يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


7 يونيو 2019 إردوغان يقف بين تركيا والاتحاد الأوروبي

ما زالت تركيا تثير حيرة المتابعين كل يوم بتصرفاتها الشاذة. فعلى سبيل المثال، عندما بدا أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قد أجرى اتصالاً هاتفياً طويلاً مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في التاسع والعشرين من مايو، لم يتفاجأ الكثيرون – إن كان أحد قد تفاجأ أصلاً – من "مصادفة" إطلاق سراح سركان غولغي قبل المكالمة بساعات.

وغولغي عالم فضاء أميركي من أصول تركية يعمل لدى الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا)، وقد ظل محبوساً لعامين في سجن تركي.

ويبدو أنه قد تمت الاستعانة بقوة بما يصفه منتقدو إردوغان بأنه "سياسات عدائية"، وهي نمط يبدو أن الرئيس التركي يحرص على اللجوء إليه لفرض إرادته على الساحة الدولية. وفي سياق العلاقات التركية المتازمة مع الولايات المتحدة، يحرص إردوغان على أن يُظهر سلوكاً خاطئاً يقوم على أساس الاعتقاد بأن ترامب مثله، وأنه – دون غيره – سيكون الشخص الوحيد الذي "يُصلح" كل الدمار الذي جعل الحليفين يصلان إلى مسار التصادم الكامل. وبالتأكيد فإن هذه أضغاث أحلام تتجاوز حقيقة أن الكونغرس الأميركي بأكمله متحد ضد سياسات إردوغان.

بعد ذلك بأيام، بدا ظهور آخر لإردوغان مثيراً للدهشة أيضاً، وكان هذه المرة في سياق علاقات تركيا المتضررة مع الاتحاد الأوروبي.

وبعد يوم واحد فقط من إعلان المفوضية الأوروبية تقريرها المرحلي الدوري (المعرف على نطاق واسع بتقرير التوسيع)، بدا إردوغان مُنهكاً ويتمتم على غير المعتاد بينما كان يقف على منصة في قصره المنيف ليعلن حزمة الإصلاحات القضائية التي طال انتظارها. وطرح إردوغان تفاصيل الحزمة في تسع نقاط بحث؛ وفي النهاية، تُرِك الحضور وقد تولّد لديهم إحساسٌ يدفعهم للتساؤل فيما بينهم "لماذا كل هذه الطنطنة؟"

وكان كل ما تحدث عنه سلسلة من التغييرات التجميلية والهيكلية في العملية القضائية، وإجراءات تعيين جديدة لوكلاء النيابة والقضاة، وإصدار جوازات سفر "خضراء" مجاناً لمحامي الدفاع (فيما يبدو أنه جَزَرَة لهم) والقليل جداً من الكلمات حول عمليات احتجاز مطولة قبل التقديم إلى المحاكمات. ولم يكن هناك شيء حول الحريات والحقوق، ولا شيء أيضاً عن إصدار عفو عن السجناء الذين يوجد بينهم الكثير من السجناء السياسيين.

وبالضرورة فإن الخطاب كان مخيّباً لآمال جميع الآملين في تركيا داخل الاتحاد الأوروبي وفي أماكن أخرى حول العالم. كان واضحاً أن إعلان إردوغان عن الحزمة كان يهدف إلى الرد على تقرير الاتحاد الأوروبي حول تركيا. وكان الكثيرون يأملون في أن يهدئ بروكسل، أو حتى يفتح باب الأمل في أن يخفف موقفه المتشدد المعروف في مواجهة المعارضة في الداخل، ولكن دون جدوى.

لم يفعل إردوغان شيئاً سوى أنه أكّد الاعتقاد بأن مفاوضات انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي محكوم عليها بالفشل، وربما للأبد. وأشار التقرير في جميع جوانبه إلى تراجع، لا تقدم، في أي شق.

وذكر التقرير أن "تركيا شهدت تراجعاً في سيادة القانون والقضاء، والحقوق الأساسية، والمؤسسات الاقتصادية، وإجراءات مكافحة الفساد، وحرية الإعلام، ومجالات أخرى".

أضاف أن "مفاوضات انضمام تركيا وصلت بالفعل إلى طريق مسدود".

ولم يوص التقرير بمزيد من فصول مفاوضات الانضمام، أو مزيد من العمل نحو تحديث الاتحاد الجمركي. وأُعلنت تركيا بلداً مرشحاً لعضوية الاتحاد الأوروبي في عام 1999. وبعد مرور 20 عاماً، ما زال ترشحها للعضوية في غرفة الإنعاش.

وقالت كاتي بيري مقررة تركيا في البرلمان الأوروبي "لا معنى للاستمرار في المباحثات مع هذه الحكومة،" وذلك في ردها على التقرير.

لقد فشل إردوغان إلى حد كبير في تحقيق ما يلزم تحقيقه لإبقاء الباب مفتوحاً مع الاتحاد الأوروبي. وتجسد هذا في عدم احترامه لحقوق الإنسان أو مبالاته بها.

وأشار تقرير الاتحاد الأوروبي إلى تدهور شامل في المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان والمؤسسات الاقتصادية واقتصاد السوق.

وورد في التقرير أن "أكثر من 150 ألف شخص سُجنوا خلال فرض حالة الطوارئ في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في عام 2016. ومن بين 78 ألف شخص اعتُقلوا بتهم تتعلق بالإرهاب، ما زال 50 ألفاً يقبعون في السجن. وبحلول ديسمبر 2018، بلغ إجمالي عدد الأشخاص المعتقلين بدون توجيه اتهام لهم، أو على ذمة قضايا، 57 ألفاً. وأكثر من 20 في المئة من إجمالي عدد المسجونين محبوسون بتهم "تتعلق بالإرهاب." ومن بين هؤلاء صحفيون ونشطاء سياسيون ومحامون ومدافعون عن حقوق الإنسان، ويرقى هؤلاء بسهولة إلى درجة المسجونين السياسيين. وما زالت الاتهامات بالتعذيب وإساءة المعاملة مصدر قلق بالغ، بينما تشير التقارير إلى أن معالجة الشكاوى غير فعالة.

"بحلول يناير 2019، كان ألف و546 محامياً قد خضعوا للمحاكمة، ومن بينهم 274 أُدينوا بالانتماء إلى عضوية منظمة إرهابية. وهناك نحو 500 محام رهن الاعتقال بانتظار المحاكمة. وتشير التقارير إلى حجب ما يقدر بنحو 170 ألف موقع على الإنترنت. وما زالت الشفافية في شأن تمويل الإعلام غائبة، وتنامي نفوذ المصالح السياسية على السياسات التحريرية، وتركُز ملكية وسائل الإعلام، وانكماش مساحة التعددية، والقيود على حرية التعبير "مصدر قلق". وبحلول نوفمبر 2018، بلغ عدد الشركات التي تم الاستيلاء عليها أو تم تعيين أمناء عليها ألفاً وثماني شركات في أنحاء تركيا، بقيمة أصول إجمالية تصل إلى 9.8 مليار دولار.

"أثرت السلطات التركية سلباً على الحركة الوظيفية للسوق، خاصة من خلال التدخل في تحديد الأسعار ووضع قيود على حرية استخدام العملات الأجنبية. المخاوف المتعلقة باستقلال المؤسسات الاقتصادية الرئيسية زادت".

هكذا وهكذا دواليك.

يشير كل هذا إلى فجوة ضخمة بين أنقرة والاتحاد الأوروبي. ومعنى هذه الفجوة أنه، ما لم تتراجع تركيا وتعُد إلى النظام البرلماني والسيادة القانونية المستقلة، فإنها ستظل تنحرف بعيداً عن مسار الاتحاد الأوروبي. بمعنى آخر فإن إردوغان ودوائر سلطته هم من يقفون بين تركيا والاتحاد.

وما يتبقى بعد ذلك سيكون – في أحسن الأحوال – اتجاهاً جديداً فيه أفق لتركيا "كشريك يحظى بميزة" اقتصادية، وليس غير ذلك.

وسيكون أي حديث بعد ذلك عن أي منظور لإبقاء تركيا في عضوية الاتحاد الأوروبي من الآن فصاعداً كلاماً فارغاً وتزلفاً لا معنى له. وليعلم الجميع أن الأمر قد انتهى.

نقلًا عن موقع "أحوال تركية"

 

 

Qatalah