يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بالخيانة العظمى، أنهى حياته السياسية الملوثة بالرشوة والفساد، اشترى منصب الصدر الأعظم مرتين: الأولى باع فيها الوظائف للجهلاء فتضاعفت ثروته،  والثانية ورط بلاده في حروب مع روسيا لصالح النمسا بعد أن أغدق ملكها عليه الهدايا.

الصدر الأعظم محمد بلطجي باشا عندما أصبح قاب قوسين أو أدنى من النصر قرر الانسحاب من المعركة بمعاهدة مذلة تنازل فيها عن مساحات كبيرة من أراضي السلطنة للروس، فيما فضحت الرشوة الضخمة التي تلقاها من القيصر، فألقي به خارج القصر وحكم عليه بالإقامة الجبرية مدى الحياة في مزبلة التاريخ.

أكبر المرتشين
وجد محمد باشا في السلطان أحمد الثالث صيدا ثمينا، فالشاب الذي تولى مقاليد الحكم في الدولة العثمانية في الـ32 من عمره صار أضحوكة الجنود، تمردوا عليه وهددوه بالطرد من القصر، ما أجبره على التقرب إليهم بدفع الإتاوات ليحتفظ بعرشه، وينجو من مؤامراتهم ودسائسهم، بينما أغرت قبضته اللينة على الدولة مجموعة من الوزراء بالتطاول عليه والتلاعب به والتربح من ورائه.

السلطان جعل بيع الوظائف والمناصب العليا في الدولة مقننا حتى يضمن  امتلاء خزانة القصر بالأموال، فابتعد عنها من يستحقها، ونالها من لا خبرة له بها من الأثرياء، وبات منصب الصدر الأعظم في المزاد لمن يشتريه بأعلى سعر، فتقدم إليه محمد باشا، الشهير بفساده المالي والإداري، ودفع مبالغ مالية طائلة ليتولى المنصب مرتين.

الأولى في 25 ديسمبر 1704، أمضى فيها عاما ونصف العام لم يفوت فيها يوما واحدا لم يتربح فيه، استخدم نفوذه للحصول على الثروات بطرق غير مشروعة فرض على حكام الولايات وموظفي الدولة إعادة شراء مناصبهم، فتدافعوا على أبوابه بمختلف الهدايا النقدية والعينية، واحتكر التجارة الخارجية لولايات الأناضول، المورد الوحيد للبضائع المستوردة من الشرق وأوروبا، ورفع الأسعار بنسبة 60 %.

فاحت رائحة فساد الصدر الأعظم بلطجي (رتبة في الجيش) محمد باشا فاضطر السلطان إلى عزله من منصبه في 3 مايو 1706، وأسند منصب الصدر الأعظم إلى علي باشا زوج ابنته.

باع نفسه
لم يستسلم بلطجي باشا لقرار السلطان بعزله من منصبه، استغل الأحداث السياسية الخارجية ليقفز إليه من جديد، خاصة بعد أن  شهدت الساحة الدولية حربا شرسة تلقى خلالها الملك السويدي شارل الثاني عشر هزيمة قاسية أمام الجيوش الروسية في موقعة بولتافا عام 1709، وهو المأزق الذي أجبره على اللجوء إلى مدينة بندر العثمانية على أمل استمالة العثمانيين للانحياز له في معركته مع الروس.

وجد الملك معارضة كبيرة من الوزير نعمان باشا كوبريلي الذي كان خارجا لتوه من هزائم متتالية فرضت على الجيش العثماني التوقيع على معاهدة فارلوجة عام 1699، والتي تنازلت الدولة بموجبها لبولندا عن أوكرانيا، وللنمسا عن المجر وترنسلفانيا، وللبندقية عن المورة (اليونان).

اقتنص بلطجي باشا الفرصة فتواصل مع شارل الثاني عشر ملك السويد، ووعده بالتدخل العسكري ضد روسيا إذا مكنه من استعادة منصب الصدر الأعظم، ووافق ملك السويد على الصفقة وتكفل بنفقات شراء الوزارة، وبالفعل استطاع بلطجي باشا العودة من جديد إلى منصبه بعد أن حصل السلطان على الأموال التي يريدها من الملك في 18 أغسطس 1710.

المجوهرات ثمن خيانته
شارل الثاني عشر طالب بلطجي باشا بالوفاء بوعده وتقديم الدعم العسكري في حربه ضد روسيا، لكن الصدر الأعظم تململ حتى يحصل منه على رشوة كبيرة، فحضر شارل الثاني عشر إلى إسطنبول ودفع له ما يريد، وفي اليوم التالي أعلن بلطجي باشا الحرب على القيصر، تحت ذريعة اجتياز الجيوش الروسية للأراضي العثمانية أثناء مطاردة ملك السويد.

القوات العثمانية خرجت من إسطنبول بقيادة بلطجي باشا لمحاربة روسيا القيصرية في أبريل عام 1711، ونجح بعد مناورات عسكرية في محاصرة الجيش الروسي الذي يقوده بطرس الأكبر بنفسه.

الصدر الأعظم حاصر الروس من جميع الجهات وكاد أن يأسر القيصر الذي استطاع أن ينجو منه بعد أن عرض عليه مجموعة من الخيول محملة بجواهر زوجته الملكة كاترين، إضافة إلى 230 ألف روبل بشرط التوقيع على معاهدة بروث، التي سمحت له بالانسحاب بجيشه في يوليو 1711.

خبر الرشوة الضخمة تسرب إلى السلطان، وحامت الشبهات حول 3 من كبار قادة الجيش حصلوا على مبالغ طائلة لتسهيل مهمة انسحاب الروس، بموجب معاهدة بروث التي خسرت الدولة العثمانية بسببها جزيرتي كريت وبلغراد وبلاد الصرب.

أصدر أحمد الثالث فرمانا بعزل بلطجي محمد باشا في 20 نوفمبر 1711، وتولية أغا يوسف باشا مكانه ليواصل رحلة فساد الصدر الأعظم في نهب خزائن السلطنة العثمانية.

Qatalah