يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


حياة الأتراك بلا ثمن، المسؤولون في العدالة والتنمية يمنحون تراخيص بناء مخالفة للقانون للمقربين منهم، وحين تحدث الكارثة، ويفقد المواطنون حياتهم، لا يتم تقديمهم إلى المحاكمة، ونكاية في أهالي الضحايا يرشحهم الحزب الحاكم على مقاعد رؤساء البلديات ليستفيد مستقبلا من خبرتهم في الفساد والقتل. 

أصابع الاتهام تشير إلى فساد رجال حكومة إردوغان وتسببهم في كارثة مقتل 21 شخصًا وإصابة  14 في انهيار العقار الكائن بمقاطعة كارتال في إسطنبول، فيما ترفض الحكومة الاعتراف بالكارثة وتعتبرها مجرد خطأ ناتج عن "البناء المخالف". 

إردوغان حاول التهرب من مسؤوليته عن انهيار المبنى الواقع في الجانب الآسيوي من المدينة المكتظة بالسكان ويبلغ عدد قاطنيها نحو 15 مليون تركي، وسعى لإسكات غضب أهالي الضحايا، زار موقع العقار أمس السبت بعد 4 أيام من الانهيار، برفقة وزير الداخلية سليمان صويلو، وتفقد الجرحى في المستشفى، متغافلًا عن تورط القيادي بحزب العدالة والتنمية محمد سيكمين في الكارثة بإصداره تراخيص لبناء عقار بالمخالفة للقانون وقتما كان رئيسًا لبلدية كارتال في التسعينيات. 

متمسك بالخطأ
الرئيس التركي تمسك بإبقاء السكان في المنطقة، رغم حالات خطورة المباني المجاورة واحتمال تعرضها بالمثل للانهيار، قال خلال زيارته لموقع الحادث: "نواجه مشكلة الآن في هذه المنطقة، مع أعمال البناء المخالفة التي تهدف إلى ربح الأموال، لكن لن أقول بأننا أمام كارثة، فلا نزال نبحث الوضع الأمني بالمنطقة بأكملها.. وسأقولها بصراحة إن لم يكن من المناسب العيش هنا فلن نجعل الناس يعيشون، سنواصل التحول الحضري".

أضاف: "هناك دروس نحتاج أن نتعلمها"، رافضَا محاسبة المتسبب في انهيار المبنى، القيادي بحزبه محمد سيكمين رئيس مقاطعة كارتال في التسعينيات، الذي أصدر تراخيص البناء للعقار بالمخالفة للقوانين، ورشحه الحزب الحاكم لانتخابات البلديات في 31 مارس المقبل عن ولاية أرضروم. 

لا تزال أعمال البحث والإنقاذ مستمرة، فيما لا تنشغل الحكومة بالتخفيف عن معاناة الأهالي ولو بوعود تقديم الجناة للمحاكمة خاصة بعد ارتفاع عدد الضحايا إلى 21 شخصا، فضلا عن إصابة 14 شخصا آخرين. 

جريمة "التصالح" 
رئيس غرفة مخططي مدينة إسطنبول "عاكف بوراك أتلار" أكد لصحيفة "بيرجون" أن كارثة انهيار العقار ناتجة عن الإهمال قائلا :" المخاطر التي تتعرض لها إسطنبول بسبب المباني المخالفة معروفة، وعلى الرغم من مرور 20 عامًا على زلزال عام 1999، لاتزال الحكومة تشجع المباني المخالفة بإجراءات التصالح مع المخالفين".

في أغسطس عام 1999، وقع زلزال يدعى "مرمرة"، بلغت قوته 7.6 درجة، وراح ضحيته 17 ألف تركي، وخلف وراءه نصف مليون شخص بلا مأوى، فيما صنفت مدينة إزمير "منطقة منكوبة".

دون اعتبار لأرواح ملايين السكان تصدر حكومة إردوغان تراخيص في مواقع غير صالحة للبناء، وتعقد مصالحات مع من يقومون بزيادة عدد أدوار العقارات بطرق غير قانونية، وفق رئيس غرفة مخططي إسطنبول .

أضاف أتلار: "أرواح المجتمع وأمواله في خطر بسبب الحسابات السياسية. يجب التذكير بضرورة وجود توقيعات المهندسين في تصاريح البناء وهو ما لا يتم في كثير من الأحيان"، محذرا من عدم تراجع الحكومة عن التصالح مع المباني المخالفة، ما يؤدي إلى "كوارث جديدة"، وفق كلامه. 

آيلة للسقوط
بعد الحادث، حاول مسؤولو حكومة إردوغان تبرير الكارثة، شُكلت لجنة من وزير الداخلية، سليمان صويلو، ووزير البيئة والتخطيط العمراني، مراد قوروم لمتابعة حالات الإنقاذ. 

صويلو أعلن أن عدد الوفيات وصل إلى 18 شخصا، قبل أن يرتفع العدد إلى 21، فيما قال قوروم إنه تم إخلاء 10 مبان لأسباب تتعلق بالسلامة، كاشفًا أن العقارات تنهار لاستخدام رمال البحر في إنشائها، ما يجعلها هشة، وآيلة للسقوط، مشيرًا إلى أن الأوراق الرسمية ورد فيها أن مبنى مقاطعة كارتال مكون من 3 طوابق فقط، بينما بلغ عددها وقت الانهيار ثمانية. 

الفاسد سيكمين
القيادي في حزب العدالة والتنمية محمد سيكمين، الشهير بـ"رجل الفساد"، تولى رئاسة مقاطعة كارتال عن حزب الرفاه ( الذي انبثق منه لاحقا حزب إردوغان) عام 1989، ثم بلدية سامانديرا عام 1992، و عاد ليرأسها مرة أخرى في عام 1994، ثم في 1999، والتحق بحزب العدالة والتنمية وأصبح نائبًا في البرلمان في 2002. 

أُنتخب نائبًا في البرلمان للمرة الثانية في 2007 واشتهر بارتكاب جرائم الفساد خصوصًا في فتره عمله في لجنة الميزانية ثم لجنة الأشغال العامة والبيئية. 

برغم ملف الفساد المرافق له، لم يتخل عنه حزب العدالة والتنمية، واصل أدواره السياسية، وانتخب عام 2014 رئيسا لبلدية أرضروم ثم رشحه الحزب على مقعد البلدية نفسها في الانتخابات التي تقام بنهاية مارس المقبل. 

حياة بلا ثمن 
وفق البيانات الرسمية، فإن مبنى كارتال المنهار كان يقطنه 43 شخصا في 14 شقة، موزعة على 8 أدوار، بينما المرخص قانونا 3 منها فقط. 

وزير الداخلية سليمان صويلو قال إن جهود البحث توقفت في منتصف ليل الجمعة بسبب احتمالات انهيار مبان أخرى مجاورة، لافتا إلى أن فرق الإنقاذ تواصل المراقبة بأجهزة التتبع.

جرى إجلاء عدد من السكان بسبب مخاطر انهيار العديد من المباني في مقاطعة كارتال التي يصل عددها سكانها إلى نحو نصف مليون شخص، بينما يرتفع فيها سعر العقارات لتصل إلى أكثر من 3500 ليرة للمتر الواحد. 

حزب الدمار
حزب إردوغان اشتهر بمنح تراخيص بناء بالوساطة والمحسوبية، دون النظر إلى ما يسببه ذلك من خطر على أرواح المواطنين. 

في العام الماضي انهار مبنى من أربعة طوابق في إسطنبول لعدم تحمله "العواصف الرعدية"، وفي يناير 2017، لقي شخصان حتفهما بعد انهيار بناية في حي تسكنه الطبقة العاملة في المدينة.

صاحب المبنى المنهار في مقاطعة كارتال "حكمت يشيل يورت"، تربطه قرابة بمساعد رئيس بلدية كارتال الحالي حوسنو يشيل يورت، حسب السجلات الرسمية.

حكمت حصل على رخصة البناء في عام 1992، وعندما تولى محمد سيكمين عضو حزب الرفاه (الأب الروحي لحزب العدالة والتنمية) رئاسة البلدية، تقدم كثيرون بشكاوى ضد المباني المخالفة، إلا أن رئيس البلدية لم يحرك ساكنا.

Qatalah