يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


السكر والعربدة والشذوذ ودسائس القتل والانغماس في ملذات النساء.. صفات التصقت بالعديد من حكام الدولة العثمانلية البائدة، على مدار عقودها، حيث ورث الأحفاد التعذيب وسفك الدماء، والتصرفات الشاذة، عن جدهم الأكبر عثمان ابن أرطغرل.

كثير من حكام السلطنة العثمانلية، كانوا مكيافليين، مبدأهم "الغاية تبرر الوسيلة"، للدرجة التي جعلت بعضهم يحاول اتخاذ الماسونية وسيلة للانضمام إلى مصاف الدول العظمى، على الرغم من أنهم يظهرون بمظهر حماة الإسلام والمسلمين، في المقابل، دب الفقر والجهل مواطني الدولة، غير أن الحكام لم يأبهوا بذلك وراحوا ينشغلون بملذاتهم بعيدًا عن الشعب.

سليم الثاني "السكير"
انغمس سليمان القانوني في عشق الحريم، لاسيما جاريته الحسناء خُرم، ونسي كيف يعد خليفته على العرش، وهو ولده سليم السكير المعروف بمجونه، وأسرف في شرب الخمور، وقرب إليه حثالة الأتراك من السكارى والقوادين والشواذ، وتبنى مشروع الوطن اليهودي بفلسطين، كما أهمل شؤون الجيش فتلقى هزيمة ساحقة في معركة ليبانتو البحرية.

ولد سليم الثاني في 28 مايو 1524، بعد أن تولى سليمان القانوني العرش بأربعة أعوام، وكان سليم الأبن الأكبر للسلطانة خرم، وثارت الشائعات في القصر بأن سليم ابن سِفاح، لاسيما أن خرم كانت على علاقة مشبوهة بخادم أرمني، ولذلك أطلق الأمير مصطفى -الابن الأكبر لسليمان- لقب "ابن الأرمني" و"ابن اليهودية" على سليم، والذي اتخذته خرم سبيلا للوصول لقمة السلطة، بعد أن خططت لتولي ابنها العرش، على حساب باقي أبناء سليمان.

كان الأمير مصطفى بن سليمان القانوني هو ولي العهد، في الوقت الذي كان الأمير سليم واليا على مانيسا، وقد ورث سليم العرش بفضل مؤامرات والدته السلطانة خرم، والتي حاولت التخلص من مصطفى الذي فضح خيانتها لوالده، لكن سليمان القانوني انحاز لمخطط زوجته الجميلة، وقرر نقل وراثة العرش لولدها سليم، لاسيما بعد أن أصدر له شيخ الإسلام أبو السعود أفندي فتوى تجيز قتل الأمير مصطفى، بدعوى الحفاظ على عرش سليمان، فأمر الجلادون بقتله.

لم ينتهِ الصراع على وراثة عرش سليمان القانوني بمقتل الأمير مصطفى، إذ نشب الصراع بين الأميرين سليم وبايزيد على ولاية العهد، وتدخل سليمان بالانتصار لسليم، واختاره لأنه الأضعف والأقل موهبة في أمور الحكم، ويبدو أقل من أن يحاول الانقلاب على السلطان العجوز.

ثار بايزيد على قرار والده، وجمع حوله فرقا من الإنكشارية وأعلن الثورة على إسطنبول، لكن سليمان قمع جيوش ولده بكل وحشية، وهرب بايزيد إلى إيران في حماية الشاه الفارسي، وأرسل سليمان رسالة تهديد إلى الشاه، إما يسلمه بايزيد وأولاده الخمسة أو الحرب بين العثمانيين والإيرانيين، مما دفع الشاه إلى تسليم بايزيد وأولاده، وقام مبعوثو سليمان بقتلهم في الطريق، وعادوا برؤوسهم إلى إسطنبول.

وفاة سليمان القانوني
أخفى الصدر الأعظم محمد صوقولو باشا نبأ وفاة سليمان القانوني عن قصر طوب قابي، وأرسل لولي العهد سليم خطابا يبشره بتوليه العرش، واستقبل سليم صاحب الـ42 عاما نبأ وفاة والده بفرح شديد، بعد أن نجح مخطط والدته خرم في تنصيبه سلطانا على عرش آل عثمان، وانتقل سريعا من ولاية مانيسا إلى إسطنبول في سبتمبر 1566، وقيل إن دماء سلاطين آل عثمان قد تبدلت بتولي سليم السكير، لأنه ابن زنى من خادم أرمني، كما كان يردد الأمير مصطفى قبل مقتله، ليصبح -بحسب ذلك- 28 سلطانا من سليم الثاني وحتى عبد المجيد الثاني أبناء الأرمني وليسوا أبناء عثمان الأول.

رفض أغوات الإنكشارية الموالين للأمير مصطفى تنصيب سليم السكير سلطانا على عرش آل عثمان، لذلك استقبلوا سليم الثاني العائد من مراسم دفن والده بالثورة والتمرد، إذ طالبوا السلطان الضعيف بتوزيع هدايا ومنح عليهم، فلما رفض سليم أعلن الجند تمردهم، وطعنوا في شرعية السلطان، بعد أن اتهموه بتدبير قتل الأميرين مصطفى وبايزيد، ما أجبره في نهاية الأمر على الرضوخ لمطالبهم.

اشتهر سليم الثاني بكره الحياة العسكرية والحروب، ولم يذهب إلى ساحة القتال أبدا، الأمر الذي أثر على تاريخه بعد اعتلائه العرش، إذ بدأ عهده بسحب القوات العثمانية من الجبهة النمساوية، وفي يناير 1567 استقبل سفراء الدولة الصفوية وألمانيا وطلب منهم الصلح، ودفع لهما جزية سنوية في مقابل عدم التحرش بأراضي السلطنة.

سليم الماجن
اشتهر السلطان سليم الثاني باسم "سليم مست" أي سليم السكير، بسبب إسرافه في شرب الخمور، إذ أطلق العنان لشهواته البهيمية وقضى أوقاته يمارس الرذائل، ويذكر المؤرخون أن سليم كان ينزوي في غرفته بالقصر بحجة الاعتكاف والعبادة، حيث يقوم بشرب الخمر.

ورث سليم الثاني عن أجداده عشق اللواط بالغلمان، واختص لنفسه 50 من أجمل الغلمان والخصيان البيض، وتمادى في ولعه بالغلمان حتى أهدى أحد غلمانه قصرا ليلتقيا بمفردهما، ودربه على فنون المداعبة والرقص والعزف، كما ألقى 40 قصيدة شعر للتغزل في غلمانه.

دمية على العرش
ورث سليم عن والده عشق الجواري وترك السلطة في أيديهم، وأصبحت السلطانة نوربانو سيدة الحرملك، ولم يعد السلطان سليم الثاني ضعيف الشخصية  قادرا على اتخاذ أي قرار دون الرجوع إلى زوجته نوربانو، والتي لعبت دورا كبيرا في توجيه السياسة الداخلية والخارجية للسلطنة، تفوق على أي دور لعبته جارية من الحرملك، وأغرقت زوجها في شرب الخمر، فتغيب عن حضور جلسات الديوان الهمايوني، ولم يغادر حجرتها إلا ليطمئن الرعية أنه مازال على قيد الحياة.

أصبح الصدر الأعظم محمد صوقولو باشا الرجل الأول في السلطنة، ولم يكن ذلك بسبب قدرته السياسية الفذة، بل لكونه زوج الأميرة أسمهان ابنة سليم الثاني، التي قدم لها 4 أجزاء من الحجر الأسود مهرا كهدية زفاف.

في ذلك الوقت، واصلت السلطانة خرم أم سليم الثاني، سيطرتها على قصر طوب قابي سراي، وذلك عبر عدد من رجالها، وفي مقدمتهم، الوزير "داماد بياله باشا"، وهو زوج ابنة السلطان سليم الصغرى، والذي كان مدعوما من فرق الإنكشارية، كما فرض معلما السلطان، "عطاء الله أفندي" و"مصطفى لالا باشا" نفوذهما على السلطان ضعيف الشخصية.

زاد أيضًا نفوذ "الغضنفر" أغا الخصيان البيض بالقصر، والذي تعاون مع نوربانو زوجة سليم في قتل الأمير بايزيد ثم تنصيب زوجها على العرش، وأدار غضنفر أغا شبكة تجسس وتنصت على الأمراء والجواري لصالح السلطانة نوربانو، ولم يعد سليم الثاني قادرا على اتخاذ أي قرار دون الرجوع إليها، ولعبت دورا كبيرا في توجيه سياسات الدولة بمعاونة غضنفر، ما كان محل استياء واسع من الصدر الأعظم محمد صوقولو.

كما انبطح سليم أمام رغبات الإنكشارية، لاسيما بعد أن هددوه بالعزل، فأصدر فرمانا بإباحة شرب الخمر والبغاء لجنود الإنكشارية في عام 1570، وباتت ثكنات الإنكشارية بؤرة للمجون والدعارة المرخصة من الدولة، كما سمح لهم بإدمان مخدر الحشيش، وأصبح الإنكشارية يقضون نهارهم في النوم أو تحصيل الإتاوات، وليلهم في السهر إلى ساعة متأخرة يتسكعون في الشوارع.

سليم الصهيوني
استكمل سليم الثاني مشروع والده في تأسيس وطن قومي لليهود في مدينة طبرية الفلسطينية، لاسيما أن سليمان خشي على مستقبل طبرية من بعده فطلب من سليم التوقيع على وثيقة تملك يوسف ناسي -أول يهودي يقنع الخليفة العثماني بفتح قبرص من أجل النبيذ وإقامة وطن لليهود- لطبرية وسبع قرى حولها، باعتبارها من المدن الأربع المقدسة عند اليهود في فلسطين بالإضافة لمدن القدس وصفد والخليل، وقد حصل سليمان وسليم على مبالغ مالية من أثرياء اليهود بالسلطنة وأوروبا، لاسيما جراسيا منديس -المسؤولة عن بدء توطين الصهاينة  في فلسطين المحتلة-، ويوسف ناسي، في مقابل تدشين مملكة طبرية اليهودية.

فتح سليم أبواب طبرية للمهاجرين اليهود، وأخضع الأسطول العثماني لخدمتهم، كما منح يوسف ناسي لقب "لورد طبرية"، وجعل والي الشام تابعا له، وشرع يوسف ناسي في بناء أسوار المدينة، ودشن أول معبد يهودي بها، وشكّل ميليشيات عسكرية سماها "جنود الرب"، كما أدخل زراعة التوت لخدمة مصانع الأقمشة الحريرية التي تم تصديرها إلى أوروبا.

اعترض السكان العرب على سياسة توطين اليهود في طبرية، وقدموا شكوى إلى سليم الثاني تفيض بالألم على حال أراضي المسلمين التي اغتصبها اليهود، لكن السلطان لم يلتفت لصرخاتهم، بل وأرسل قوات إنكشارية لتعزيز موقف يوسف ناسي العسكري، وكان رد فعل السكان العرب أن نظموا حركة مقاومة مسلحة ضد ميليشيات "جنود الرب" اليهودية، فقدم يوسف ناسي شكوى للسلطان، والذي أمر والي الشام بالقبض على المعارضين للكيان الصهيوني ونفيهم إلى صحراء العراق.

احتلال قبرص
أصبح سليم السكير ألعوبة في يد اليهودي يوسف ناسي، لاسيما بعد أن عينه مستشاره السياسي، وهو ما استغله ناسي في تدشين إمارة يهودية في وسط البحر المتوسط، خاصة جزيرة قبرص، وساق لذلك حجة سال لها لعاب السلطان المخمور، إذ قال يوسف: "إن نبيذ قبرص هو أعظم نبيذ العالم"، فهتف سليم قائلا: "ستكون ملكا على قبرص".

أرسل سليم القائدين مصطفى باشا وأحمد باشا لغزو جزيرة قبرص، وتمكنا من احتلالها بعد عدة معارك بحرية مع أسطول جمهورية البندقية الإيطالية، كما احتلوا إحدى الجزر المجاورة لقبرص وهي جزيرة "ناكسوس"، وأعلن يوسف ناسي نفسه ملكا لليهود بطبرية وقبرص وناكسوس برعاية سليم الصهيوني.

عار ليبانتو
ثارت أوروبا على احتلال سليم الثاني لجزيرة قبرص، لاسيما بعد أن سلمها ليوسف ناسي اليهودي، وعقد البابا بيوس الخامس وفيليب الثاني ملك أسبانيا وجمهورية البندقية ورهبان جزيرة مالطة معاهدة في مايو 1571، تعهدوا فيها بالقيام بهجوم بحري ضد العثمانيين، وشكلوا أسطولا من 231 سفينة هاجمت الأسطول العثماني.

تلقى سليم الثاني هزيمة مروعة في معركة ليبانتو في 7 أكتوبر 1571، والتي تقع على سواحل ميناء ليبانتو اليوناني بالقرب من خليجي باتراس وكورنثوس، وكان مؤذن زاده علي باشا قائد الأسطول العثماني، والمعروف بفشله في عدة معارك بحرية، إلا أنه ارتبط بعلاقة صداقة وطيدة مع الصدر الأعظم محمد صوقولو باشا، دفعت الأخير لتعيينه قائدا للأسطول العثماني.

رفض مؤذن زاده باشا مشورة معاونيه بالتحصن في خليج إحدى جزر البحر المتوسط، وصمم على ملاقاة الأساطيل الأوروبية في مياه البحر بقرب الساحل، وأيده في رأيه برتو باشا الرجل الثاني في الأسطول العثماني، واللذان لم يكونا من القادة البحريين ولكنهما من قادة الجيش البري.

بدأت مدافع الأساطيل الأوروبية بالهجوم، وقصفت مؤذن زاده باشا بوابل من النيران، حتى قتل في صراع بين سفينته وسفينة "دون جون" -ابن الإمبراطور الأسباني كارلوس الثاني- قائد القوى المتحالفة، كما دُمرت أغلب سفن قلج علي حاكم الجزائر.

أسفرت معركة ليبانتو عن تدمير 142 سفينة عثمانية، واستيلاء التحالف الأوروبي على 60 سفينة أخرى، وقُتل 1500 من البحارة العثمانيين، بالإضافة إلى الاستيلاء على 300 مدفع عثماني، وكانت الهزيمة نقطة تحول في تاريخ البحرية العثمانية، وسقطت أسطورة "البحرية العثمانية لا تُهزم"، والتي روج لها سليمان القانوني من قبل.

لم يشعر سليم الثاني الخجل بعد عار الهزيمة في معركة ليبانتو، فقد استقبل بحفاوة بقايا الأسطول المنكسر، ومنح برتو باشا وسام البطولة، كما رقى قلج علي إلى رتبة " قبودان باشا" أي قائد البحرية العثمانية، مع استمراره في منصب والي الجزائر.

كانت معركة ليبانتو فرصة مواتية لإظهار أطماع فرنسا نحو المغرب العربي، إذ قدم ملك فرنسا شارل التاسع مشروعا إلى سليم الثاني بواسطة سفيره بإسطنبول في فبراير 1572، يتضمن طلب الترخيص لحكومته في بسط نفوذها على الجزائر، مقابل حماية الأسطول الفرنسي للسواحل العثمانية من هجمات التحالف الأوروبي الذي يقوده البابا وإمبراطور إسبانيا، وبعد مفاوضات استمرت أسبوعين منح السلطان لفرنسا امتيازات تجارية وسياسية في مقابل التحالف العسكري بينهما.

سفاح تونس
وجه سليم الثاني جيوشه لاحتلال تونس في مايو 1574، بحجة تخليصها من الاستعمار الإسباني، فأصدر أوامره إلى وزيره "سنان باشا" والقائد "حيدر باشا" والقبودان "قلج علي" بالاستعداد للتوجه إلى تونس، وشنت قوات سليم هجوما بريا وبحريا على المدن التونسية، ورغم أن القوات الإسبانية كانت متحصنة في القلاع، إلا أن المدن التونسية لم تنج من قصف المدفعية العثمانية. 

بدأ سنان باشا حملته العسكرية على تونس بالاستيلاء على قلعة حلق الوادي، ثم اتجه إلى منطقة "البستيون" ففرض حصارا عليها استمر 25 يوما، وعانى خلالها الأهالي الجوع، بعد أن قطع عنها العثمانيون الإمدادات الغذائية، الأمر الذي دفع أهالي المدينة إلى الاستسلام، بعد أن حصدت مدافع وبنادق سنان باشا أرواح 750 شخصا.

توالى سقوط المدن التونسية في يد سنان باشا تحت إرهاب المدافع والبنادق، وخلف الغزو العثماني لتونس أكثر من 20 ألف قتيل، وفور وصول أنباء غزو تونس إلى سليم أمر بإعدام زعماء القبائل المعارضين للاحتلال العثماني، وكلفه بفرض المذهب الحنفي على أهالي تونس المعتنقين للمذهب المالكي، وسمح له بفرض ضرائب على التونسيين لتعويض تكاليف الحملة العسكرية.

اتبع سنان باشا سياسات تعسفية تجاه أراضي القبائل البدوية، واعتبروها أملاكا تابعة للسلطان، ثم وزع منها على قادة الفرق العسكرية كإقطاعات، وسمح لجنود الإنكشارية بنهب أسواق تونس، فهجموا على المحال التجارية بالعاصمة واستولوا على البضائع وقتلوا التجار، الأمر الذي دفع الأهالي إلى الفرار خارج المدينة إلى ناحية زغوان شمال شرق تونس.

نهاية سكير
أسرف سليم الثاني في شرب الخمر ومعاشرة الجواري والغلمان طوال 50 عاما، ولقي جزاء ما اقترف من الموبقات والرذائل، وجاءت نهايته بعد حفلة مجون صاخبة، تناول فيها الكثير من الخمر حتى كاد يغيب عن الوعي، وقضى نحبه في تلك الليلة بعد انزلاق قدمه أثناء استحمامه في قصر طوب قابي في 15 ديسمبر 1574.

Qatalah