يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


ساديون .. لا يرتكبون الجرائم من أجل المصلحة فقط، بل أيضًا حبًا في الجريمة.. هكذا يتلذذ رجال رجب إردوغان في الاستخبارات التركية بإذلال معارضيهم، حتى وصلت بهم الأمور إلى تعذيب المتهمين على أنغام مطرب عنصري يتغنى بقتل الأرمن ويدعو للكراهية.
المطرب الشعبي التركي إسماعيل توروت، البالغ من العمر 54 عامًا، والمعروف بأن أغانيه تشجع على العنصرية، وكان يحيي الأحداث الخاصة بإردوغان وأتباعه، يساهم في إشعال الكراهية بين الأتراك في الداخل والخارج، ومن شدة قبحه بات الأكثر تفضيلًا لدى رجال الاستخبارات التركية. 

اتُهم توروت بالتحريض على العنف ومدح قتلة الصحافي التركي الأرمني "هرانت دينك" في يناير 2007 على يد عنصريين أتراك، وتبين أن الاستخبارات التركية استخدمت أغاني توروت لسماعها أثناء تعذيب الأشخاص الذين تعرضوا للاختطاف أو الاحتجاز في داخل تركيا وخارجها.

ألحان القتلة 
الصحافي التركي الذي يعيش في المنفى، سيفيري غوفن نشر تحقيقًا استقصائيًا حول طرد المواطن التركي "زابيت كيشي"، المختطف الذي أجبر على سماع أغاني "توروت" عبر مكبرات الصوت أثناء تعذيبه لمدة 108 أيام في حاوية قريبة من مطار أنقرة. 
غوفن أجرى مقابلة مع كيشي وأكد فيها أن الأخير اعتقل في كازاخستان عبر جهاز الاستخبارات التركي في 30 أكتوبر 2017، واحتُجز "كيشي" في مكان سري وتعرض للتعذيب لمدة شهور قبل تسليمه أخيرًا إلى الشرطة التركية.

وقال كيشي لغوفن حول تعذيبه وسوء معاملته في مكان مظلم: "لقد عذبوني على أنغام موسيقى النشيد الوطني، ومسيرات "جانيساري" وأغاني إسماعيل توروت".
"توروت" كتب أغنية يهاجم فيها حركة الداعية التركي المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية فتح الله جولن، وطالب فيها بإعدام أعضاء الحركة المتهمين بتدبير انقلاب عسكري مزعوم ضد إردوغان في يوليو 2016.

المتطرف في ألمانيا 
تصدر المغني التركي عناوين الأخبار مؤخرًا عندما تقدم بطلب للحصول على تأشيرة للذهاب إلى ألمانيا لإقامة حفل موسيقي ، وقررت القنصلية الألمانية أن تقتصر تأشيرته على يومين فقط بسبب القلق إزاء أنشطته، مما دفعه إلى الهجوم على ألمانيا في مقابلة أجرتها مع صحيفة "ديلي صباح" التركية، وهي جريدة  مملوكة لعائلة إردوغان.
المطرب المتهم بالإجرام والتشجيع على القتل قام بتأليف أغاني الحملة الانتخابية لإردوغان وعدد من شركائه السياسيين، بمن فيهم بن علي يلدريم، مرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم على منصب رئيس بلدية إسطنبول في الانتخابات البلدية الأخيرة، ودعا "توروت" المواطنين إلى التصويت لصالح يلدريم عن طريق الخطاب الديني والقومي.

شبكة "نورديك مونيتور" السويدية حصلت على لائحة اتهام تشمل هذا المغني وكاتب كلمات إحدى أغانيه وهو الشاعر الشعبي "عارف شيرين المعروف أيضًا بـ "أوزان عارف"، ونص الاتهام على أنهما حرضا على الكراهية والعداء، وهو انتهاك لقانون العقوبات التركي، المادة 216 ( 1).
وينص البند 1 من المادة على أن: "الشخص الذي يثير علانية الكراهية أو العداء لدى شريحة من المجتمع ضد شريحة أخرى لها خصائص مختلفة تعتمد على الطبقة الاجتماعية أو العرق أو الدين أو الطائفة أو الاختلاف الإقليمي مما يخلق خطرًا صريحًا ووشيكًا على الأمن العام قد يحكم عليه بالسجن لمدة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات".

جريمة بلا مدانين 
أغنية "توروت" التي ينظر القضاء فيها كتهمة، ومشاهد الفيديو الخاصة بالأغنية تشيد بجريمة قتل الصحافي الأرمني "دينك" وزملائه وكذلك الإشادة بالأشخاص الذين شاركوا في اغتيال الأب أندريا سانتورو، وهو قس إيطالي قُتل في منطقة البحر الأسود.
وكتب كلمات أغنية "توروت" بواسطة عارف، وهو شاعر محبوب للغاية من القوميين المتطرفين، بناءً على طلب "توروت" نفسه، والذي لحنها لاحقًا.

الغريب في الأمر أن المغني المتطرف نفى أن يكون لأغانيه أي آثار عنصرية، وقال إنه تلقى العديد من رسائل التهنئة من الجمهور بعد أن انتهى من التسجيل. وقال: "أعتقد أن 99 % من الجمهور يشاركونني وجهات نظري"، مضيفًا أنه سعيد جدًا بغناء مثل هذه الأغنية، بينما قال الشاعر عارف: "لقد كتبت كلمات هذه الأغنية من كل قلبي، كنت أتوقف عند كل سطر وكل كلمة".
ومع ذلك، فإن الإشارات إلى أسماء قتلة دينك في الأغنية، وهما "أوجون ساماست" و"ياسين حايل" موجودة في الأغنية وتم إخفاؤها في الكلمات الأساسية.

دعوة للقتل
تقول الأغنية التي تحمل عنوان "لا تصنع أي خطط" في إشارة واضحة إلى مقتل الأب سانتورو: "توقف عن رنين الأجراس / توقف عن كونك مواليًا للأرمن / لن يتقبل الناس ذلك / ولا في منطقة البحر الأسود".
تظهر صورة الأب سانتورو في "الفيديو كليب" عندما يغني "توروت" في السطر الذي يقول "أوقفوا رنين الأجراس"، وتظهر لقطات من جنازة دينك، حيث شكل خلالها مئات الآلاف من المشيعين الذين يحملون لافتات كتب عليها "نحن جميعا أرمن"  موكب طويل طاف شوارع اسطنبول.

في الفيديو، يتم عرض صورة لجثة دينك أمام جريدته في "الفيديو كليب" بينما يغني "توروت" قائلا "إذا قام شخص ما ببيع الوطن الأم / سيموت على الفور". ويمتلئ الفيديو بالصور المتطرفة والدينية والمعادية الولايات المتحدة.
ومع ذلك، في ديسمبر 2009، تمت تبرئة كل من "توروت" وعارف من جميع التهم. أما زيلين عابدين موتلو، وهو مشتبه به آخر قام بنشر الفيديو على شبكة الإنترنت، فلم تثبت إدانته من قبل لجنة القضاة في المحكمة الابتدائية السادسة عشرة في إسطنبول.

في القضية ذاتها، تمت إدانة هاكان أوزتيكين، أحد المعجبين الذين قاموا بتصوير الفيديو، وحُكم عليه بالسجن لمدة عام وخمسة أشهر و 15 يومًا، ومع ذلك قررت المحكمة تخفيف عقوبته وإخلاء سبيله أيضًا.
وأظهرت لقطات تسربت إلى وسائل الإعلام في ذلك الوقت ضباطا يقفون بصحبة القاتل الشاب وهو يحمل العلم التركي، مما أثار اتهامات بأن بعض المسؤولين وافقوا سرًا على مقتل دينك، ودعموا عملية القتل. 

ويُظهر فيديو أغنية المطرب العنصري أيضًا صورًا لقاتل "دينك" الذي كان يقف أمام العلم التركي بعد إلقاء القبض عليه. وقدم العديد من المشرعين في البرلمان الأوروبي اقتراحًا يطالب بإدانة المغني "توروت" والشاعر الشعبي "عارف"، وانتقد التقرير المرحلي للاتحاد الأوروبي أيضًا كلمات مقاطع "الفيديو كليب" العنيفة التي تم وضعها على موقع "يوتيوب".

مقتل داعية السلام
يعود قتل الصحافي دينك، العضو البارز في الجالية الأرمنية في تركيا في العام 2007 إلى قيامه بحملة من أجل المصالحة التركية الأرمنية، ولكنه كان مكروهًا بين القوميين الأتراك لوصفه عمليات القتل الجماعي للأرمن خلال عهد الإمبراطورية العثمانية بأنها "إبادة جماعية"، وهي تهمة ترفضها الحكومات التركية تمامًا.
كان دينك من أوائل كتاب العصر الحديث الذين تحدوا رواية الحكومة التركية حول الإبادة الجماعية للأرمن. واشتهر بدفاعه عن القضية الأرمنية، وحقوق الإنسان والأقليات في تركيا، كما انتقد إنكار أنقرة المذابح والتهجير، التي مارستها الدولة العثمانية بحق الشعب الأرمني، فما كان من سلطات ديكتاتور أنقرة رجب إردوغان إلا أن قدمته للمحاكمة ثلاث مرات بتهمة متهافتة وهي "إهانة الهوية التركية".

تلقى دينك تهديدات بالقتل عدة مرات انتهت باغتياله في إسطنبول 19 يناير 2007 على يد مراهق يدعى أوغون ساماست، أمام مقر صحيفته "آجوس" التي أسسها وترأس تحريرها. وكان الصحافي المدافع عن حقوق الإنسان في طريقه إلى صحيفة "آجوس" قبل أن يفاجئه  ساماست ذو الـ17 عامًا بثلاث رصاصات، أردته صريعًا، وذكر شهود عيان أن القاتل المأجور صرخ عدة مرات قائلًا: "قتلت الخائن"، قبل أن يفر من موقع الاغتيال في سيارة كانت تنتظره.
وكما لو كان دينك يرثي نفسه، متنبئًا بحادث اغتياله، كتب في آخر مقال له والذي نُشر يوم مقتله "أشعر كما لو كنت حمامة. مثل حمامة، أجوب هذه المدينة مضطربًا، أراقب ظهري على الدوام، مترددًا جدًا ولكن، حرًا للغاية".

Qatalah