يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لا وقت للتعذيب في أقسام الشرطة والمعتقلات وأماكن الاحتجاز السرية. الآن يطلق الرئيس التركي رجب إردوغان كلابه الأمنية المسعورة على المعارضين والمواطنين العاديين لاختطافهم وتعذيبهم في الشوارع والغابات.
كشفت صحيفة جمهورييت التركية اليوم الخميس أن شابًا يدعى يغيرت أوستا تعرض للتعذيب على يد الشرطة، لرفضه التجسس لصالح الأجهزة الأمنية. وأوضحت الصحيفة أن قوة أمنية من 4 ملثمين اختطفت "أوستا" في مقاطعة توربالي بمدينة إزمير، إلى غابة مجاورة عنوة، ثم شرعوا في تعذيبه لمدة 6 ساعات كاملة.
والد الشاب سارع بتقديم شكوى لجمعية حقوق الإنسان، قال فيها إن 4 جنود اصطحبوا نجله إلى إحدى الغابات، وعرضوا عليه التجسس لصالح الشرطة، مؤكدا "نجلي تعرض للتعذيب طوال 6 ساعات بعدما رفض هذا العرض". وذكر محامي الضحية أنه لاحظ أثار التعذيب على "أوستا"، وتحديدا رأسه ويديه بعد نقله إلى مقر مديرية الأمن.




الشرطة تشهر الأسلحة

عقب ذلك، رفضت عناصر الأمن تسليم أسرة الشاب تقريرا يفيد تعرضه للتعذيب، وتعدوا بالضرب على والد ووالدة "أوستا" بعد مداهمة منزل العائلة، وجرى نقل والدته إلى المستشفى لما لحقها من إصابات، حسب الصحيفة. بينما أشهر رجال الشرطة أسلحتهم في وجه والد الشاب، وصاحوا مهددين بالقتل "هذا ما يستحقه أوستا".
بعد انتشار خبر الواقعة، قدم نائب حزب الشعوب الديموقراطي في إزمير، سيربيل كمال بيه، لائحة أسئلة للمجلس، مطالبًا وزير الداخلية سليمان سويلو بالرد عليها بشأن الواقعة. وتساءل "ما الذي حدث خلال الساعات الست التي مضت منذ أن اعتقلت الشرطة أوستا حتى أحضرته إلى مديرية الأمن؟ هل كانت الوزارة على دراية بفترة التعذيب والاعتقال؟ وإذا لم تكن.. فهل تم التحري والتحقيق مع المسؤولين عن هذه الجريمة؟". 

تعذيب أوستا وأسرته لم يكن إلا قمة جبل الجليد، فحملة القمع التي أطلقها إردوغان طالت الجميع في تركيا باستثناء العصابة الحاكمة، إذ تحولت تركيا إلى دولة بوليسية بامتياز خصوصا بعد مسرحية الانقلاب المزعوم في صيف 2016، إذ بات الجميع مدانا حتى يثبت العكس، وبات الاتهام الجاهز هو الانتماء إلى حركة الخدمة، بزعامة فتح الله غولن الذي يعتبره إردوغان عدوه الأول.      



"الدولار".. رمز سري وتهمة
في سبتمبر الماضي، جرى استدعاء المطرب التركي مابل ماتيز إلى نيابة إسطنبول، للتحقيق معه بشأن استخدامه ورقة من فئة "دولار واحد"، خلال تصوير أغنيته الأخيرة "ماذا يجري؟"، واتهامه بأن هذه إشارة دالة على دعمه لمنظمة فتح الله غولن التي يعتبرها نظام إردوغان منظمة إرهابية. وكان "ماتيز" ظهر في فيديو كليب الأغنية، التي لاقت انتشارا عبر موقع "يوتيوب"، مرتديًا بزة تحمل جيوبها أوراقًا نقدية من فئة دولار واحد، ثم ألقى بعضها في الهواء. 
وقرر المدعي العام في إسطنبول التحقيق مع "ماتيز" عقب وشاية قدمت في حقه من جانب أحد المرشدين التابعين للحكومة التركية في مركز اتصالات رئاسة الوزراء. تقول لوائح الاتهام المقدمة من النيابة بحق المطرب إن أتباع "غولن" يستخدمون "أكوادًا سرية" ممثلة في الأرقام التسلسلية للورقة النقدية "الدولار"، للتعريف بأنفسهم ومستوياتهم في جماعة غولن، وأشارت إلى أن الرقم التسلسلي للورقة النقدية الأميركية يبدأ بأحد حروف اللغة الإنجليزية، ويدل على مكانة الشخص في الجماعة، وما إن كان عضوًا عاديًا أو قياديًا، بينما يشير الرقم إلى هوية وعضوية الشخص في الجماعة.
وتذكر تقارير صحافية أن المحققين سبق وصادروا أوراقا نقدية أميركية في حملاتهم الأمنية الأخيرة ضد مؤيدي جماعة غولن، فيما تناقلت وسائل الإعلام التركية نفي المطرب هذه التهمة خلال التحقيق معه.



الحكومة تدفع للمخبرين

وقد تعزز استخدام المخبرين والمرشدين السريين في دولة إردوغان الأمنية، في السنوات الأخيرة، منذ سيطرة حزب العدالة والتنمية على الحكم، حيث أعادت الدولة في عام 2011 العمل بنظام التخابر الذي انتشر في فترة الانقلابات العسكرية بين 12 مارس 1971 و 12 سبتمبر 1980.
في سبيل ذلك، أضفت وزارة الداخلية الطابع الرسمي على عمل المخبرين السريين التابعين للحكومة، وفقًا للمادة 19 من القانون رقم 5532 لعام 2006، التي تقضي بمنح مكافآت مالية إلى "كل من يرشد عن هوية أو مكان أي شخص يرتكب جرمًا يدخل ضمن قانون مكافحة الإرهاب، أو يساعد في إلقاء القبض عليه، شريطة ألا يكون هذا الشخص شريكًا في ارتكاب هذا الجُرم".
وقننت هذه المادة حصول المخبرين على مكافأة مالية مقابل الكشف عن هوية المجرمين أو المساعدة في إلقاء القبض عليهم، ولم تكتف الدولة بهذا، فوسعت دائرة عمل هؤلاء المخبرين السريين خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وحولتها إلى وظيفة يرتزق منها البعض.

 



جواسيس في كل مكان

الصحافية التركية نورجان بايسال قالت في مقال بصحيفة "أحوال" إن "المشكلة لا تكمن في وجود أشخاص يقومون بهذا الدور فحسب، ولكن ما يدعو للسخرية في هذا الموضوع هو وجود وكلاء نيابة في تركيا ينساقون وراء ادعاءات لا تستند إلى أدلة قاطعة، ويفتحون تحقيقاً بناء على هوى في أنفسهم". نورجان كانت ضحية أحد هؤلاء الوشاة إذ تقول :"أحد المرشدين أو المخبرين وشي بي بعد مقالة كتبتها عن الوضع في بلدة جيزرا بتركيا، ما تسبب في محاكمتي لمدة عامين، وصدور حكم ضدي بالحبس 10 أشهر مع وقف التنفيذ، بعد أن ادعى كل منهما في شكواه ضدي أنني تعمدت المجاهرة في إهانة الأمة التركية والجمهورية التركية ومجلس النواب التركي".
وتابعت في مقالها "المخبر السري يتنقل، حسب قول الحكومة نفسها، بين الأغصان، والأمر لا يستغرق وقتاً طويلاً حتى يبدأ عمله، فهو يتولى مهامه على الفور، وبمجرد نقله خبر إخوانه إلى السلطات، الواقع أن الحكومة الحالية لم تكتف بأن يكون المرشد الخاص بها من صفوف المواطنين العاديين فحسب، بل وسعت الدائرة لتشمل المختارين من التجار وعمد القرى".
وأوضحت الصحافية التركية أن دائرة عمل المخبرين امتدت إلى المدن التي يقطنها الأكراد، وأنه من بين الموضوعات التي يجري تداولها حاليا بين سكان هذه المناطق أن الدولة تعين أعدادا كبيرة من الشباب للتجسس عليهم داخل المؤسسات ومنظمات المجتمع المدني الكردية.
نورجان تضيف واقعة أخرى "تقدم أحد الأكاديميين في جامعة دجلة بشكوى في حقي إلى النيابة العامة؛ بسبب إحدى مقالاتي التي اتهمني فيها بدعم الإرهاب، على أية حال، كنت سعيدة الحظ هذه المرة بعد أن أنصفني أحد وكلاء النيابة المعتدلين، وأطلق سراحي بعد رفض ادعاءات هذا الأكاديمي، الذي لم يرق له هذا الأمر، فتقدم بشكوى أخرى ضدي".

Qatalah