يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يرفض الاتحاد الأوروبي أن يكون قشة تنقذ إردوغان، ويعلن يأسه من مساندة رجل يمثل خطرا على شعبه وعلى جيرانه، ورغم جولاته المحمومة لطلب النجدة، يجمع زعماء أوروبا على رد واحد "عفوا..نفد رصيدكم". 
يتعلق الغريق بقشة، ويتعلق الرئيس  التركي رجب إردوغان بكرم الاتحاد الأوروبي لإنقاذه من كارثة اقتصادية أصبحت قاب قوسين أو أدنى، يتودد إلى ألمانيا ويصفها بـ"الصديقة القديمة"، بعد أن احتقرها في خطاب رسمي العام الماضي بقوله إنها "دولة قبيحة"، يعتبر هولندا "حليفة قوية"، فيما كانت قبل عام فقط "بلدة فلول النازيين والفاشيين"، فيما ترد الدول الأوروبية ببرود وتتلكأ في تقديم العون للسلطان المأزوم، بعد أن نفد رصيده من الخدع وأوراق الضغط لديه بالمرة. 

مساعدات مقابل الحرية
بينما يتسول إردوغان على موائد الأوربيين، بحثا عن دعم اقتصادي يخرجه من الأزمة، يسلك طريقا لا يحفز الاوروبيين على دعمه، ولا يطمئنهم إليه. فقد رسب في اختبار المعايير الأوروبية، بعدما منحه البرلمان الأوروبي فرصة عام 2017 يحسن فيها أوضاع الحريات والديموقراطية وحقوق الإنسان، حتى يتناسب مع معايير الدول الأوروبية، ما حرمه مساعدات مالية أوروبية كبيرة تقدر بـ 70 مليون يورو، كانت دفعة أولى من حزمة مساعدات كبيرة تصل إلى 4 مليارات يورو.

بات إعطاء منح أوروبية غير مشروطة، في الوقت الحالي، أمرا صعبا جدا، في ظل الوضع الاقتصادي الأوروبي المشغول بمشكلاته أيضا، نتيجة التراجع الدولي في حجم التجارة العالمية، فضلا عن ذلك أصبح إردوغان لدى الرأي العام الأوروبي مجرد حاكم مستبد سلطوي يحول بلاده إلى دولة الفرد الواحد، ويستشري استبداده فيطال فئات كثيرة من المجتمع التركي، على رأسهم الكتاب والمفكرون والصحافيون وأصحاب الرأي.
ولأن سجله الاستبدادي معتم، فهو يعتدي على سيادة  القانون ويعرقل عمل الصحافيين بحبسهم  والتنكيل بهم، إلى جانب تراجع قيم الديموقراطية، لذلك تقول غونول تول رئيسة برنامج معهد الشرق الأوسط في الولايات المتحدة الأميركية: "يصعب على القادة الأوروبيين تقديم مساعدات مالية لأنقرة، دون فرض شروطهم على الحكومة التركية، فالرأي العام الأوروبي يرى إردوغان حاكمًا مستبدًا".
تتحسب دول الاتحاد الأوروبي لأية تداعيات سلبية لانهيار الاقتصاد التركي على أمنها القومي، لكنها تتابع أوضاع الحريات في أنقرة بقلق دوريا، لتفادي تفاقم الأمور، كما أنهم ليسوا متحفزين لتقديم أي دعم مالي لإردوغان في الوقت الحالي، ولو حدث سيكون بشروط مشددة لضمان التزامه بمعايير القانون، الأمر الذي يواجه فيه الرئيس التركي فشلا ذريعا في كل مرة.

"من فاشيين إلى أصدقاء" 
يدرك إردوغان أن حميمية العلاقة مع الولايات المتحدة بددتها تصرفاته غير المسؤولة، لذا يبحث عن قوة تضاهي أميركا أو على الأقل تقف بجانبه لتخفيف حدة عقوباتها ضده، فلجأ لتحسين صلاته بالقارة الأوروبية، التي وصفها في الآونة الأخيرة بأنها "أطلال النازيين"، بهدف طلب مساعدتها  لإنقاذ اقتصاده الضعيف.
تشير تول، في مقال بعنوان "من فاشيين إلى أصدقاء: معانقة إردوغان للاتحاد الأوروبي"، إلى أن إردوغان يبذل مجهودًا كبيرًا في الوقت الحالي، لتحسين علاقاته مع دول أوروبا، في ضوء أزمات بلاده الاقتصادية، خاصة ألمانيا.
هولندا واحدة من الدول التي وجه أردوغان إليها مؤخرا نقدا لاذعا، على الرغم من أنها تعد واحدا من مصادر رؤوس الأموال الأجنبية التي تعمل في تركيا، ما يعكس السياسات العشوائية التي كان يتبعها إردوغان تجاه دول الاتحاد الأوروبي.

رفضت هولندا السماح بهبوط طائرة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو على أراضيها من قبل، وفي مارس 2017  منعت إصدار تأشيرات دخول مسؤولين أتراك، تبع ذلك منع وزيرة الأسرة التركية فاطمة قايا من حضور تجمع في روتردام، ويسعى إردوغان حاليا إلى تقليص خسائره، وإصلاح ما أفسده من علاقة مع أمستردام.
مهد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض عقوبات على تركيا الطريق لأكبر انخفاض في تاريخ  الليرة التركية، وازداد الخطر الموجه للاقتصاد التركي بتهديد الولايات المتحدة بفرض عقوبات إضافية على أنقرة، ما يجعل طريق الخروج من عنق الزجاجة أمام إردوغان هو العودة لشركائه الأوروبيين، ما يجبر إردوغان على التصرف جيدا، ولو لمرة واحدة.


حرق ورقة الابتزاز
يرهب إردوغان الأوروبيين كثيرا بفزاعة "إطلاق اللاجئين"، إذ يحتجز عددا كبيرا منهم في بلاده، ويستغلهم في طلب المساعدات والضغط على قادة أوروبا لتسريع مفاوضات نيل عضوية الاتحاد الأوروبي التي دخلت مرحلة الموت السريري فعليا.
على الجانب الألماني، تخشى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الانهيار الكامل للاقتصاد التركي، ما قد يؤدي إلى تخلي إردوغان عن اتفاق اللاجئين مع الاتحاد الأوروبي، الذي أبرمه في 2016.
من المؤكد أن أوروبا تكتفي حاليا بالتشاور السياسي مع تركيا في بعض الملفات خاصة المتعلقة باللاجئين، في محاولة لمنع استغلال إردوغان للملف في ابتزازهم، لكنهم في الوقت ذاته لن يتدخلوا في أزماته السياسية والاقتصادية التي تسبب فيها بحماقته. 

Qatalah