يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


على الرغم من أن مسرحية الانقلاب التي جرت منتصف العام 2016، جاءت نكبة على عدد ليس بالقليل من الضباط في الجيش التركي، إلا أنها كانت بمثابة الإنقاذ والنقلة النوعية بالنسبة للبعض الآخر، ومن أبرز الذين استفادوا من "المسرحية"، الجنرال إسماعيل متين تميل، ليستغله رجب إردوغان في مهمة قذرة بسورية، هدفها تفكيك الدولة العربية المجاورة، والعمل على تغيير طبيعتها السكانية لطرد العرب والأكراد من مدن الشمال.
متابعون للشأن التركي، أكدوا أن متين كان أحد قادة الجيش الذين اعتمد عليهم إردوغان من أجل تمرير خطة انقلابه المزعوم في يوليو 2016، في إطار صفقة تمكن من خلالها بعض قيادات الجيش التركي من الحصول على الترقيات والمناصب سريعًا.

وحسب صحيفة أحوال التركية عام 2018 حصل متين على ترقية استثنائية، وبموجبها حلّ محل قائد الجيش الثاني السابق اللواء آدم حدوتي الذي اعتقل بحجة مشاركته في الانقلاب المزعوم، بعد أن كان مجرد قائد قوات الأسايش في محافظة وان، لينال ثقة إردوغان، تارة عبر التصفيق له في مؤتمراته أثناء الهجوم على معارضيه، وتارة عبر سحق الأكراد وتدمير مدينة عفرين على قاطنيها إرضاءً لتطلعات إردوغان الاستعمارية، ومحاولة إعادة أمجاد أجداده العثمانيين المقبورين.

صعود قاتل
ولد متين في قرية بايبورت إحدى قرى شرق الأناضول في عام 1958، لينتقل هو وعائلته إلى أدنة والتي أتم فيها شهادته الثانوية العسكرية، ليصبح ضابطاً، وحسب صحيفة تورك 24 عام 2016 بدأ متين في الظهور ابتداء من عام 2012 حين كان في قيادة فرقة المشاة الثالثة في ولاية هاكاري، وفيما بعد انتقل إلى قيادة (EDOK ) خدمات دعم التعليم الحربي في محافظة كوجايلي. 
فيما بعد حصل متين على ترقية بقرار من المجلس العسكري الأعلى "ياش" في عام 2015 حيث أصبح قائداً لوحدة الأسايش بالجندرمة في ولاية وان. وحسب صحيفة هابير7 عام 2018، ظل تميل في منصبه حتى واتته الفرصة التي تمثلت في الانقلاب المزعوم 2016، فتمكن من الحصول على ترقية كقائد للجيش الثاني التركي بأكمله، رغم أنه كان من المفترض أن يظل في منصبه السابق 4 أعوام على ليحصل على المنصب، وهو تجاوز من إردوغان للوائح العسكرية من أجل مكافأة متين. 

متين حسب الصحيفة أحد أهم القادة الذين شاركوا في عملية "درع الفرات" 2016/ 2017، والتي احتلت بموجبها تركيا أجزاء من الشمال السوري امتداداً من مدينتي جرابلس وكيكليجيه حتى مدينة الباب السورية، كما أنه كان المسؤول عن خطة انتشار الجيش التركي في إدلب فيما يعرف باتفاق خفض التصعيد، والذي بموجبه تضمن أنقرة تصرفات الإرهابيين الذين تدعمهم.
كذلك كان تميل وحسب صحيفة سانديكا التركية، المسؤول عن وضع خطة حصار مدينة عفرين السورية من كل الجهات وسحقها خلال عملية غصن الزيتون في العام 2018، حتى أنه رفع عن إردوغان عناء تبرير اقتحامه للمدينة حين أعلن أنها مدينة مليئة بالأغنياء السوريين، لكي لا يصبح هناك خوف من عمليات اللجوء إلى تركيا في حالة تدمير المدينة، حسب صحيفة أيه إن إف نيوز الكردية عام 2018. 

وهم الاغتيال 
حسب وكالة أودا تي في عام 2018 ادعى متين تعرضه لما أسماه محاولة اغتيال في ليلة الانقلاب المزعوم، وأمام التحقيقات التي قام بها المدعي العام في محافظة وان بصفته قائد قوات الأسايش في تلك الفترة، تحدث متين عن استهداف فريق خاص له أرسله مخططوا الانقلاب من محافظات وان وسيرت وهاكاري وشرناق. 
حسب ادعاء متين كان ينتظره مخطط اغتيال عند ذهابه بالطائرة العمودية من محافظة هاكاري إلى محافظة سيرت، حيث كان ينتظره جنود الرائد إسماعيل تشفيك بناءً على تعليمات قائد القوات الخاصة في تلك الفترة اللواء سميح ترزي. 

ليكمل متين ادعاءاته حيث صرح بأنه لولا تغييره لوجهته إلى وان بدلاً من سيرت لتم قتله، كما واصل أنه رغم ذلك تمكن الفريق الذي أراد اغتياله والذي كان ينتظره في سيرت من الذهاب إلى وان كذلك، لكن حدثت معركة هرب منها فريق الاغتيالات كما وصف، حيث قام أحد الجنود بالتضحية بحياته للسماح له بالهرب، حيث هرب بالطائرة العمودية إلى منطقة سيلوبي في شرناق. 
متين تناسى نقطة مهمة كان قد ذكرها في تحقيقاته، وهي أن رئاسة الأركان العامة كانت أصدرت قراراً بحظر الطيران وهو الأمر الذي خالفه فريق الاغتيال للحاق به، لكن يبدو التساؤل عن الداعي وراء مخالفته لقرار حظر الطيران هو أيضاً لم يطرح من الأساس، لكنه يكشف عن ثقوب ضخمة في رواية متين التي حاول من خلالها اصطناع بطولة وهمية.

اكتساح عفرين

حسب صحيفة إندبندت تورك عام 2018، كان غرور متين بعد قيادة للعمليات بدرع الفرات عام 2016 وبعدها في عفرين عام 2018، إحدى أهم عوامل التوتر بينه وبين وزير الدفاع خلوصي آكار، خاصة أن متين قام بالتأكيد لإردوغان على جاهزية الميليشيات السورية الحليفة التي تتولى القتال كقوات مشاه ومن ثم تدعمها الآليات التركية من الخلف. 
إردوغان كان قد صرح بأن الجيش التركي سيبدأ فوراً العمليات في شرق الفرات في آواخر العام 2018، ليفاجأ بعدم جاهزية الميليشيات، حيث كانت تصريحات إردوغان مفاجئة لمتين الذي لم يتمم تلك الاستعدادات رغم تأكيده من قبل لإردوغان على جاهزية تلك القوات حسب الصحيفة. 

حسب صحيفة سانديكا التركية عام 2018 لم تقف أخطاء متين الذي اكتسح عفرين مخلفاً 1000قتيل في أسبوع واحد وأكثر من 320 ألف مشرد حسب تقرير للأمم المتحدة، لم تقف عند هذا الحد، حيث كان قد فضح أنقرة بتصريحات نقلها أحمد بيلادا مستشار وزارة الشئون الدينية حين أكد أن متين صرح له قائلاً "طوال سبع أعوام من الحرب السورية لم تطلق رصاصة واحدة على الداخل التركي!" ليكذب إدعاء أنقرة بأن احتلالها لعفرين يأتي بدافع تأمين الحدود مما أسمته أنقرة "التهديدات الحدودية".
متين كشف أيضاً عن أطماع تركيا في عفرين حين صرح قائلاً "تشبه المدينة بيروت اللبنانية، يعيش هنا أغنياء السوريون، وينعمون برغد العيش"، لتقوم بعدها ميليشيات أنقرة بعمليات سرقة واختطاف للمدنيين مقابل فدية، وكذلك سرقة محاصيل الزيتون التي تشتهر بها المدينة.

إرضاءاً لإردوغان 
حسب صحيفة أحوال عام 2018، يعرف متين بولائه الشديد لإردوغان، وعلى إثر ذلك في إحدى التجمعات الانتخابية الرئاسية بالتحديد في مدينة مالاطيا، حين قام متين بالتصفيق بحرارة لإردوغان بينما كان يهاجم خصمه الرئيسي من حزب الشعب الجمهوري المعارض محرم إنجيه. 
ميتن بينما كان يصفق كان إردوغان يتهكم على إنجيه قائلاً "لا يمكن أن يحكم تركيا سياسي مبتدئ، لن نسلم حكم البلاد لهؤلاء لشخص لايملك نجاحات او خبرات سياسية"، وهو ما أثار إنجيه الذي أقسم أن يعزل متين من منصبه في حال انتخابه كرئيس. 

حسب صحيفة هابير تورك عام 2018 إنجيه تحدث قائلاً "لأول مرة في تاريخ الجمهورية التركية، حين يقوم جنرال بالتصفيق في إحدى المؤتمرات لحزب سياسي، لم يكن الحديث عن الوطن أو العلم، بل كان إردوغان يقوم بانتقادي وهو يصفق." ثم تابع إنجيه "هل أنت جنرال أم محافظ تابع للعدالة والتنمية؟، إن أول شيء سأفعله بعد انتخابي هو أن أحيلك للتقاعد لكن بعد أن أنزع عنك كل رتبك". 
الجدير بالذكر أن تلك الحادثة أدت لإحراج إردوغان، وخسارته بعض الأصوات لصالح مرشح المعارضة، وهو الأمر الذي أدى إلى غضبه منه كأحد أسباب تنزيل رتبة متين فيما بعد، رغم تدخلات بعض المقربين، حسب ما أكد الصحفي فاتح ألتاي. 

عقاب وتحقير 
في آواخر عام 2018 اتخذ إردوغان قراراً بنقل ميتن إلى قسم الفحص والتقيم برئاسة الأركان كعقاب حسب صحيفة إفرينسيل عام 2019، حيث تم تنزيل رتبة متين من فريق إلى لواء وعوقب بالبقاء في مدينة مالاطيا، بالقسم المذكور. 
المبرر الرسمي لهذا القرار كان عدم حضور متين حفل تكريم رفيع المستوى حضره إردوغان في 14 ديسمبر عام 2018، حيث أعترض على عدم إدراج اسمين من أتباعه لتكريمهم في إطار ما اسماه حربهم على الإرهاب، لكن الأسباب الحقيقية كما ذكرتها إفرينسيل تكمن في حالة عدم التوافق بين رئيس الأركان يشار جولر و خلوصي آكار وزير الدفاع. 

متين كان قد توهم البطولة، حيث بدأ يوزع الاتهامات على كلاً من آكار وجولر متهماً إياهم بالعمالة للإنقلاب المزعوم، حيث ذكرت صحيفة أحوال أنه وجه اتهامه لهما قائلاً "كل من كان في قاعدة أكنجى التي انطلقت منها طائرات الإنقلابيين فهو متهم"، حيث قصد بكلامه آكار وجولو اللذين ادعيا احتجازهما في ليلة الإنقلاب بالقاعدة العسكرية وحتى صباح اليوم التالي. 
آكار كذلك لم ينس حسب الصحيفة تخطي متين له ولرئيس الأركان جولر، حيث أعلن عن نهاية العمليات في عفرين دون مشاروته، حيث اعتبر آكار أن موعد نهاية العمليات كان متسرعاً والهدف منه، هو ظهور متين على أعناق قادته من أجل أن يكون له دور الصدارة في عملية منبج المحتملة بسورية، وهو ما دفع كلاً من آكار وجولر للتكتل ضده وإخراجه من الخدمة عملياً كما تذكر الصحيفة. 

 

Qatalah