يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عملية اغتيال الجاسوس التركي، عثمان كوسا، في إقليم كردستان العراق، والتي تمت في 17 يوليو الجاري لا تزال يحيط بها الكثير من الغموض، القتيل لم يكن موظفًا بالخارجية التركية مثلما تزعم حكومة أنقرة، وإنما هو عميل استخباراتي. 

شبكة "نورديك مونيتور" السويدية قالت إن كوسا كان ضابطًا في جهاز الاستخبارات التركي، وعمل تحت غطاء دبلوماسي، وقُتل إثر إطلاق النار عليه في شمالي العراق (إقليم كردستان)، في جريمة سببها أنه يعرف الكثير عن الأنشطة الاستخباراتية الإيرانية في تركيا.

"نورديك مونيتور" نقلت عن عدد من المصادر، رفضت الإفصاح عن هويتها، أن كوسا جرى إرساله إلى مدينة أربيل في إقليم كردستان العراق قبل حوالي ستة أشهر تحت غطاء دبلوماسي، وأنه كان يعمل على ملف إيران في الاستخبارات التركية قبل أن يطلب هاكان فيدان، رئيس جهاز الاستخبارات المعروف بتأييده لنظام الملالي، إرساله خارج البلاد.

مستبعد من ملف إيران
المصادر تقول إن إسناد تلك المهمة لكوسا استهدف إبعاده عن الملف الإيراني في المقر الرئيس للاستخبارات، والتخلص منه في جريمة قتل مأجور كان مخططًا لها، على أن يتم تحميل مسؤوليتها لحزب العمال الكردستاني.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يُتهم فيها حزب العمال الكردستاني بارتكاب جرائم قتل، لم يعلن قادة الحزب مسؤوليتهم عنها، بينما تستغل حكومة أنقرة عداءها للحزب في تحميله جرائم مختلفة، وهو الذي يخوض حربًا مسلحة للانفصال عن تركيا منذ عقود، وقتل خلال المواجهات بين الطرفين نحو 40 ألف شخص منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

وفق "نورديك مونيتور"، فإن الاستخبارات التركية تمتلك جواسيس داخل حزب العمال الكردستاني، مضيفة: "كشفت العديد من التحقيقات القضائية في الأعمال الإرهابية أن بعض ممن شاركوا في هجمات بالقنابل على مواقع للحزب، وقتلوا، كانوا يعملون في الواقع لصالح الاستخبارات التركية". 

وللتحقيق في مثل هذه القضايا، أمر ممثلو الادعاء في تركيا باستدعاء رئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان لاستجوابه حول دوره في مثل هذه الوقائع في 7 فبراير 2012، لكن إردوغان منع رئيس الاستخبارات من المثول للاستدعاء والإدلاء بشهادته. وأُسقطت الدعوى في وقت لاحق. 

عملاء في الخارجية
مصادر "نورديك" تقول إن كوسا لم يكن دبلوماسيًا وإنما هو عميل للاستخبارات التركية، التي غالبًا ما تستخدم مناصب في البعثات الدبلوماسية التركية في الخارج لتوفير غطاء لعملائها، مضيفة "إذا كان كوسا، البالغ من العمر 36 عامًا، دبلوماسيًا تركيًا في السلك الدبلوماسي كما ادعت حكومة إردوغان، لكانت أعلنت عن سجل خدمته". 

ولا توجد معلومات عن المكان الذي عمل فيه كدبلوماسي في الماضي، ولم يقام له عزاء في وزارة الخارجية، وهو أمر غير اعتيادي، فيما يزيد حضور هاكان فيدان جنازة القتيل ووقوفه في الصف الأول أمام نعش كوسا خلال مراسم الجنازة التي أقيمت في مسجد بالعاصمة التركية أنقرة الشكوك حول عمله الدبلوماسي.

كوسا كان في مهمة لمدة 6 أشهر، وكان من المتوقع أن يعود إلى تركيا في غضون أسبوعين، أي قبل عطلة عيد الأضحى، الذي يجري الاحتفال به بين 11 و15 أغسطس المقبل.

اتهام مظلوم
بدورها، أعلنت حكومة إقليم كردستان، المتواطئة مع إردوغان، أن مظلوم داغ، وهو رجل كردي يبلغ من العمر 27 عامًا من محافظة ديار بكر ذات الأغلبية الكردية في تركيا، مشتبه به في جريمة القتل. 

داغ هو شقيق درسيم داغ، نائبة حزب الشعوب الديمقراطي التركي المؤيد للأكراد عن ديار بكر، وهي أصغر نائبة في تاريخ البرلمان التركي وتبلغ من العمر 23 عامًا. 

قائد حزب العمال الكردستاني بهوز إردال، نفى عبر قناة "ستار تي في" في 24 يوليو الجاري، مسؤولية الحزب عن إطلاق النار على كوسا، لكنه أثنى على مرتكبي الجريمة، وقال إنها نُفذت على ما يبدو من قبل الشباب الذين كرسوا أنفسهم لحزب العمال الكردستاني. 

إردال قال إن كوسا ليس دبلوماسيًا، وإنما هو عميل للاستخبارات التركية، وكان مكلفًا بتنسيق شن الضربات على قيادة حزب العمال..

حسب معلومات "نورديك مونيتور"، تستعد تركيا لتسليم داغ، الذي يواجه بالفعل 5 قضايا جنائية في ديار بكر، وصدر بحقه مذكرة توقيف معلقة منذ عام 2014.

بعض وسائل الإعلام العراقية الكردية نقلت لقطات قالت إنه من يظهر فيها هو مظلوم داغ ومهاجم آخر مجهول الهوية، وبدا الاثنان يطلقان النار على التركي عثمان كوسا ورفيق له على الطاولة في المطعم الذي شهد عملية الاغتيال. 

وبعد إطلاق النار، قام داغ- وفق ما نشرته المنصات الكردية- على الفور بأخذ حقيبة كانت بجوار كوسا، وترى الشبكة السويدية أن الجريمة لم تكن تهدف فقط إلى القتل ولكن أيضًا لاستعادة الحقيبة التي أحضرها معه إلى الاجتماع في المطعم. وقال شهود إن المهاجمين استخدموا كواتم صوت في الهجوم.

قضية ضد الملالي 
عملية قتل كوسا تناسب نمطًا ملحوظًا في سلوك حكومة إردوغان الموالية لإيران، والتي شنت حملة تطهير واسعة استهدفت مسؤولي الأمن الذين تجرأوا على تتبع ورصد أنشطة إيران في تركيا في يناير 2014، عندما أُبلغت حكومة إردوغان بإجراء تحقيق سري بشأن "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني وجواسيسه. 

لم تطل الحملة محققي الشرطة فحسب، ولكن أيضًا المدعين العامين والقضاة الذين كانوا مشاركين في القضية منذ عام 2010، وتم التكتم على القضية قبل إصدار أوامر اعتقال بحق عشرات المشتبه فيهم، ومن بينهم ضباط كبار في الحرس الثوري الإيراني أوفدتهم طهران إلى تركيا.

كما كشف التحقيق الجنائي عن صلات رئيس الاستخبارات التركية هاكان فيدان بنظام الملالي، ووثق تعاونه السري مع جنرال في الحرس الثوري الإيراني وتسريب معلومات سرية.

جاسوس في أنقرة
التحقيق في القضية بدأ في 2010 بشكوى مقدمة في محافظة بورصة التركية من قبل زوجة حسين عوني يازجي أوغلو، الجاسوس الإيراني المعروف الذي أدين بمساعدة منظمة إرهابية والتواطؤ معها، والذي قضى أكثر من 3 سنوات في سجن أنقرة.

بعد إطلاق سراحه، انتقل يازجي أوغلو إلى إسطنبول لكنه حافظ على علاقات وثيقة مع هاكان فيدان واستمر في التواصل معه.

ويلجأ إردوغان إلى عمليات التطهير في جهاز الاستخبارات كلما استشعر الخطر، فقد قام بفصل وحبس 7% من ضباط الجهاز منذ عام 2013، عندما تم تجريمه هو وأفراد من أسرته في تحقيق حول جرائم "كسب غير مشروع" تورط فيه مواطنون إيرانيون.

ووفقًا لوثيقة سرية حصل عليها "نورديك مونيتور" وتم نشرها سابقًا، فُصِل 558 من موظفي الاستخبارات التركية. ومن بين هؤلاء، طُرِد 181 شخصًا فورًا بعد تحقيقات الفساد الكبرى في ديسمبر 2013، والتي كشفت عن قيام إردوغان بمعاملات تجارية مع رجل الأعمال التركي الإيراني رضا ضراب، الذي أدين في الولايات المتحدة ويحاكم هناك بتهمة التورط في اختراق العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران.

مصير ومكان بعض ضباط الاستخبارات المفصولين غير معروف حتى الآن، لكن وفقًا لمصادر "نورديك مونيتور"، فقد قُتل بعضهم.

اتهام واشنطن
وسائل الإعلام الموالية للحكومة في تركيا حاولت إلقاء اللوم في مقتل كوسا على الولايات المتحدة والدول المناهضة لإيران؛ فصحيفة "صباح" اليومية، المملوكة لعائلة إردوغان، نشرت مقالًا للكاتب فرحات أونلو في 21 يوليو الجاري قال فيه :"إن واشنطن ربما هي من تقف وراء جريمة القتل كما في حالة ضباط الاستخبارات التركية الذين قُتلوا في التسعينيات في كردستان، وذلك بسبب غضبها من شراء تركيا الصواريخ الروسية S-400".

وفي 23 يوليو، نظمت مجموعة مؤيدة لحكومة إردوغان بقيادة محمود آلان، رئيس جمعية شباب كور أوغلو Köroğlu Gençlik Derneği Başkanı، تجمعًا أمام السفارة الأمريكية في أنقرة احتجاجًا على مقتل كوسا، وألقى الحشود باللائمة على الحكومة الأمريكية في عملية القتل أيضًا، وهي مزاعم ترضى عنها حكومة العدالة والتنمية. 

 

Qatalah