يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


ذات متضخمة، نرجسية، تشعر بأنها تدير العالم، أو قادرة على ذلك، وتعويضا عن فشل الشباب ومرارة الفقر في الصغر، تحول صاحبها إلى طاغية.. إنها ملامح نفسية ثابتة لدى كل مختلي العقول، بؤساء الحال، أصحاب النهايات الكارثية في المستقبل، هكذا أحب رجب إردوغان واختار - طواعية- أن يقدس نفسه، وإن قادها إلى المصير المشؤوم الذي انتظر كل الطغاة.

بات انتقاد رجب إردوغان في تركيا جريمة ،يعاقب كل من يتجرأ عليها بالحبس مدة لا تقل عن عام وتصل إلى 4 سنوات كاملة بتهمة "إهانة الرئيس"، ما حول أصحاب الرأي ورواد التواصل الاجتماعي إلى ضيوف دائمين على المحاكم، إلى جانب المعارضين من كل طائفة، ممن تكتظ بهم السجون حاليا.
ومع توليه رئاسة الجمهورية للمرة الأولى في 2014، لاحق زبانية إردوغان  12 ألفا و300 ما بين صحافي ورسام وفنان، وقادوهم إلى المحاكم بتهمة العيب في الرئيس، بينما دانت المحاكم  2099 في 5150 دعوى قضائية، إضافة إلى 660 قضية أخرى لا تزال متداولة بعد أحكام غير نهائية، ولم يحصل سوى 873 على البراءة حسب تقرير لوزارة العدل في تركيا، أما في العام 2017 فقد وصل عدد القضايا فيه إلى  6 آلاف و33 قضية نفذت الأحكام فيها على 2099 شخصا.

أتاحت المادة 229 من قانون العقوبات الذي جرى سنه العام 1926 إخراس جميع الأصوات التي تتبنى وجهة نظر مختلفة أو مخالفة لما يراه الرئيس وحزبه، ما أعاد ذاكرة الأتراك إلى العام 1881 حين جرمت الدولة العثمانية المساس بالذات السلطانية بأية ذريعة.

"الدستورية" تناقض نفسها
لجأت محكمة في إسطنبول عام 2016 إلى المحكمة الدستورية للفصل في مدى قانونية المادة 299، خاصة أن تهمة إهانة الرئيس يتم التعامل معها بشكل مختلف عن إهانة غيره من الموظفين العموميين بتطبيق عقوبات أشد، بعد تحول البلاد إلى النظام الرئاسي بموجب المادتين 101 و102 من الدستور المعدل باستفتاء 2017، ما منح إردوغان دون شك نفوذا غير مسبوق.
ذكرت المحكمة أن  مبدأ سيادة القانون لا يعني تخصيص فئة معينة من الجرائم لأي منصب سياسي، على اعتبار أن القوانين التي توفر مظلة حماية لرؤساء الدول مخالفة للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

وسط اتهامات بتسييس القضاء التركي، أقرت "الدستورية" عقوبات خاصة لإهانة رئيس الجمهورية، مبررة حكمها بأن المساواة أمام القانون لا تعني تطبيق نفس المعايير في مختلف المواقف، مؤكدة أن الرئيس هو رأس الدولة ويمثل الأمة والجمهورية التركية، زاعمة أنها لا ترتكب فقط بحق شخص، بل بحق القيم والمهام التي يتولاها، وقالت المحكمة إن العقوبة المنصوص عليها متناسبة مع ميزة الحماية القانونية.

تعارض قرار "الدستورية" مع الأحكام الصادرة عن "الأوروبية لحقوق الإنسان"، والتي ترى أنه لا يجب توفير ميزة قضائية لأي شخص أيا كان منصبه، وإذا زعم أي رئيس أنه تعرض لإهانة بوسعه اللجوء للقواعد القانونية المطبقة على الجميع.
بالاستناد إلى القاعدة القانونية التي أرستها المحكمة الدستورية عام 2013، والتي تنص على أنه في حالة حدوث تعارض بين القانون وأية معاهدة توفر الحماية لحقوق الإنسان، فإن الأولوية تكون لتطبيق المعاهدة، فمن حق المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن تعترض على نص المادة 299.
وطالب مجلس أوروبا بإلغاء المادة 299 من قانون العقوبات التركي بوصفها تخالف الأعراف الأوروبية، ونصح المسؤولين في أنقرة بالانضمام إلى غيرهم من المواطنين في الالتزام بالقوانين.

إيماءات زوهال المسيئة
واجه رئيس تحرير صحيفة أفرنسال فاتح بولاط، تهمة إهانة الرئيس بسبب مقال له بعنوان "ماذا يقول أنصار إردوغان بشأن الادعاءات المتعلقة بأسرته؟"، نشر في 27 مايو من العام الماضي تطرق فيه إلى الشراكة المشبوهة التي تربط أسرة إردوغان برجل الأعمال الأذربيجاني مبارز مانسيموف في تسيير ناقلة نفط بمليون دولار، بينما استند بولاط في مقاله على وثائق بنما التي كشفت التفاصيل من خلال تقرير للصحافي البريطاني كريج شاو.

في مارس الماضي، قضت محكمة بحبس الممثلة والمغنية زوهال أولجاي 4 أعوام بالتهمة ذاتها، ثم خففت إلى 10 أشهر، وفقا لصحيفة سوزجو التي قالت إن مديرية أمن قاضي كوي قدمت تسجيلات مصورة إلى النيابة العامة في الأناضول، غيرت فيها المطربة كلمات أغنية" لا أبالي للدنيا"، لتضيف إليها اسم الرئيس وهي تقول: "كلام هراء، كله كذب، في يوم ما ستنتهي الحياة، وستقول لقد رأيت هذا في المنام"، مع إيماءات بيدها.


لم يستطع فنان الكاريكاتير نوري كورت جبي، الهروب من المقصلة، إذ أصدر القضاء التركي في 24 يونيو الماضي حكما بحبسه لمدة عام وشهرين بتهمة نشر رسوم مسيئة للرئيس في 2015، في حين تعجب محاميه من قرار المحكمة قائلا :إن الشخصيات السياسية معرضة للنقد في رسومات الفنانين، وهذه حقيقة معترف بها في جميع دول العالم.

وفي الأناضول، استدعت النيابة الصحافي فاتح برتقال للتحقيق معه بِشأن تغريدة نشرها في 19 يناير الماضي، انتقد فيها منع عرض مسرحية باريش تاي بعنوان "ديكتاتور وحسب"، ثم قدمته للمحاكمة. 


ديكتاتور وحسب
أما الكاتب الصحافي حسني محلي فقد تلقى حكما بالسجن لمدة عامين و5 أشهر، في الثامن من نوفمبر الجاري، بعد إدانته بالتهمة الملعونة، وقال محاميه إن الحكم بسبب التعبيرات التي استخدمها في أعمدته وتغريداته، والتي كان على المحكمة أن تعتبرها في نطاق حرية التعبير، بينما قال محلي مدافعا عن نفسه إنه لم يهن الرئيس وأن نعته لإردوغان بكلمة "ديكتاتور" ليست مهينة.
ودأب محلي، عبر عدد من البرامج التلفزيونية ومقالاته بالصحف وتغريداته على موقع التدوينات القصيرة تويتر توجيه اتهام صريح للمسؤولين الأتراك بدعم التنظيمات الإرهابية في سورية، فيما قال محامي إردوغان إن الدعوى لا تزال مرفوعة ضد الصحافي، مطالبا بتوقيع عقوبة قاسية على المتهم، ما جعل المحكمة ترسل ملف القضية إلى المحكمة الجنائية الثانية في إسطنبول.

تفوق إردوغان في القمع مكنه من الانفراد بالمركز الأول من بين قائمة زعماء العالم الذين لا يتحملون النقد، حيث منحته لجنة حماية الصحافيين في نيويورك جائزتين في انتهاك حرية الصحافة نتيجة استهدافه المستمر للصحف والمواقع الإخبارية فضلا عن رواد مواقع التواصل الاجتماعي بالتهمة المشؤومة.

Qatalah