على القيام بجولات دورية داخل إفريقيا، ووسع خلالها من إبرام اتفاقيات التعاون الدبلوماسي والسياسي، فضلًا عن توسيع التمثيل الدبلوماسي لبلاده هناك.

كانت بداية ناعمة، لكنها سرعان ما انقلبت إلى مراحل خشنة من خطة الاختراق في أكثر من دولة، بفرض شروط على الحكومات التي تتلقى مساعداته "الإنسانية" على رأسها رد الجميل والسماح ببناء قواعد عسكرية على أراضيها، وتقديم الدعم اللوجستى لتلك القواعد، التي بدأت في إثارة القلق في عدد من أنحاء القارة خاصة في القرن الإفريقي (الصومال والسودان)، بعد أن تمكن من تأسيس قاعدة عسكرية هي الأكبر لبلاده في الخارج افتتحها في أكتوبر 2017.

 

سرقة المياه واستنزاف الأسواق
يحاول إردوغان منذ العام 2011 تعويض الخسائر التي تكبدها القطاع التجاري التركي في الشرق الأوسط، بعدما توترت علاقات بلاده مع العديد من دول المنطقة العربية؛ على خلفية تدخله في شؤونها الداخلية، فلجأ إلى المساهمة في تمويل عدد من المشاريع ذات الأضرار الجانبية لبعض تلك الدول؛ كجزء من سياسة المكايدة، ويعد تمويل سد النهضة في إثيوبيا، من بين أبرز الشواهد على رغبته في الإضرار بالمصالح المائية لمصر، في أعقاب ثورة الشعب المصري التي ساندها الجيش في 30 يونيو 2013، والإطاحة بحلفائه من جماعة الإخوان.

وضعت تركيا مرافئ باب المندب نصب عينيها، وخططت للتحكم في موانئ جيبوتي، وبربرا ومقديشو في الصومال؛ بسبب الأهمية الاستراتيجية لتلك المنطقة المطلة على خليج عدن وباب المندب في البحر الأحمر، ولا تقف التحركات التركية عند حدود سرقة المياه أو جعل الأسواق الإفريقية أسواقًا مستهلكة للمنتجات التركية، حيث خطط إردوغان إلى تحويل دول القارة السمراء إلى سوق كبير مفتوح لبيع منتجات بلاده العسكرية. 

السطو على أملاك غولن فى غرب إفريقيا
كما استهدف إردوغان من اختراق إفريقيا ملاحقة خصومه السياسيين، ومن بينهم أعضاء حركة (الخدمة) التابعة لرجل الدين المعارض فتح الله غولن، الذى أزعج إردوغان بنفوذه الاقتصادي والثقافي والتعليمي في بعض بلدان إفريقيا.

وكان أول ما طلب إردوغان ثمنا لمساعداته لدول غرب إفريقيا؛ هو إغلاق المدارس التابعة للحركة أو تسليمها إلى مؤسسة (معارف) التى دشنها بنفسه قبل عامين؛ واستبدال صروح غولن التعليمية بمنشآت تابعة لمؤسسته فى 20 دولة، إلى جانب تولي إدارة المدارس التابعة لحركة (الخدمة)، بعد إغلاقها بقرار من الدولة المستضيفة، بضغوط من تركيا. 

ونجحت ملاحقة غولن في إفريقيا، حيث قررت دول بينها السنغال وموريتانيا وتشاد والنيجر إغلاق بعض المدارس، بل وتسليم عناصر مطلوبة من العاملين بها إلى النظام التركي.

تهديد أمن البحر الأحمر بالقواعد العسكرية
أصبحت سياسة إردوغان شبه المعلنة هي كسب القواعد العسكرية ثمنا لحليب الأطفال والأدوية، وكان أبرزها قاعدة 2017، التى حقق من ورائها أهدافًا استراتيجية كبيرة من خلال وجوده العسكري في قاعدة الصومال، وفرت له التلصص على بوابة البحر الأحمر الجنوبية فى خليج عدن، وتسعى أنقرة من خلال قاعدة الصومال إلى تشكيل مرتكز للجيش التركي في هذه النقطة الحساسة من العالم، حيث يمكن أن يستغل إردوغان القاعدة في العبث ببوابة البحر الأحمر. 

وسعيا لتطويق منطقة القرن الإفريقي، مدت تركيا وجودها العسكري - بنظام الاستضافة مدفوعة الأجر- إلى السودان. وعلى الرغم من نفي أنقرة والخرطوم إقامة قاعدة عسكرية في جزيرة سواكن السودانية، إلا أن الاتفاقيات الأخيرة فتحت الباب أمام الزى العسكري التركي أن يظهر على سواحل السودان في قلب المجرى الملاحي للبحر الأحمر، ما انكشف باستقبال ميناء بورتسودان -أحد أقرب الموانئ السودانية لمصر- 4 سفن حربية تركية على متنها 700 فرد تنتمي لمجموعة البارجة التركية بارباروس في وضح النهار.

Qatalah