يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بجلد سميك ووقار زائف، شارك الرئيس التركي رجب إردوغان في احتفال فرنسا بالذكرى المئوية لانتهاء الحرب العالمية الأولى، التي تكبدت فيها الدولة العثمانية خسائر مهولة وهزيمة مذلة كانت مسك الختام لسلطنة عرفت بجرائمها ضد العرب والأقليات.
بانتهازية، تناسى إردوغان صراخه القومي في ساحات أنقرة وهو يمجد العثمانيين، وذهب ليحتفل بهزيمتهم النهائية وكسر عنجهية السلاطين بعد انهيار جيوشهم أمام القوات الفرنسية والبريطانية والأميركية، مستغلا مشاركة العديد من زعماء العالم، وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ليلتقط بعض الصور الجانبية من أجل الترويج لمكانة تركيا بين دول العالم.
تحتفل باريس بالذكرى المئوية لاتفاقية وقف إطلاق النار بين ألمانيا وقوات الحلفاء في نوفمبر من عام 1918، والتي أنهت رسميا الحرب العالمية الأولى بين الأطراف المتصارعة، معلنة انتصار باريس ولندن وواشنطن على برلين وفيينا وإسطنبول، قضت الحرب على الإمبراطورية العثمانية التي اختفت سريعا عام 1922 لتنمو على أنقاضها تركيا الحديثة التي يتنكر لها إردوغان وهو يدعو إلى إحياء الإرث العثماني بنعرات قومية، في حين لا يخجل من مشاركة أحفاد من هزموا أجداده الاحتفال بنصرهم.
أثارت زيارة الرئيس التركي للعاصمة الفرنسية استنكارا واسعا في الشارع التركي باعتبار  الاحتفال بمثابة إهانة صريحة للجنس التركي الذي هزم على جميع الجبهات وخسر كل المعارك، وطلب السماح والعفو من  جيوش فرنسا وبريطانيا.
وصف محللون إردوغان بأنه لا يكترث بأمجاد العثمانيين كما يزعم، ويسعى فقط لتحقيق أكبر قدر من المكاسب الشخصية التي تثبت صورته الوهمية كزعيم للأمة التركية، استغل الاجتماع الدولي بمشاركة أكثر من 70 زعيما من مختلف دول العالم لينهي بعض الملفات العالقة وفي مقدمتها لقاء الرئيس الأميركي ليتلقى مكافأة الاستجابة لأوامره بالإفراج عن القس أندرو برونسون.
يحاول رجب من خلال الاحتفالية إقحام صورة تركيا في المشهد الأوروبي على أمل إحياء حلمه القديم بالحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، الذي بددته ألمانيا وفرنسا بل وهولندا التي رفضت طلبات الاستجداء التركي بفتح أبواب بروكسل أمام أنقرة.

ينتهز رجب الملتقى الدولي في البحث عن غنائمه من الحرب السورية حيث أعلن أنه سيستغل اللقاء لمناقشة آخر المستجدات في إدلب  مع نظيريه الأميركي والروسي، وكيفية تطبيق خارطة طريق حول منبج المتفق عليها بين أنقرة وواشنطن.
على مذبح المصلحة يريق إردوغان ماء وجهه وينسف شعاراته التي يتشدق بها، يتاجر بدماء 700 ألف مجند تركي ألقي بهم في أتون الحرب (25% من ضحايا الحرب العالمية)  من أجل التقاط بعض الصور التذكارية.
إردوغان أصيب بالخرس أمام قادة الغرب، إذ لحس وعوده السابقة أمام الأتراك بضرورة إعادة النظر في نتائج الحرب العالمية الأولى خصوصا معاهدة لوزان الموقعة في 1923، والتي على أساسها تم تصفية الاحتلال العثماني للأقطار العربية، فإردوغان الذي احتفل في 2014 بذكرى بداية الحرب العالمية، بالحديث عن تغيير معاهدة لوزان، عاد في ذكرى انتهائها كقطة وديعة في حضرة ترامب وقادة أوروبا متجاهلا لو إشارة عابرة عن تغيير المعاهدة. 
ويبدو أن إردوغان لم يستغل مشاركته مع قادة العالم في الاحتفاء بذكرى انتهاء الحرب العالمية الأولى _ وهو الحدث الذي يتهمه الأتراك بتدمير دولتهم _ في شرح نوايا بلاده المستقبلية في عصر "ما بعد لوزان"، حيث اكتفى الرئيس التركي بالتقاط الصور مع زعماء أوروبا، في خطوة ربما تكون اعترافا منه بأن كل ما تم ترويجه سابقا كان بغرض الاستهلاك المحلي والإقليمي الآني والقريب، كما أنها إعلان ظاهر عن أن أحلام إردوغان تطير محلقة ما دام كان في داخل بلاده وبين أنصاره بينما تنخفض أرضا حين يرتفع الحديث في حضرة قادة الدول العظمى التي لا تعدو تركيا أن تكون تابعا لها وساعية لرضاها. 
إردوغان بدلا من مهاجمة اتفاقية لوزان، اكتفى بكتابة مقالة على صفحات لو فيغارو الفرنسية، ليتحدث عن اتفاقية سايكس- بيكو بين بريطانيا وفرنسا العام 1917، والتي على أساسها تم تقسيم الهلال الخصيب بين البلدين، لكنه لم يتطرق إلى اتفاقية أنقرة مع باريس من أجل نهب الأولى لإقليم الإسكندرونة العربي من سورية، والذي يعتبر من قبل بعض المؤرخين اتفاقية مكملة لسايكس بيكو.
الرئيس التركي أعلن رفضه إجراء تقسيمات سايكس بيكو جديدة في المنطقة، داعيًا إلى مكافحة التنظيمات الإرهابية مثل داعش وحزب العمال الكردستاني ومنظمة فتح الله غولن، العدو الشخصي اللدود لإردوغان، ويبدو أن الأخير لم يتعب نفسه لكتابة المقال إلا من أجل مهاجمة غولن الذي تحول إلى شبح يطارد الديكتاتور التركي في كوابيسه.
الطاغية أعرب عن اعتزازه بصفته حفيد أحد الشهداء حيال تمثيل بلده في الفعاليات المقامة بباريس، ولفت النظر إلى أن الحرب الدموية التي انتهت قبل 100 عام أظهرت بشكل صريح نتائج الاستعمار والتوسعية والعدائية على البشرية، وأضاف: "الأخطاء التي ارتكبت في مسألة تأسيس النظام عقب هذه الحادثة أسست- للأسف- لشروط الحرب العالمية الثانية،لتتسبب بوقوع مآس لم ير التاريخ مثيلاً لها"، لكن ثوب الواعظ لا يليق بإردوغان الذي مد أذرعه للتخريب في سورية والعراق ولم يتورع عن التآمر على الدول العربية باستضافة فلول جماعة "الإخوان المسلمين" المصنفة إرهابية في عدة دول عربية.

Qatalah