يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في أول تعليق له على حسابه في "تويتر"، عقب الإفراج عن القس الأميركي أندرو برانسون، غرد الرئيس التركي بكلمات يملؤها الخزي، في محاولة لحفظ ماء الوجه، قائلا :"المحاكم التركية تصدر دائما قراراتها دون أي تدخل، وأتمنى أن يستمر التعاون بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية بالشكل الذي يليق بالدولتين، وأن نواجه سويا المنظمات الإرهابية وعلى رأسها حزب العمال الكردستاني والوحدات الكردية ومنظمة داعش ومنظمة غولن الإرهابية".   
فجر قرار إطلاق سراح برانسون أول أمس الجمعة، بعد مسرحية هزلية في محكمة إزمير، جرى خلالها توجيه الشهود لتكذيب أنفسهم وتغيير أقوالهم لمصلحة القس الأميركي المتهم بالتجسس والإرهاب، موجة من ردود الفعل الصاخبة التي وصلت إلى حد التطاول على شخص الرئيس التركي على مواقع التواصل الاجتماعي واتهامه بالتبعية لأميركا وجعل الشعب التركي عبيدا لدى واشنطن. 
ورغم التنازل التركي وتغريدة إردوغان إلا أنه لم ينل مكافأته رغم مرور 48 ساعة على الفضيحة، من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي اكتفى هو الآخر بالتغريد على حسابه على تويتر أيضا قائلا :"إطلاق سراح برانسون خطوة على طريق إعادة العلاقات مع تركيا". 

عشم إبليس
واعتبر مراقبون تغريدة إردوغان من باب "عشم إبليس"، إذ يوهم نفسه - ومن حوله - بأن الرئيس الأميركي قد يسلمه عدوه اللدود  فتح الله غولن في صفقة تبادل متأخرة، بعد شعوره بالرضا عما صنع في قضية برانسون، التي شهدت تدخلا سافرا من الرئيس التركي في أحكام القضاء بل وبلعاً لكل التصريحات عالية الصوت التي كان يطلقها حول سيادة بلاده، ورفضه الإفراج عن القس تحت أي ظرف وأية ضغوط..
ونظرت المعارضة التركية إلى قرار الإفراج عن القس على أنه رضوخ من قبل إردوغان للضغوط الاقتصادية التي فرضتها واشنطن على أنقرة، وسخرت من تهديد رئيسهم ووعيده، وأسفت للقضاء التركي الذي يتم تسيسه على حسب مزاج الطاغية المتلون.


 

وفسر المراقبون ما جاء في تغريدة إردوغان من ذكر لخصمه فتح الله غولن، على أنه محاولة للخروج بأي مكسب وتحويل الفضيحة إلى صفقة، خاصة أنه سبق وصرح في سبتمبر الماضى: "يقولون أعطونا برانسون، لكن أنتم عندكم رجل دين أيضا، سلموه لنا"، الأمر الذي رفضته أميركا وهددت بفرض المزيد من العقوبات على أنقرة.
ووصف مراقبون حينها مطالب إردوغان بالمستحيلة، فلا يمكن أن تتورط واشنطن مع أنقرة في صفقة مشبوهة يحصل خلالها الأتراك على رأس غولن المقيم في ولاية بنسلفانيا الأميركية، خاصة بعد تأكيد مسؤولين أميركيين عدم اقتناعهم بالأدلة التي ساقتها تركيا لإدانة غولن بتهمة تدبير مسرحية انقلاب 2016، معربين عن قلقهم من سياسات إردوغان تجاه معارضيه.
وخلال حديث لـ "فرانس 24" قال غولن: لا أعتقد أن الرئيس ترامب سيجازف بتشويه سمعة الولايات المتحدة في العالم، والانصياع لمطالب إردوغان غير المنطقية، داعيا إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية في القضية، وإذا ثبت تورطه من قريب أو بعيد سيغادر واشنطن على الفور. 


الورقة الثانية التي ألقى بها إردوغان في تغريدته هي حزب العمال الكردستاني والأكراد، حيث يخشى الرئيس التركي من أن يكون هؤلاء ورقة الضغط التالية في يد واشنطن، خاصة في ظل الحرب التي تشنها القوات التركية على الأكراد حاليا، فضلا عن أنهم أبرز حليف لترامب في سورية على الأرض، فيما يسمى وحدات حماية الشعب، وقال الرئيس الأميركي في وقت سابق إن "الشعب الكردي عظيم، والكرُد مقاتلون أشداء في الحرب، وهم حلفاء أذكياء لنا في العديد من القضايا المهمة".
يذكر أن الأكراد هم عدو إردوغان الأكبر الذي يثير ذعر النظام التركي، ويعتبر الأميركان أن قوات البيشمركة الأكراد هم الأقدر على محاربة تنظيم داعش الإرهابي ومواجهة الأطماع التركية أيضا في سورية، وعلى الرغم من المطالبات التركية لواشنطن بوقف دعم وحدات الشعب الكردية، وافق ترامب في مايو 2017 على تقديم وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" المزيد من إمدادات السلاح لهم.
كانت محكمة إزمير أخلت الجمعة الماضي سبيل القس الأميركي بعد أن أسقطت عنه تهمة الجاسوسية ودعم الإرهاب، إثر تغيير شهود الإثبات لأقوالهم وفق اتفاقهم مع إردوغان لتتحول قاعة المحكمة إلى بلاتوه تقام عليه تمثيلية معدة سلفا.

اقرأ أيضاً

Qatalah