يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


إنها سلطنة للضرائب والسخرة، ونهب الناس بالجباية وإثارة النعرات الطائفية، هذا ما أثبته غزاة الدولة العثمانية في بلد المليون شهيد، التي حولوها إلى مسرح للقتل والمواجهات، وتناحر القبائل، قبل أن يهب من بين أبناء الجبال والجزائر الحرة من يذيق وكلاء إسطنبول أمر العذاب.

ابن الأحرش اسم يعرفه الأتراك جيدا، لأنه ترك على ظهورهم آثار ضربات لا تمحى، بين عامي 1804و1807، لينتقم لوطنه وأهله من قهر المحتل، الذي أرهق الجزائريين بالضرائب والقمع، حتى تفجرت الأرض غضبا وثورة، لم تهدأ عاما بعد عام، حتى فرار العثمانلي.
وللأسف فإن سقوط الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي، جعل البعض يتجاهل جرائم الاحتلال العثماني وفظائعه للتركيز على طرد المحتل الأوروبي، لكن مع نيل الجزائر حريتها منذ أكثر من نصف قرن، كان ولابد من فتح الدفاتر المسكوت عنها.

القراصنة الأتراك

اعتمد العثمانيون على تقسيم المجتمع الجزائري طبقياً للتفرقة بين الناس من أجل ضمان السيطرة، وتم تقسيم المجتمع إلى جماعات بعضها عمل في خدمة السلطة مثل قبائل المخزن والمعاونة، ووجدت أخرى مستقلة مثل التجمعات الأمازيغية في الجبال والجنوب.



وقع على عاتق القبائل الرعوية، وكانت تمثل الغالبية، دفع ضريبة "اللزمة" وأعمال السخرة المعروفة بـ"التويزة" والمعونة، فضلا عن دفع رواتب الشيوخ والموظفين، والضيافة وتموين المدن التي يتمركز فيها الأتراك.
تناول المؤرخ ناصر سعيدوني في كتابه "الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لولايات المغرب العثمانية" نوعية العلاقة بين السلطة المركزية وسكان ولايات المغرب العربي، والتي كانت تقوم على فرض سطوة الأتراك وتحصيل الضرائب دون تقديم خدمات للسكان.

فرض الأتراك ضرائب العشور على الممتلكات الفردية ومنتجاتها من المحاصيل والماشية، بجانب أخرى شملت تقديم معونات عينية وأغذية، وخضعت الأملاك المشاعة بين القبيلة إلى مطالبات مالية عديدة، منها الغرامة والمعونة والخطية والمجبي، وهي تؤخذ عينيا أو نقداً، وكان يُطلب من قبائل الرعية تقديم مساهمات إضافية لفائدة القادة الترك والشيوخ والموظفين.

كان يجرى إرغام قبائل الرعية والفلاحين الأجراء على دفع الضرائب، والقيام بأعمال السخرة دون نيل حقوق أو إعفاءات، وفق "سعيدوني" الذي يضيف: "لعل ما جعل الضرائب الزراعية بصفة عامة في غير صالح الدولة والفلاح هو تعدد أصنافها واختلاف أنواعها، كما زادت طرق جمعها القائمة على الحملات العسكرية من شقاء الفلاحين".

القرصنة البحرية كانت مصدراً آخر لإثراء خزانة العثمانيين، لكنها تقلصت نتيجة محاربة الأوروبيين وانتصارهم على الأتراك في غير موقعة، وأدى ذلك إلى تحميل الفلاحين وسكان المدن في الجزائر عبء تعويض النقص، يذكر تومي رفيقة في دراسة "الحركات المعارضة للسلطة العثمانية في الجزائر" أن الولاية العربية شهدت وقتها تحولا اقتصاديا حيث كانت الخزانة فقيرة خاصة بعد أن قلت موارد البحر، ما دفع الاحتلال إلى البحث عن مصادر جديدة لملء الخزانة، بفرض الضرائب بالقوة ما أدى إلى تفجر السخط على الأتراك.



صراع قبلي

انتهج الاحتلال التركي تنظيم الحملات العسكرية على القبائل الممتنعة عن دفع الضرائب، وشن الغارات المفاجئة بهدف إخضاعها، وشجع الأتراك الصراع القبلي لإذكاء العداء والفرقة، وعمدوا إلى مناصرة البعض وتحريضهم ضد الآخرين، وشكل الصراع المزمن في الوسط القبلي عامل توازن حفظ للولاة العثمانيين نفوذاً ومكانة لدى رؤساء العشائر، رغم ما خلف من قتلى بالعشرات بين أبناء البلاد.
واستغل العثمانيون حلفاءهم من قبائل المخزن في فرض السلطة وجمع الضرائب، وفصلوا بين سكان المدن والريف.

تهجير السكان
آثار سلبية مدمرة لحقت بالريف الجزائري جراء سياسات القمع والجباية، وتحول جزء كبير من السكان إلى حياة البداوة والترحال وراء قطعان الماشية، هرباً من هجمات المحتل الانتقامية، وعمليات السلب والنهب، وتجنباً لضغط التجريدات العسكرية الموسمية، فتقلصت المساحات الزراعية بالمناطق الخصبة وتحولت إلى أراض بور.
كما تقلص عدد السكان في المناطق الساحلية، حتى غدت الواحات أشد حياة من الثغور الساحلية التي اقتربت من التخريب تماما، وباتت عرضة لهجمات الأوروبيين من الخارج ومصادرات الأتراك في الداخل.

يكشف تقرير فرنسي عام 1791 حال أهل الجزائر في تلك الفترة "اضطر قسم كبير من الأهالي إلى الالتجاء إلى المناطق الجبلية البعيدة، تناقصت المحاصيل الزراعية ولم تعد تفي إلا بحاجة السكان الضرورية، وتحولت ثلاثة أرباع الأراضي الوهرانية إلى مراعي للقبائل التي هجرت الزراعة هرباً من العسف التركي، وساهم في تقلص عدد السكان انتشار الأمراض والأوبئة، والتي زاد من خطورتها وتفشيها إهمال الأتراك لقواعد الصحة العامة والحجر الصحي".



ابن الأحرش المخلص

كان الريف الجزائري یعیش فوضى الصراعات مع سلطة الوالي العثمانلي نتيجة إرهاق الأهالي بالضرائب المجحفة وعنف الأتراك والتنكيل المستمر، وبعد تعبير خجول عن الرفض والعصيان، لم يجد شعب الجزائر بدا من الالتفاف حول أول ثائر على المحتلين، وفق ما ذكرت الباحثة حياة قرابن في دراسة "الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الجزائر أواخر العهد العثماني".

كان القائد المخلص هو الشيخ الحاج محمد بن عبد الله بن الأحرش المعروف بالبودالي نسبة إلى مدينة أبدال، من رجال العلم والدين في الطريقة الصوفية الدرقاوية التي نشطت شرق الجزائر، وقد هب لإنكار الظلم العثماني، ودعا أبناء بلاده للتخلص من نير الاحتلال.

في صيف 1804، أخذ ابن الأحرش يجمع الناس ويحرضهم على حمل السلاح ومهاجمة قسنطينة عاصمة شرق الجزائر، ولما فشل الهجوم الأول بسبب قلة النظام والانضباط، أعاد تنظيم الثوار وتنامى نفوذه بسرعة كبيرة حيث أيده المرابطون وقبائل الطوارق، ما ساعده على كسب تأييد الشعب، ووجد الأتراك صعوبة في القبض عليه واستعصى عليهم تحريض السكان ضده، وكانت المدن المشتاقة للحرية تسقط في يده الواحدة تلو الأخرى.
نجحت الثورة في إضعاف نفوذ البايات (الحكام الأتراك) بالأرياف وازدياد عزلة المدن، كما شجعت القبائل على رفض دفع الضرائب.

قتل الوالي التركي
لما عاد عثمان باي إلى قسنطينة عزم على إلحاق الهزيمة بابن الأحرش فخرج بقواته 1804، لكنه وقع في كمين نصبه الثوار الذين نجحوا في قتله، والاستيلاء على الأموال التي بحوزته التي نهبها من القبائل خلال حملته العسكرية، وسيطر الثوار على مناطق واسعة من الشرق، وأصبحوا قاب قوسين أو أدنى من دخول قسنطينة. 

لجأ الباي الجديد إلى انتهاج سیاسة الترغیب، فعمد إلى منح المكافآت وإعطاء الوعود وتخصیص الهدایا لأعیان المدن وشیوخ القبائل والزوایا الذين أبدوا معارضتهم لابن الأحرش، كما استعان بقبائل المخزن الموالية للسلطة ضد الثوار.



اغتيال الزعيم

وجد ابن الأحرش صعوبة في استكمال الثورة، فلحق بقوات ابن الشريف عبد القادر الدرقاوي مطلع عام 1807، وكان يقود الثورة في غرب الجزائر، وخاض بجانبه عدة معارك، حتى جرى اغتياله أثناء نضاله ضد الأتراك، ولف الغموض مقتله إذ لم يعرف بشكل واضح منفذ الجريمة حتى اليوم، فيما ألمح البعض إلى أن العثمانيين أوكلوا المهمة لأحد الخونة، لكن نار الثورة التي أشعلها لم تنطفئ بموته.

كان من أهم نتائج ثورة ابن الأحرش أنها كسرت سطوة الترك، وأقنعت الجزائريين بقدرتهم، وقوتهم في اتحادهم  للقضاء على سلطة البايات الفاسدة، كما شجعتهم على رفض دفع الضرائب وعصيان قرار السلطنة.

لم تذهب دماء ابن الأحرش سدى، فبفضلها انتقلت شعلة الثورة إلى أوساط القبائل الجبلية، في الجهات الشرقية والوسطى وامتدت إلى قبائل أولاد نائل في الجنوب، التي علت أصواتها برفض دفع الضرائب، بينما أشهرت السلاح في وجه الأتراك، لتتحول الجزائر إلى بركان ثائر كاد أهله أن يظفروا بحريتهم ويتطهروا من الاحتلال، لولا الظروف الدولية التي شهدت صعود الاستعمار الأوروبي، لتسقط البلاد عام 1830 في يد غزاة آخرين هم الفرنسيون، ويبدأ عصر جديد من الكفاح المسلح بانتصارات مجيدة على المحتل التركي، قدم فيه أبناء الأطلس أكثر من 1.5 مليون شهيد فداء للحرية.

Qatalah