يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


30 نوفمبر 2018 إلى متى ستبقى تركيا في سورية؟

في الأشهر الأخيرة، قامت تركيا باستثمارات كبيرة في المناطق الواقعة تحت سيطرتها في شمال سورية وبدأت مشاريع توظيف محلية وفتحت مكاتب بريد تركية وقد بلغ الأمر أنها قامت ببناء طريق سريع جديد يربط مدينة الباب السورية بتركيا. تشير هذه الالتزامات إلى أن أنقرة تسعى إلى الاضطلاع بدور كبير في تشكيل مستقبل شمال سورية، وهي منطقة لها أهمية استراتيجية كبيرة.

وفي الوقت الراهن، تبسط تركيا سيطرتها على مساحة شاسعة من الأراضي في شمال غرب سورية تتألف من مدينة الباب ومدينتي جرابلس وأعزاز الحدوديتين، بعد انتزاع السيطرة عليهما من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في عملية درع الفرات التي أطلقتها في أغسطس عام 2016. كما تسيطر على جيب عفرين، الواقع إلى الغرب قليلاً من منطقة درع الفرات، والذي انتزعت السيطرة عليه من القوات الكردية السورية في عملية غصن الزيتون في مطلع هذا العام.

في وقت سابق من الشهر الجاري، سلطت وسائل الإعلام التركية الضوء على عدد من المشاريع الجديدة التي أطلقتها أنقرة. وبدأت أنقرة تدريب 6500 آخرين من المقاتلين الذين يقاتلون نيابة عن تركيا تحت لواء الجيش السوري الحر في أعزاز. وأعلن وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو أن 260 ألفا من اللاجئين السوريين قد أعيد توطينهم هناك بنجاح. كما قدمت تركيا 3.6 مليون كتاب مدرسي إلى المدارس السورية وحفرت 69 بئراً لتوفير المياه لعدد 432 ألف شخص. كما أعلن رئيس جمعية لرجال الأعمال أن 4000 شركة تركية تعمل في كل من منطقة درع الفرات وعفرين.

تمتلك وسائل الإعلام التركية التي تديرها الدولة دافعاً واضحاً في تمجيد جهود تركيا الإنسانية. ومع ذلك، فإن مثل هذه التقارير تظهر نية واضحة من جانب أنقرة لتعزيز موطئ قدمها الكبير في شمال سورية.

وصف رجل سوري جميع المؤسسات المختلفة، التي تتراوح بين قوات الأمن والشرطة والمجالس المحلية التي أقامتها تركيا في المناطق التي تسيطر عليها، إذ قال ساخراً "الرأس تركي، والجسد سوري". (التآخي ليس له حدود) هو أيضا شعار منقوش على تلك المؤسسات التي تم أقامتها تركيا باللغتين التركية والعربية. في حين أن مثل هذه الأمثلة القولية قد تشير إلى أن تركيا تسعى إلى ضم هذه الأراضي تدريجياً، تؤكد أنقرة دائما أنها تدعم الحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

لقد أنجزت عمليتا تركيا في سورية بعض احتياجاتها الأمنية. لم يعد لتنظيم الدولة الإسلامية موطئ قدم على الحدود التركية بفضل عملية درع الفرات بينما حققت عملية غصن الزيتون هدف أنقرة المتمثل في منع الأكراد السوريين من السيطرة على كل الحدود الشمالية لسورية. إن البقاء في سورية، أو على الأقل الاحتفاظ بوجود كبير للجيش السوري الحر الذي يعمل بالوكالة هناك، سيساعد على ضمان عدم التراجع عن الانتصارات التي تحققت في ساحات المعارك.

وقال تيمور أخميتوف، محلل شؤون الشرق الأوسط في المجلس الروسي للشؤون الدولية، لموقع (أحوال تركية) "الأعمال التركية في شمال سورية مدفوعة بمخاوف أمنية".
وتابع أخميتوف قائلاً "لتعزيز فرصها هناك، تدعم تركيا وجوداً عسكرياً من خلال توفير مساعدات إنسانية محدودة. بيد أنه من غير الممكن في الوقت الحالي معرفة ما إذا كانت هذه الاستثمارات ستضمنها الجهات الفاعلة الرئيسية في سورية، مثل دمشق، أو ما إذا كانت ستؤدي إلى مشاعر مؤيدة لتركيا على المدى الطويل".

والنظام السوري، الذي استعاد السيطرة على معظم البلاد، عارض بشدة توغلات تركيا عبر الحدود منذ بداية عملية درع الفرات. لقد أثبتت روسيا أنها أكثر تسامحاً مع الوجود العسكري التركي، ولكن من غير المرجح أن تعترف أو ترضخ لأي ضم تركي محتمل للأراضي السورية.

وقال أخميتوف "تحاول تركيا تحويل وجودها إلى نفوذ سياسي، لكن روسيا حتى الآن أشارت إلى تركيا بوضوح بأن الوجود التركي في شمال سوريةيتم التساهل معه بسبب المخاوف الأمنية التركية، مما يعني عدم الاعتراف بأي مزاعم سياسية على أنها شرعية بموجب اتفاقيات أستانا".
وقارن أخميتوف وجود تركيا في سورية بغزو إسرائيل للبنان عام 1982 لإزالة منظمة التحرير الفلسطينية من جنوب البلاد إلى جوار حدودها. خلال معظم السنوات الثماني عشرة التالية، كانت تسيطر على جزء من جنوب لبنان إلى جانب جيش بالوكالة يطلق عليه جيش جنوب لبنان، والذي يشبه إلى حد كبير قوات الجيش السوري الحر المدعومة من تركيا، وقد سلحته ودربته للمساعدة على فرض منطقة عازلة في المنطقة، قبل أن تنسحب في نهاية المطاف في عام 2000.

كما هو الحال مع معظم المقارنات، هناك بعض الاختلافات المهمة بين هذه القضية المستمرة وتلك القضية التاريخية.
وقال طوني بدران، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات، وهي مؤسسة بحثية مقرها واشنطن، "لست متأكداً من أن أفضل طريقة للنظر إليها تتعلق بالضم القانوني... كانت هذه المناطق عبارة عن مجال نفوذ تركي مباشر، وأصبحت أكثر تكاملاً في الإدارة التركية. من جوانب عديدة، لأسباب تاريخية وسياسية وثقافية، فإن ذلك يتجاوز ما كان لدى إسرائيل في جنوب لبنان".

يرى بدران، مثل أخميتوف، أن روسيا هي اللاعب الرئيس في تحديد المدة التي سيستمر فيها هذا الوضع.
وقال بدران "طالما استمر الوضع الراهن بين تركيا وروسيا، وما زالت القيود المفروضة على القوى البشرية وقدرات نظام الأسد تشكل عقبة أمام طموحاتها في المنطقة، حينها أظن أن هذا الترتيب سيبقى على الأرجح في شكل حالته الراهنة".
وفي حين أثبتت منطقة درع الفرات استقرارها وتأمينها نسبياً تحت السيطرة التركية، لا يمكن قول الشيء نفسه عن عفرين التي تسيطر عليها تركيا.

وقال موتلو سفير أوغلو، محلل الشؤون السورية والكردية، لموقع (أحوال تركية) "عندما تنظر إلى عفرين اليوم، لا يوجد استقرار أو أمن، إنها مجرد فوضى". 
وأردف سفير أوغلو قائلاً :"تؤكد منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش ومفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن انتهاكات حقوق الإنسان والتعذيب والاختطاف والنهب شائعة في عفرين اليوم. كانت هذه منطقة تتمتع باستقرار مثالي وكانت ملجأ لآلاف عديدة من النازحين. مكان يتعايش فيه الأكراد والعرب والمسلمون والإيزيديون وهلم جرا".
وقال سفير أوغلو إن معظم سكان عفرين شردوا بسبب التوغل التركي في حين عملت أنقرة على تسهيل إعادة توطين العديد من السوريين من مختلف أنحاء البلاد هناك مما أثار اتهامات بأنها تعمل على تغيير التركيبة السكانية للأغلبية الكردية في عفرين.

وفي الشهر الحالي، أدت الاشتباكات في عفرين بين الفصائل المدعومة من تركيا إلى مقتل ما لا يقل عن 25 شخصاً نتيجة مزاعم أنقرة بأنها جلبت الاستقرار إلى الجيب الصغير. وقال رامي عبد الرحمن، مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، :"الاشتباكات أثارت الرعب في صفوف المدنيين". ولخص عبد الرحمن الوضع قائلاً إنه أمر "لم يسبق له مثيل منذ أن انتزع مقاتلو المعارضة السيطرة على عفرين".

وقال سفير أوغلو إنه بما أن تركيا هي "قوة احتلال" في عفرين، فإنها تتحمل مسؤولية الحفاظ على الاستقرار والأمن، وتفتقر عفرين للاثنين بشكل مزمن.
وتابع قائلاً :"إن حجة تركيا المتمثلة في القضاء على الإرهابيين في تلك المنطقة وتحقيق الاستقرار والأمن تبدو غير مخلصة"، مضيفاً أن احتلال تركيا لعفرين هو محاولة "لتوسيع المناطق الخاضعة لسيطرتها لاستخدامها كورقة مساومة خلال المفاوضات حتى يكون لها أكثر من مجرد رأي بشأن مستقبل سورية".

نقلًا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah