يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


على مائدة التفاوض مع روسيا وأميركا، سعى الرئيس التركي إلى تمرير مشروع تقسيم سورية إلى ثلاثة أقاليم، ما يسمح له بتحقيق أحد أحلامه التوسعية في السيطرة على منطقة الشمال السوري التي تضم حماة وحلب وإدلب حتى الشمال في عفرين ومنبج، إضافة إلى حماية حدوده من خطر الهجمات الكردية، ومن خلال آلته الإعلامية يروج رجب إردوغان لهذا الحلم على أنه مسألة وقت، بينما المعطيات على الأرض تشير إلى حسابات أخرى لا تتفق مع طموحات السلطان الواهم. 
حسب تسريبات تركية،  وضعت الدول الثلاث اللمسات النهائية على مشروع بسط نفوذها على كامل الأراضي السورية خلال الربع الأخير من العام الجاري، بحيث يظهر النفوذ الأميركي الكردي في الشرق السوري، والتركي في المنتصف، في حين تقتسم روسيا مع حكومة دمشق مناطق الغرب والجنوب.
وكشفت جريدة يني شفق التركية الموالية لإردوغان خارطة التقسيم، وذكرت في عددها الصادر21 يوليو الماضي أن "اللاذقية وطرطوس وحمص ودمشق ودير الزور من نصيب بشار الأسد وروسيا، أما مدن الحسكة والرقة وريف دير الزور وجميع المناطق التي تقع شرق الفرات من نصيب أميركا والأكراد، بينما حماة وإدلب وحلب في المنتصف حتى الشمال في عفرين ومنبج  من حق تركيا". 



موافقة روسية أميركية  

تتصاعد الدعوات لوجود 3 أقاليم (جمهورية فيدرالية) في سورية منذ اندلاع الحرب الأهلية، أما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فكان أول من تحدث عن المسألة في نوفمبر 2015، وأعلنها من بعده نائب وزير خارجيته سيرغي ريابكوف، في فبراير 2016، إذ  قال نصا :"موسكو تأمل في أن يتوصل المشاركون في المفاوضات السورية إلى فكرة إنشاء جمهورية فيدرالية".
ورحب وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري، في ذلك التوقيت بالفكرة، وقال خلال جلسة استماع للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي في فبراير 2016: "ربما فات الأوان لإبقاء سورية موحدة"، في إشارة منه إلى النظام الفيدرالي. 
يضمن المخطط لأنقرة بسط نفوذها على محافظات المنتصف والشمال السوري (حلب وحماة وإدلب وعفرين) مقابل إقامة دولة للأكراد في الحسكة والرقة وريف دير الزور، المدن الغنية بالنفط، إذ تضم الحسكة أغلب الحقول ذات الإنتاج العالي (الرميلان ومصفاة الرميلان بواقع 1322 بئرا، إضافة إلى 25 بئرا من الغاز في السويدية)، وبذلك يستطيع الأكراد توفير الموارد المالية لإدارة الإقليم.



مخطط إدلب

يقضي الاتفاق الذي عقده إردوغان مع روسيا وأميركا بإغلاق حدود تركيا أمام النازحين السوريين من الحرب وإجبارهم على العودة إلى إدلب، سعيا من الرئيس التركي إلى تثبيت ما يعتبره منطقة الهلال السني في سورية (من المنتصف حتى الشمال) حيث يتجمع غالبية السنة في (حماة وحلب وإدلب).
ووثقت منظمة "هيومان رايتس ووتش" مخطط إردوغان الرامي إلى تعبئة إدلب بالنازحين واللاجئين، حين ذكرت أن قوات الأمن التركية اعترضت آلاف السوريين من طالبي اللجوء على الحدود بين تركيا وسورية منذ ديسمبر 2017، وأجبرتهم على الرحيل إلى إدلب التي تمزقها الحرب، وأطلقت قوات حرس الحدود التركي النار على طالبي اللجوء الذين حاولوا دخول تركيا عبر طرق التهريب، وأوقعت بينهم مصابين وقتلى، إضافة إلى إعادة السوريين الذين وصلوا مدينة أنطاكيا التركية إلى إدلب.
في يوليو الماضي، بلغ الأمر ذروته بعد تكليف روسيا نظام الأسد بتهجير المواطنين "الشيعة" في بلدتي الفوعة وكفريا التابعتين لإدلب، وإعادة تسكينهم في حسياء بحمص، بهدف منع أي تهديد للسنّة بالمدينة حسب المخطط، بالتوافق مع سحب إيران لعناصرها من ريف حلب بإيعاز من روسيا.



مفاوضات حلب

"يني شفق" قالت إن الاتفاق بين موسكو وأنقرة يشمل إجبار الرئيس السوري بشار الأسد على الانسحاب من حلب، على أن تتولى تركيا مسؤوليتها، قبل بدء إعادة إعمارها.
وأكد عضو الائتلاف السوري المعارض فؤاد عليكو وجود مفاوضات متقدمة بين روسيا وتركيا في هذا الشأن، وقال إن أنقرة وعدت بإعادة توطين 3 ملايين سوري من أصل 5.5 مليون في حلب إذا ما انسحبت منها قوات الأسد والميليشيات الرديفة له.
وبهدف إحداث تغيير سكاني في مدن الشمال السوري، أمرت تركيا الميليشيات التي تقاتل معها في عفرين، ومن بينها فرقة الحمزة وما يسمى الجيش السوري الحر، بتهجير الأكراد من مدن الشمال إلى مناطق شرق الفرات (أماكن النفوذ الأميركي الكردي)، بينما أعلنت واشنطن وأنقرة التوصل لاتفاق يضمن إجلاء الأكراد حتى شرق الفرات في مايو 2018.
وأمرت أنقرة إرهابيين يعملون لحسابها بمحو التراث الكردي من عفرين، عبر استهداف المعابد الأشورية، مع العمل على إعادة تسكين اللاجئين لديها في المدينة، لاستكمال مخطط توطين السنّة من الشمال حتى المنتصف.



الأسد لا يمانع

تحالف الأسد وبوتين، وفق المخطط، يمنح الطرفين السيطرة على اللاذقية وطرطوس وحمص ودمشق ودير الزور بما يضمن لموسكو وطهران وضع أقدامهما في المياه الدافئة (المتوسط)، ويمكن الرئيس السوري من تولي رئاسة الإقليم الذي يضم في "دير الزور" أكبر حقول النفط السوري "العمر والتنك والورد والتيم والجفرة وكونيكو"، ويحميه من أية ملاحقات قضائية دولية.
ويرى مراقبون أن موقف إيران ربما يكون العائق أمام المخطط،، بوصفها تحتل موقع نفوذ على غالبية التراب السوري، إذا ما تمكن الأسد من حسم المعارك لصالحه، الأمر الذي جعلها طيلة الأعوام الماضية تحافظ على بقاء النظام في دمشق حماية لنفوذها السياسي، ومواجهة السياسات الأميركية المناهضة لها، وبالتالي لن تقبل بإضعاف موقفها في سورية.

Qatalah