يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بعلاقة طويلة ممتدة منذ عام 1947، حين مدت الولايات المتحدة يد العون إلى تركيا لتواجه أخطار الاتحاد السوفيتي في مضيق الدردنيل، عاشت أنقرة وواشنطن، تاريخًا من الوفاق الاستراتيجي، قبل أن تقترب أكثر من أوروبا بعد انضمامها إلى حلف "الناتو".

تلك السطور السابقة التي ينظر لها خبراء العلاقات الدولية كحقائق، يبدو أنها في سبيلها لتكون جزءًا من تاريخ مضى، بعدما أدار الرئيس التركي، رجب إردوغان، ظهره إلى الغرب، ليولي وجهه شطر موسكو وبكين، باحثًا عن حلفاء جدد.

التحول الكبير الذي تشهده تركيا في علاقاتها الدولية، وتكلفته الباهظة على الاقتصاد التركي الذي يعاني أزمة طاحنة، رصده المحلل الاقتصادي التركي شهريار شيخلار، وفق ما نشره موقع "مودرن دبلوماسي"، متوقعًا انتفاضة شعبية جارفة تزيح إردوغان وحزبه من الحكم.

شيخلار تنبأ بتعرض تركيا لمزيد من الانهيار الاقتصادي نتيجة توجهات إردوغان السياسية، بعد سنوات من الانتعاشة التي شهدها الاقتصاد التركي بفضل إصلاحات رئيس الوزراء التركي والرئيس السابق تورجوت أوزال (1927 - 1993م).

المحلل الاقتصادي رأى أن شهية تركيا في أن تصبح دولة أوروبية تتراجع، في حين يزداد ميلها نحو الشرق، فعلى الرغم من أن علاقات تركيا السياسية مع الدول الغربية اتسمت بطابع استراتيجي، بفضل التهديد الشيوعي الذي مثله الاتحاد السوفيتي لها ولليونان، غير أن هذا الوضع قد تبدل الآن تمامًا مع زحف أنقرة باتجاه موسكو.

التقارب مع الغرب
"مبدأ ترومان" الذي أعلنه الرئيس الأمريكي هاري ترومان سنة 1947، بدأ حقبة جديدة في العلاقات الأمريكية التركية، فقد ساهمت المساعدات العسكرية الأمريكية وقبول تركيا عضوًا في حلف شمال الأطلسي (ناتو) في تقريب الأتراك من المعسكر الغربي، ومثلت هذه المساعدات أساس الدعم العسكري والأمني ​​الذي لم يمتد إلى الإصلاحات السياسية والاقتصادية، وهو ما كان ضروريًا لقبول طلب تركيا بالانضمام إلى  الاتحاد الأوروبي.

قصة مبدأ ترومان، باختصار، تعود إلى مارس من عام 1947، حيث أعلنه الرئيس هاري ترومان، تحت ستار "صيانة السلام العالمي"، أمام الكونجرس الأمريكي، بعد موافقة الأخير على تقديم مساعدات عسكرية وشبه عسكرية إلى تركيا واليونان بما قيمته 400 مليون دولار أمريكي، نظرًا لما كانت تواجهه تركيا من ضغوط سوفيتية في ذلك الحين بسبب الملاحة في الدردنيل، ومعاناة اليونان من حرب أهلية كان الحزب الشيوعي اليوناني يلعب دورًا بارزًا فيها.

سياسة الاحتواء
مبدأ ترومان اقترن بسياسة الاحتواء التي مارستها واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية، بغرض وقف التغلغل الشيوعي في أوروبا، وتبعه مشروع مارشال 1947، وينظر خبراء العلاقات الدولية إلى حلف الأطلسي كتطبيق اقتصادي وعسكري أكثر شمولًا لـ"مبدأ ترومان".

بعد الحرب العالمية الثانية، تأزم الوضع السياسي في تركيا، وشهدت العديد من الانقلابات العسكرية، وتأثر اقتصادها الراكد في الغالب بسبب اتباع استراتيجية تقليص الواردات من الدول الأجنبية.

برنامج إصلاحي
استهدف البرنامج الإصلاحي بعيد المدى، الذي تبناه رئيس الوزراء التركي تورجوت أوزال، تحويل الاقتصاد التركي نحو النمو الذي تقوده الصادرات، في خطوة أولى بدأت تركيا بعدها طلب الانضمام للاتحاد الأوروبي ثم دخلت الاتحاد الجمركي للاتحاد الأوروبي في وقت لاحق، وبدأت التحسينات بسلاسة ولكنها لم تكن كافية بالقدر المطلوب.

في الوقت نفسه، أدت إصلاحات أوزال إلى تحسين الاقتصاد التركي خلال الفترة من 1987 إلى عام 2002، وارتفع حجم صادرات الدولة، حيث وصل إلى 36 مليار دولار كما زادت الواردات إلى 51.5 مليار دولار (حوالي 2.5 مرة عام 1991). 

خلال هذه المدة، أصبح أعضاء الاتحاد الأوروبي هم الشريك الاقتصادي الرئيسي لتركيا، وكان نصيبهم في الصادرات التركية أكثر من 56% كما بلغت واردات تركيا من الاتحاد الأوروبي أكثر من 50 بالمائة في عام 2002، وفي الوقت نفسه، زاد الاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا ووصل إلى 1,082 مليار دولار، أي حوالي ضعف بداية الفترة، وبلغت حصة أعضاء الاتحاد الأوروبي منها نحو 42.05 بالمائة بقيمة 455 مليون دولار. 

بفضل سياسات أوزال، شهد الاقتصاد التركي تحسينات بالفعل ولكنها كانت أضعف من أن تنقذ نظامه الحاكم، وأدت الأزمة الاقتصادية التي أعقبت الانهيار المالي عام 2001 إلى انتقال الحكم في البرلمان إلى حزب "العدالة والتنمية" حديث العهد آنذاك. 

فوائد ومكاسب 
في ذلك الوقت، تم كشف النقاب عن الليرة الجديدة، وبعض الإصلاحات المتعلقة بحرية التعبير، وحق استخدام اللغة الكردية، فضلا عن الحد من الدور السياسي للمؤسسة العسكرية، وحظر عقوبة الإعدام، وغيرها من الأمور التي كانت أنقرة تسعى من ورائها لتقديم مسوغات قبولها في الاتحاد الأوروبي.

على هذا الأساس، عززت أنقرة العلاقة الاقتصادية مع دول أوروبا بسرعة، وصارت تسعى جاهدة لتلبية كافة شروط الغرب، طمعًا في قبولها عضوًا في الاتحاد الأوروبي، الذي كان حريصا على ترك الباب مواربًا أمام أنقرة، فلا قبول، ولا رفض تام، واستمرت تركيا في التوجه يسارًا، وتغيرت أيديولوجية نظامها الحاكم تبعًا لمصالحه.

منذ مسرحية انقلاب 2016، بدا أن القيادة التركية تسعى للانقلاب على الجمهورية، وتستأثر بالحكم، وتتحكم في مؤسسات البلاد، وهو ما أثار قلقا أوروبيًّا، واجهته أنقرة بمزيد من العدائية، وكانت النتيجة انهيار قيمة الليرة بصورة سريعة (من 2.7 في عام 2016 إلى حوالي 7 مقابل دولار واحد في عام 2018) فضلا عن تباطؤ النمو الاقتصادي، الذي وصل إلى الركود.

شيخلار أضاف: على الرغم من المصالح التجارية المشتركة بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وفضلًا عن مشاركتها في حلف شمال الأطلسي، فإن علاقات أنقرة مع الغرب واجهت الكثير من الصعوبات. ورغم السياسات المؤقتة الخادعة التي اتبعها حزب "العدالة والتنمية" بعد عام 2002 ومحاولته إرساء إصلاحات سياسية واقتصادية، تتماشى مع القيم الغربية بما في ذلك حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، لكن كل هذه السياسات تقهقرت وتبدلت تمامًا.

سياسات قمعية
السلطات التركية لم تتردد في خوض حرب داخلية مع حزب "العمال الكردستاني"، فأقالت رؤساء البلديات المنتخبين في المحافظات الكردية، واعتقلت أعضاء حزب "الشعوب الديمقراطي" الكردي وأعضاءه في البرلمان التركي، واشتدت التوترات مع الدول الغربية بعد مسرحية الانقلاب المزعوم في عام 2016.

التحليل نفسه، أشار إلى حملات القمع غير المسبوقة التي شنتها حكومة إردوغان ضد من اتهمتهم بأنهم شاركوا في مسرحية الانقلاب بل وضد من وصفتهم بأنهم حلفاؤهم، فضلًا عن فرض إردوغان قانون الطوارئ الذي واجهته ألمانيا بفرض عقوبات اقتصادية على تركيا تضمنت قيودًا على ضمانات التصدير إلى تركيا.

أعمال القمع التركية شملت كذلك اعتقال بعض الصحفيين الهولنديين في تركيا ثم ترحيلهم، علاوة على إصدار حكم بالسجن ضد عالم سابق في وكالة ناسا الأمريكية لمدة 7 سنوات (ولكن أطلق سراحه بعد عامين)، كما جرى احتجاز القس الأمريكي، أندرو برونسون، الذي تسبب في عقوبات اقتصادية فرضها الرئيس الأمريكي ترامب على الصلب والألومنيوم التركي مما أثر على الليرة التركية بسرعة وجعلها تواجه انهيارًا تاريخيًا، مما أجبر إردوغان على إطلاق سراح برونسون.

تحدي الغرب
غير مدركة للعواقب، دخلت تركيا في ظل حكم رجب إردوغان، في صدام مع الغرب، فهددت بدخول منطقة شرق نهر الفرات ضد قوات وحدات حماية الشعب الكردية، وقوات سوريا الديمقراطية، حلفاء الولايات المتحدة في سورية، كما لم تتورع عن التدخل في ليبيا بتسليح الميليشيات الإرهابية هناك، مما يزعزع استقرار البلد العربي.

المحلل الاقتصادي التركي، أشار كذلك، إلى منظومة الدفاع الجوي الصاروخية "إس-400" مع روسيا، حيث استقبلت أنقرة هذه الصواريخ الاستراتيجية الخطيرة على الرغم من كل التحذيرات الأمريكية.

مساعي نظام إردوغان لاحتكار كل شيء، نال كذلك من الانتخابات المحلية فألغت السلطات، انتخابات بلدية إسطنبول، التي أجريت أواخر مارس الماضي، لمجرد فوز المرشح المعارض أكرم إمام أوغلو، في مواجهة مرشح إردوغان، بن علي يلدريم، وأعيدت الانتخابات في يونيو، لكن فاز بها أيضا المرشح المعارض.

لم تتوقف خروقات تركيا، في علاقاتها بالداخل والخارج، عند هذا الحد، والكلام ما يزال للمحلل الاقتصادي شهريار شيخلار، حيث أجبرت أنقرة، الولايات المتحدة في كثير من الأحيان على إنشاء "منطقة آمنة" في المنطقة الحدودية مع سورية، كما بدأت مؤخرا في التنقيب بصورة "غير قانونية" عن النفط والغاز في مياه المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص (كما يؤكد الاتحاد الأوروبي) وهو ما سوف يواجهه الاتحاد الأوروبي بشكل أكثر جدية على ما يبدو من جميع الحالات السابقة.

وفي الوقت الذي توسع فيه تركيا علاقاتها مع روسيا والصين بسرعة، فقد تخلت عن القيم الغربية وزادت من فرص تحدياتها مع الدول الغربية بنفس المعدل. حيث إن تحول تركيا إلى الشرق ليس سياسياً فحسب، بل إنه تطور أيضاً إلى الأنظمة الحاكمة والاقتصادية كذلك.

انتفاضة شعبية
الحكومة التركية رفضت النتائج الديمقراطية للانتخابات، وأقالت رؤساء البلديات وألغت نتيجة الانتخابات بصورة تعسفية غير شرعية (كما حدث في المحافظات الكردية وإسطنبول)، كما حاولت التأثير على البنك المركزي من خلال إقالة محافظ البنك وتعيين آخر مكانه لتغيير سعر الفائدة بما يرضي إردوغان لا كما يقتضيه سعر صرف الليرة التركية. 

شهريار اختتم تحليله، بالقول: "الاقتصاد التركي سيكون هو الضحية الأولى لتحول إردوغان نحو الشرق، ليس فقط لأنه تم تأسيسه وتطويره بفضل علاقات تركيا بالغرب، ولكن أيضًا بسبب تأثير القرار الشرقي الذي يمكن أن يدمره في غضون سنوات فقط، وهو ما سيقود تركيا إلى انتفاضة شعبية ضد إردوغان (..) الآن الأمر متروك لاستراتيجية حزب العدالة والتنمية، فيما يتعلق بالعلاقات الخارجية والسياسات الداخلية، هذا في حال بقي الحزب متحدا ولم يتعرض لانقسامات بين بعض الزعماء الأقوياء".

 

Qatalah