يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يجيد الرئيس التركي رجب إردوغان صناعة الأعداء، سياساته المدمرة تنتزع منه الأصدقاء واحدا تلو الآخر، تبعده عن محيطه الأوروبي وتزيد الشقاق بينه وبين الولايات المتحدة التي أغرقته في دوامات اقتصادية جعلته يدور حول نفسه باحثا عن قشة يتعلق بها تسمح له بالتقاط أنفاسه.
وجد الدب الروسي في الظروف الصعبة التي تحيط بإردوغان فرصة لتحقيق حلمه القديم ببسط يده على المياه الدافئة التركية، فقرر أن ينقذ أنقرة من عثرتها الاقتصادية مقابل ثمن باهظ من كرامة تركيا وسيادتها: إنشاء قاعدة عسكرية روسية على الأراضي التركية.
حتى وقت قريب كان الطرح الروسي سيقابل بالسخرية من تركيا، لكن في ظل الحالة الاقتصادية المتردية التي تعيشها أنقرة حاليا، فإن عرض موسكو بمثابة تنفس صناعي للدولة التي تعاني من الاختناق على كل المستويات.
لم يخطر ببال روسيا أن إردوغان هو "بابا نويل" الذي سيحقق لها الأمنية القديمة التي قاتل بطرس الأكبر عام 1725 من أجل الوصول إليها وفشل، بينما الطريق بات ممهدا في ظل حاكم عثماني لا يتحرج من تقديم أي تنازل في مقابل أن يظل على رأس السلطة.


 
الاحتماء بالدب الروسي من الكاوبوي

في ديسمبر 2017 نشر موقع بلومبرج، النسخة التركية، خبرا تحت عنوان "هل يمكن أن تطلب روسيا من تركيا تأسيس قاعدة عسكرية؟" كشف من خلاله توقيع اتفاقية تعاون عسكري تقني بين موسكو وأنقرة يتيح لموسكو أن تطلب من تركيا إنشاء قاعدة عسكرية على أراضيها وفق تصريح لرئيس شركة روستك الروسية للدفاع سيرجي تشامازوف.
وجاء الطلب الروسي سريعا قبل إرسالها منظومة الصواريخ إس 400 إلى تركيا، ما أكده رئيس الحزب الليبرالي الديموقراطي الروسي فلاديمير جيرينوفسكي، في سبتمبر 2018، قائلا إن إردوغان وافق على تأسيس القاعدة الروسية على أراضيه، مشيرا إلى أن أنقرة تريد أن تكون مع موسكو، بعد إجهاض حلمها بالانضمام للاتحاد الأوروبي.
الكاتب التركي علي آغ جاكولو قال إنه في حال تأسيس قاعدة عسكرية روسية في البلاد بجانب قاعدة عسكرية أميركية، فإن تركيا ستصبح الدولة الثانية في المنطقة، التي تحتضن مثل هذه الحالة الفريدة بعد سورية. وتعجب جاكولو من عدم احتفاظ روسيا برموز تشغيل "إس-400" وعدم منحها لتركيا، ما يعني أن تلك الأنظمة ستكون تحت السيطرة الروسية، الأمر الذي يفجر تساؤلات حول استهداف هذه الصواريخ - على سبيل المثال - للطائرات الحربية الأميركية التي تقلع من قاعدة إنجرليك الأميركية في أضنة التركية.
يفسر محللون شراء أنقرة  لمنظومة إس 400 الصاروخية بأنه محاولة من تركيا لإجبار الولايات المتحدة على التراجع خطوة إلى الخلف وفك الحصار الاقتصادي الذي تفرضه عليها، خاصة بعد أن وعد الكرملين أنقرة بتوفير آلية لبناء ونقل تكنولوجيا منظومة إس - 400، وهو ما حفز أنقرة على أن تكون أكثر تصميما على شراء المنظومة الصاروخية.
يتزامن التطور في العلاقات بين تركيا وروسيا مع التوتر بين واشنطن وأنقرة التي تواجه عملتها منعطفا صعبا بعد فقدها الكثير من قيمتها أمام العملات الأخرى، مما تسبب في انهيار اقتصادي غير مسبوق داخل البلاد.
على مدار تاريخها الطويل ظلت روسيا تبحث عن موطئ قدم لها على البحر المتوسط، نظرا إلى أنها دولة قارية تعاني بين البحار المغلقة والمياه المتجمدة، فضلا عن أن موانئها مطلة على المحيط المتجمد الشمالي ما يجعلها معطلة تقريبا، وبالتالي فإنها متعطشة للبحار المفتوحة في الجنوب الشرقي والجنوب الغربي، لتنتصر على الوضع "الجيوبوليتيكي" الذي فرضته الطبيعة عليها، ما دفع روسيا لمحاولة الاستفادة من الموقع الجغرافي لأنقرة لتصبح ممرا لموسكو إلى المياه الدافئة، وطريقا بريا لصادراتها - لا سيما من الغاز الطبيعي - نحو دول الشرق الأوسط وأوروبا على وجه الخصوص حيث تعتمد في مرور تجارتها الخارجية على مضيقي البوسفور والدردنيل التركيين.



مكايدة للغرب ليس إلا

تدرك روسيا ما يمثله البوسفور والدردنيل من أهمية بالنسبة للولايات المتحدة، فاستغلت العلاقة المتدهورة بين واشنطن وأنقرة لمكايدة الغرب، وإضعاف حلف شمال الأطلسي بإدخال أسلحة متطورة إلى منظومة الجيش التركي، إضافةللاتفاق حول إقامة قاعدة عسكرية لها في تركيا، ما قد يؤدي في نهاية الأمر إلى إغلاق القاعدة العسكرية الأميركية "إنجرليك"
إلى الأسوأ تتجه الأوضاع بين أنقرة والناتو، فقد أثار التودد الروسي لإردوغان قلقا على ضفتي الأطلنطي بعد تسرب معلومات تتعلق بموعد تسليم روسيا منظومة "إس-400" الدفاعية إلى تركيا حرصا على توفير الأمن للمجال الجوي الذي يشمل شبه جزيرة القرم والبحر الأسود وسورية، ويفترض أن يستوجب نشر وسائط الدفاع الجوي الروسية في أراضي تركيا حضور العسكريين الروس، ما يشير إلى احتمالية إقامة قاعدة عسكرية روسية في أنقرة، على الرغم من استحالة حدوث ذلك نظريا لأن روسيا ليست عضوا في حلف شمال الأطلسي وبالتالي غير مسموح لها بذلك، أما عمليا فإن مجرد الترويج لإقامة القاعدة الروسية في تركيا ورقة ضغط من إردوغان على الولايات المتحدة الأميركية.
يرجع القلق الأميركي الأوروبي من بيع المنظومة الدفاعية الروسية لتركيا إلى اكتساب روسيا معلومات عن مقاتلات إف-35، التي تنتجها شركة لوكهيد مارتن، في وقت بدأت فيه هذه الطائرة تنتشر في أوروبا، حيث تعد "إف-35" أحدث وأغلى طائرة حربية صنعتها الولايات المتحدة في العالم.
يعرف إردغان أن الاستغناء عن أميركا انتحار سياسي، ما أجبره على أن يمسك العصا من المنتصف وظهر ذلك خلال تصريحاته في الفترة الماضية حول أهمية احتفاظ بلاده بالتحالف مع واشنطن إلى جانب الشراكة مع روسيا، مؤكدا أن العلاقات مع موسكو ليست بديلة عن الغرب، وعدم وجود نية لفض تحالفها مع الولايات المتحدة، حتى مع التوسع في العلاقة مع دول مثل : "الصين، وإيران" تعتبر ألد أعداء أميركا، واعترف بأن مسار التنسيق مع روسيا تكتيكي مؤقت، ولا يشكل استراتيجية دائمة.
أما العلاقات الاقتصادية والاتفاقيات التجارية والتعاون الاستخباري وملف اللاجئين، فكلها عوامل تؤكد أن أنقرة لا يمكن لها التخلي عن واشنطن والناتو، فضلا عن سعي تركيا لعدم خسارة علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، أملا في الالتحاق بعضويته في المستقبل القريب.

Qatalah