يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لا تعرف الرحمة مكانا في قاموس الرئيس التركي رجب إردوغان، فمن ينتقده ينل نصيبه من الانتقام حتى لو كان طفلا أو مسنا، بأحكام سجن مشددة، صنعها على عينه في مطابخ المحاكم الموالية له، وصارت الوسيلة المضمونة لهذه الأحكام التعسفية تهمة جديدة حرص إردوغان على تثبيتها بعد تجديد ولايته، وهي تهمة إهانة الرئيس.

حكايات من دفتر القتل 
أرجين جوران هو مسن تركي يتجاوز عمره 78 عاما نشر على صفحته بموقع تويتر منشورات تنتقد سياسة إردوغان، ولم يكن يخطر بباله أن منشورا لا يتجاوز بضع كلمات في نقد الرئيس يمكن أن يحيل حياته إلى جحيم، حيث أصبح أرجين ضيفا دائما على المحاكم التركية وسط تهديدات بالسجن، عقابا على تهمة إهانة رئيس الجمهورية، حتى تفاجأ أرجين جوارن بصدور حكم بسجنه بالرغم من طمأنة محاميه له بأن المحكمة ستستخدم الرأفة، لكن ذلك لا يحدث في عهد إردوغان فلا رحمة لمعارض.
استشعر النائب العام التركي الحرج من هذا الحكم المستفز، فطالب المحكمة بإيقاف تنفيذ العقوبة واستخدام الرأفة للمتهم، لتستجيب المحكمة لطلب النائب العام، على مضض، لكن رجال النظام لم يكن ليسمحوا بتبرئة مواطن تجرأ على رئيسه، ولو كان شيخا مسنا، فطعنوا على القرار لتقرر محكمة الاستئناف تعديل الحكم مجددا ليصبح السجن لمدة 7 سنوات.

شاهين ألباي هو صحافي بجريدة "زمان" المعارضة، عمره 74 عاما تعرض للاعتقال لمدة عام بتهمة ارتباطه بمسرحية الانقلاب في عام 2016، وأفُرج عن ألباي بعد معاناة 20 شهرا دون مراعاة لكبر سنه، وقررت المحكمة أن يظل ألباي تحت رقابة قضائية قيد الإقامة الجبرية في منزله حتى انتهاء محاكمته.
ألباي أدرك أن إردوغان لن يغفر له،  ولم ينخدع الصحافي  التركي بحكم الإفراج، وقال فور صدور القرار :"سعيد بعودتي مجددا إلى أسرتي لكن لا أستطيع القول بأنني صرت حرا، تركت خلفي الآلاف في السجون ممن لا علاقة لهم بالإرهاب أو محاولة الانقلاب، أؤمن بأن تركيا لن تكون حرة ما لم يحرر هؤلاء"، شاهين ألباي قال إن حالته الصحية تتدهور باستمرار داخل محبسه، مشيرا إلى أن قوات الأمن اقتادته إلى مستشفى سيليفري القريب من السجن في 10 نوفمبر الماضى، بعد أن تقدم بتقرير إلى هيئة المحكمة يثبت الأمراض التي يعاني منها، جاء فيه أنه يعاني من فتق مزمن منذ عام 1986، وتوقف التنفس أثناء النوم، كما أوضح أنه مصاب بارتفاع ضغط الدم ومرض السكري وارتفاع الكوليسترول في الدم، وتليف الكبد وتضخم في البروستاتا وعقيدات ثنائية في الغدة الدرقية، ووجود تكيس على الدماغ، والتهاب القولون، بالإضافة إلى وجود ناسور، وضعف في السمع بنحو 30-35%، ومرض الأنف الوردية.
إنفر ألتايلي كاتب صحافي تركي يحمل الجنسية الألمانية عمره 73 عاما، عمل في وكالة الاستخبارات التركية في السبعينيات بالقرن الماضي، وكان يكتب مقالات نقدية لسياسات إردوغان، وجهت له السلطات التركية تهمة الصلة بجماعة المعارض فتح الله غولن فتم سجنه انفراديا،  طالبت زينب بوتينته، الابنة الكبرى لإنفر ألتايلي، ألمانيا بتحمل مسؤوليتها في الإفراج عن والدها، بعدما يأست من ظلم إردوغان، وفي عريضة قدمتها زينب للسلطات الألمانية كشفت أن والدها يزداد ضعفا يوما بعد يوم، لأنه يعاني من أمراض القلب والدورة الدموية، وقالت :"لا نعلم إلى متى سيتحمل السجن"، وأكدت زينب أن والدها لم يكن مطلقا عضوا في حركة غولن، ولا يوجد أي دليل على قيامه بالأنشطة التي تبرر الاتهامات الموجهة ضده.

"والد الأتراك" يسجن الأطفال بتهم سياسية 
قصة أخرى لقهر إردوغان لمعارضيه كان ضحيتها هذه المرة طفلا لم يتجاوز الـ 13 عاما، أشارت الصحف التركية إلى اسمه بحرفي " أ.ش"، كان  نشر على صفحته صورة إردوغان وكتب عليها "هل ترى يا أردوغان هذه الوحشية.. دون شك ستدفع ثمنها"، لكنه كان أقرب لدفع ثمن كلماته البريئة، فلم تمر أيام حتى اقتحمت قوات فرق مكافحة الإرهاب منزل الطفل واعتقلته، ليخضع لمحاكمة هزلية عاقبته بالسجن 3 أعوام و6 أشهر بتهمة إهانة رئيس الجمهورية.
رغب إردوغان في الظهور بمظهر المتسامح الطيب، فأعلن تنازله عن حقه في كل من أهانه، لكن الرحمة عند إردوغان لم تكن تشمل الطفل المسكين - ولا أحدا آخر في أرض الواقع- فاكتفى الرئيس الذي يعتبر نفسه أبا لكل الأتراك بتخفيف الحكم بدلا من السجن لمدة 3 سنوات إلى عام و9 أشهر مراعاة لعمر المتهم. 

3500 سجين مهددون بالقتل "إهمالا"
في 27 أغسطس 2018 توفي السجين كوتشار أوزدال البالغ 70 عاما  بعد معاناة من مرض السرطان، من داخل مستشفى أنقرة نومونة، حيث كان يتلقى العلاج بعد إحالته إلى هناك في 19 يوليو مرحلا من سجن سامسون بافرا، تشير التقارير إلى أن أوزدال لم يكن مصابا بأي مرض مزمن قبل دخوله السجن، إلا أنه أصيب بالسرطان وتدهورت حالته الصحية داخل محبسه بسبب الإهمال وتعمد تعذيبه.
وفي 19 يوليو الماضي نقل من سجن بافرا في مدينة سامسون إلى مستشفى نومونة بأنقرة، وفي 24 أغسطس فقد أوزدال وعيه، إلا أن ذلك لم يشفع له لدى مسؤولي الأمن الذين أبقوه مكبل الأيدي والأرجل، حتى فارق الحياة وهو مكبل الأيدي.
النائبة التركية عن حزب الشعوب الديموقراطية عائشة أجار باشاران تقول إنه في السنوات الـ 17 الماضية، توفي 3503 سجناء مرضى في سجون تركيا، مشيرة إلى أنه يتم تقييد السجناء المرضى وإجبارهم على السفر في سيارات السجن، وأن العاملين في مستوصفات السجون يتجاهلون مطالب السجناء بدلا من تقديم العلاج لهم، وحذرت النائبة من أنه إذا استمرت الحكومة التركية في ممارساتها الحالية ، فإن 1154 سجينا مريضا، بما في ذلك أكثر من 402 سجين في حالة خطرة، قد يتعرضون للموت.

Qatalah