يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يلف أرشيف وثائق الدولة العثمانية غموض بسبب عمليات الحجب والتعتيم والتدمير الممنهج، التي تتم في تركيا، حيث دأب العثمانيون الجدد، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، على تدمير كل وثائق الإدانة والخزي التي تعود إلى العصر العثماني بجرائمه ضد شعوب المنطقة، أو حجبها عن الباحثين.
 
تدمير وثائق الإدانة
تمثل مذابح الأرمن التي ارتكبتها السلطات العثمانية بحق الأرمن في العام 1915 وخلفت ما يقرب من 1.5 مليون قتيل أكثر النقاط سخونة في أرشيف الجرائم العثمانية، حيث انتهجت الدولة العثمانية منذ خسارة الحرب العالمية الأولى سياسة تدمير كل الوثائق الرسمية المتعلقة بعمليات تهجير وقتل الأرمن فضلا عن الجرائم الأخرى بحق شعوب المنطقة التي خضعت للاحتلال العثماني الطويل، والتي من شأنها أن تدين حكام أنقرة، وتسهل تلاحقهم بعقوبات دولية أو دعاوى تعويضات من ورثة الضحايا. 
في سجلات المحاكمات التي عقدها ديوان الحرب العرفي لقادة الاتحاد والترقي أكد كل الشهود أن طلعت باشا رئيس الحكومة العثمانية في فترة الحرب والعقل المدبر لمذابح الأرمن أصدر الأوامر بتدمير كل الوثائق الخاصة بمسألة الأرمن. 
جاء في تلك السجلات أن هناك  3 مجموعات تحديدا من الوثائق جرى تدميرها: المجموعة الأولى تتعلق بتفاصيل العمل السري لـ "التشكيلات الخاصة"، وهي فرق اغتيال تركية كانت تعمل ضد الأرمن في البلدان العربية، بينما شكلت المجموعة الثانية وثائق تتعلق بعمل اللجنة المركزية العليا في جمعية الاتحاد والترقي، وأخيرا المجموعة الثالثة التي كانت مجموعة من الأوراق المتصلة بوزارة الداخلية، وأتلفها طلعت باشا في قصر أحد أصدقائه.
 
 
لم يكن قادة الاتحاد والترقي وحدهم من استولوا على الوثائق، حيث امتد الأمر إلى الضباط الألمان الذين خاضوا غمار الحرب إلى جانب العثمانيين، واستحوذوا هم أيضا على كل الوثائق المتعلقة بهم قبل مغادرتهم تركيا، حيث نقل عن القائد الألماني هانز فون سيكت الذي خدم في القيادة العليا للجيش العثماني أنه أخذ معه إلى ألمانيا مجموعات فائقة الأهمية من الوثائق تتعلق بالقرارات العسكرية في أثناء فترة الحرب.
بينما كان يجري تدمير الوثائق في العاصمة إسطنبول، صدرت الأوامر في أعقاب الحرب إلى موظفي الحكومة العثمانية في الأقاليم بحرق كل الوثائق التي يملكونها، حيث أمر علي سعاد متصرف مدينة دير الزور بحرق كل الوثائق لديه، لأن المدينة السورية كانت مخصصة لاستقبال المهجرين من الأرمن.
امتدت أوامر تدمير الوثائق المتعلقة بالشأن الأرمني حتى سقوط إسطنبول في قبضة الأسطول البريطاني وعزل حكومة طلعت، حيث كان أول الأوامر الصادرة من أحمد عزت باشا رئيس الحكومة الجديدة المشكلة في 14 أكتوبر 1918 التدمير الفوري لكل محتويات الأرشيف الخاص بـ "مكتب الشؤون الشرقية" في وزارة الحربية العثمانية.
 
منع الباحثين من الاختراق
أبدى حكام أنقرة من العثمانيين الجدد إخلاصا لسياسات التدمير العثمانية، إذ يخضعون الأرشيف مباشرة لرئاسة الجمهورية، التي تصر على حجب ما تبقى من الوثائق المتعلقة بالأرمن في الأرشيف عن محاولات الباحثين اختراق هذا الكهف المظلم، في محاولة من الحكومات المتعاقبة للتخلص من أية مسؤولية تاريخية عن تلك المذابح.
عرض الباحث الأرمني آرا صرافيان في ورقة بحثية عام 1999 المشكلات والتضييقات التي تواجه الباحثين فيما يتعلق بالحصول على إذن للاطلاع على الوثائق العثمانية، حيث عرض لنماذج عديدة لباحثين كان يتم التحقيق معهم من قبل السلطات التركية بشأن الموضوعات التاريخية التي يعملون عليها، وكيف أدى ذلك في أحيان كثيرة إلى منع إصدار الأذون، ووصل الأمر مع البعض إلى الطرد من مقرات الأرشيف المختلفة. 
 
 
إذا كان ذلك هو حال الأرشيف المتاح، فإن المسألة تتضاعف في حالة المديرية العامة للتاريخ العسكري والدراسات الاستراتيجية، التي يعد أرشيفها الخاص مغلقا ومحجوبا بشكل كامل أمام الباحثين المحليين والأجانب على السواء.
تتمتع مديرية التاريخ العسكري بنظام صارم، فكل باحث يرغب في الاطلاع على أرشيفها يخضع لتحقيق رسمي يواجه فيه مجموعة ضخمة من الأسئلة لا شأن لها بالبحث العلمي من قريب أو من بعيد، ولو حصل الباحث على إذن - ما لم يحدث من قبل سوى مرات قليلة للغاية - فإن الباحث يتعرض لمراقبة محكمة من قبل الموظفين في المجلس طوال فترة عمله.
لإدراك مدى أهمية وثائق المديرية وتفهم السبب الذي تفرض تركيا لأجله سياجا من السرية حول محتواها، لا بد من الإشارة إلى أن ذلك الأرشيف يمتلك وحده 41 ألفا و591 وثيقة حول الاحتلال الإيطالي لليبيا "حرب طرابلس الغرب" التي جرت عام 1911، و902 ألف و800 وثيقة بشأن حرب البلقان بين عامي 1912 و1913، وأكثر من 3.6 مليون وثيقة بخصوص الحرب العالمية الأولى، منها نحو 40 ألفا تتعلق بالتشكيلات العسكرية المخصوصة.
ورغم أن عام 2010 شهد عرض مجموعة من وثائق القضية الأرمنية على الموقع الإلكتروني الخاص بالأرشيف التركي، إلا أن المجموعات المعروضة من أرشيف رئاسة الوزراء العثمانية في إسطنبول وسجلات ديوان الحرب العرفي لم تكن تمثل إلا صورة منقوصة للغاية للحدث التاريخي البارز، وعلى سبيل المثال، فإن مجموعة الوثائق الخاصة بوزارة الداخلية العثمانية لم ينشر منها سوى نحو 115 وثيقة من تلك المجموعة بالغة الأهمية في تحديد تحركات المهاجرين الأرمن ومصائرهم.
 
الدمار المقنن
اتبعت الجمهورية التركية سياسة ممنهجة جعلت من تدمير الأرشيف العثماني أمرا قانونيا، وفي عام 1931 باعت الحكومة نحو 50 طنا من وثائق أرشيف وزارة المالية العثمانية إلى بلغاريا مقابل 3 قروش للأوقية الواحدة، وحققت أنقرة من تلك الصفقة مكسبا بلغ 100 ألف دولار. 
ونقلت الوثائق وقتها عبر شاحنة مكشوفة جابت شوارع إسطنبول دون غطاء يحمي تلك الوثائق، ما أدى إلى سقوط العديد منها على طول الطريق الملاصق لحديقة السلطان أحمد، وقام عمال القمامة بجمع الوثائق المتناثرة على الأرض وإلقائها في البحر عند منطقة كوم قابي.
في العام 1934 صدر قرار حكومي نشر في الجريدة الرسمية التركية ووزع على جميع الوزارات والمصالح الحكومية بتدمير جميع الوثائق التي تتجاوز أقدميتها 10 سنوات، ولتحقيق أكبر قدر من الاستفادة المادية نشرت الحكومة قرارا جديدا في الجريدة الرسمية عام 1935 ببيع الوثائق المصنفة "سرية" لتجار الورق.
 
 
في العام 1957 صدر قانون جديد لتدمير الأرشيف العثماني، جرى استغلاله في تدمير نحو 17 وثيقة لمؤسسة حكومية، وروى أورخان قول أوغلو المسؤول عن الطباعة والنشر في السبعينيات عن تجربته الخاصة مع الأرشيف العثماني، عندما طلب كل الخطابات الرسمية التي صدرت من الدولة منذ حرب الاستقلال وحتى عصره، فأبلغوه أن ذلك الأرشيف تم نقله من مكانه إلى متحف الورق وأن الاطلاع عليه لم يعد متاحا.
كانت الثمانينيات شاهدة على تدمير مجموعات أرشيفية كاملة كان يمكن من خلالها التأريخ للدولة العثمانية، ففي عام 1982 ألقي بأرشيف طرابزون التاريخي في البحر، رغم نجاة الأرشيف في سنوات الحرب العالمية الأولى من أيدي القوات الروسية التي غزت المدينة، ومع تفاصيل أقل وطأة نقلت محتويات أرشيف مدينة قونية التاريخي عام 1987 عبر 76 شاحنة إلى متحف الورق الحكومي وحجبت عن أعين الباحثين.
وأفادت صحيفة يني شفق الحكومية في 17 يونيو 2000 بعثور الأهالي على مجموعة من الوثائق العثمانية النادرة في مكب نفايات متحف الورق سيكا الذي حولته الحكومة التركية على مدار السنين إلى مستودع لكل وثائق الأرشيف العثماني التي تود التخلص منها.

Qatalah