يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


26 أكتوبر 2018 احتجاجات شعبية مدافعة عن البيئة تتزايد في أنحاء تركيا

في الوقت الذي يتعرض فيه المجتمع المدني التركي لحملة قمع واعتقالات، تتسع موجة من الاحتجاجات الشعبية المدافعة عن البيئة ردا على عشرات المشروعات العملاقة التي تغير الاقتصاد والمناظر الطبيعية. 

وباتت احتجاجات "ليس في فنائي الخلفي" المناهضة للمشروعات التي لا تحظى بشعبية على المستوى المحلي شائعة في كل مكان، لكن خلفيتها في تركيا أكثر تعقيدا. 
كانت المواقف تجاه المشروعات الحكومية إيجابية بشكل ساحق عادة، ولا سيما في الريف الذي طالما تعرض للإهمال.

وقال إبراهيم يالجين النشط المدافع عن البيئة في مدينة البستان في جنوب البلاد "عندما بدأ إنشاء أول محطة للكهرباء قبل نحو 32 عاما، كان الجميع في البستان سعداء". وأضاف "كانوا يفكرون في فرص العمل وفي أن الاقتصاد سوف يتطور. لكن الأمور لم تسر وفق التوقعات". 

بعدما لم تتحقق الآمال في الوظائف والتنمية، بدأ الناس يتساءلون عن جدوى التضحية بأرضهم الزراعية ونمط حياتهم. دمرت مناجم الفحم الحجري المفتوحة الأرض، بينما نشرت الرياح الرماد من المحطة وغبار الفحم من منشآت التعدين. 

كشفت الدراسات عن "مستويات تلوث خطيرة" في المنطقة، مع وجود نسب عالية من المعادن الثقيلة السامة. ألحق تلوث المياه الضرر بالحياة المائية والتربة. كما أن جودة العسل "تأثرت سلبيا".

عندما جرت خصخصة مصنع مهمل للورق في محافظة باليكسير في شمال غرب البلاد وبيعه لشركة البيرق القابضة، ابتهج الناس. وقال النشط المحلي مراد كاراجان "كان السكان يعتقدون أنه سينتج الورق مرة أخرى، وأن الملاك الجدد سيوفرون فرص عمل". لكنه علم أن المصنع القديم سيتم تحويله إلى محطة كهرباء تعمل بالفحم. وقال "حصلنا على تقرير تقييم الأثر البيئي. قال إن المحطة سوف تحرق 525 طنا من الفحم المستورد يوميا".

ومن بين كثير مشروعات البنية التحتية الكثيرة في أرجاء تركيا، تعد محطات الكهرباء الأكثر إثارة للجدل. 

وقال ممثل لجرينبيس أكدينيز، الفرع التركي للمنظمة العالمية المعنية بالدفاع عن البيئة "في الوقت الذي تلتزم فيه معظم البلدان الأوروبية بالتوقف عن استخدام الفحم، لا تزال تركيا تخطط لبناء محطات كهرباء جديدة تعمل بالفحم، فضلا عن محطات نووية جديدة".

والتلوث الناجم عن محطات الكهرباء التي تعمل بالفحم خطير وواضح جدا أيضا، فيما يثير الانتباه ليس فقط بشأن مخاطره وإنما بشأن التأثير على البيئة بوجه عام.  

وقال ممثل جرينبيس أكدينيز "من أجل تقليص تأثير تلوث الهواء، يتم تخطيط تلك المحطات عموما لتكون خارج المدن، أو في أراض زراعية منتجة أو في مناطق الغابات". وأضاف "رفع وضع الحماية الذي تتمتع به الأراضي والغابات هو مبعث قلق رئيسي للسكان. غير أن السكان المحليين باتوا أكثر وعيا  بأثر الفحم المدمر للمناخ على مستوى العالم". 

وقال يالجين "بدأت المشاركة في الكفاح من أجل البيئة في البستان عندما حاولوا بناء مصنع للفحم الحراري على بعد 1200 متر من القرية التي أعيش فيها".

وقال "لم نكن نريد أن يتم تدمير موطننا. عندما جاءت السلطات إلى القرية قلنا لهم بصوت عال إننا لا نريد محطة للكهرباء في قريتنا".

وقالت تولين يلدريم ممثلة منظمة (350 أنقرة) التي تراقب المشكلات البيئية في تركيا "مبعث قلقهم الرئيسي هو صحتهم، أمنهم الغذائي". وأضافت "يخشون على مستقبلهم، عندما تدمر المشروعات أعمالهم، وهي عادة الزراعة أو تربية الحيوان. إذا علموا معلومات أساسية بشأن مشروعات، يذكرون تلك المخاوف للسياسيين". 

ومعظم تلك الاحتجاجات ليست لها دوافع سياسية، بل على العكس، فهي كثيرا ما تحدث في مناطق تعتبر معاقل للحزب الحاكم.

قال ممثل جرينبيس أكدينيز "الاحتجاجات المحلية المدافعة عن البيئة ليست جديدة بالنسبة لتركيا. فقد كافح القرويون المحليون لسنوات طويلة للحفاظ على مواطنهم". وأضاف "الآن تتصدر عناوين الأخبار لأنهم أصبحوا أكثر تنظيما، علموا كيفية التعامل مع المشكلات البيئية وكيف يرفعون أصواتهم".

ومن بين الآثار الجانبية للتنمية في الريف زيادة انتشار التعليم وسهولة الاتصالات. يجد القرويون حالات مماثلة على الانترنت ويتصلون بالنشطاء والمحامين والمنظمات المدافعة عن البيئة. وبات الشبان الذين يدرسون أو يعملون في المدن الكبرى أكثر وعيا بالقضايا المتعلقة بالبيئة ونمط الحياة، ويرفضون قبول الرواية الرسمية. 

تدعو السلطات إلى اجتماعات بالمجالس البلدية يتم فيها شرح المشروعات ويمكن للناس أن يعبروا عن مخاوفهم، لكن المحتجين يقولون إن مثل تلك الاجتماعات لا يتم الدعوة لها قبل انعقادها بوقت كاف وإنها لا تقدم سوى معلومات قليلة أو معلومات مضللة. 

ويقول يالجين "لم نكن نعلم شيئا عن المحطات الحرارية ولم تكن لنا أي خبرة بخصوص منعها". وواجه السكان في البستان السلطات مستفيدين من تجارب قرى أخرى. وقال "بدأنا إجراء بحث سريع. اتصلنا بالصحف التي نعرفها. اقترح صديق لابني الاتصال بمنظمة 350 أنقرة من أجل الحصول على المشورة. قمنا بزيارة كل مؤسسة في البستان لتكوين جماعة من المتطوعين. وقمنا كجماعة بدراسة تقارير تقييم الأثر البيئي". 

وأوضح أوندر ألجيديك مؤسس منظمة 350 أنقرة قائلا إن تقرير تقييم الأثر البيئي "يجب أن يحصل على موافقة وزارة البيئة والمدن". وأضاف "إذا تمت الموافقة عليه، فلك الحق في الطعن عليه بالمحكمة. إذا قالت المحكمة إنه غير كاف، يتم رفض التقرير ويحق للمستثمر إلغاء الاستثمار أو إعادة تقديم طلب". 

لكن لا يحق للجميع الطعن أمام المحكمة. وقال خبير قانوني في جرينبيس أكدينيز "بموجب القانون التركي، يحق للأشخاص المعنيين بالأمر فقط، أي الذين يعيشون فقط بالقرب من المشروع، رفع دعاوى قانونية ضد المشروعات الضارة بالبيئة". وأضاف "على الجانب الآخر فإن الجمعيات التي تجعل من الدفاع عن حماية البيئة هدفها القانوني يحق لها رفع دعاوى" وذلك بفضل قرار قضائي صدر في الآونة الأخيرة. وقال "هذا القرار تستخدمه الكثير من الجمعيات المدافعة عن البيئة في كثير من القضايا باعتباره سابقة قانونية".

في باليكسير، جمع نشطاء أكثر من 8000 توقيع ضد خطة تحويل مصنع الورق إلى محطة للكهرباء. وفي مايو 2018 ألغت المحكمة تقرير تقييم الأثر البيئي.

قال كاراجان "قبل رفع الدعوى أمام المحكمة، يجب قراءة تقييم الأثر البيئي بعناية شديدة. ويجب توضيح الأضرار الناتجة عن الوقود الحفري جيدا في الطعن". وعادة ما تكون المشروعات مطالبة بتوليد الكهرباء لتعزيز النمو في البلد الذي يفتقر إلى النفط. وقال "هذه نقطة مهمة: فشل محطات الكهرباء التي تعمل بالفحم في إنتاج الطاقة بطريقة إيجابية يمكن إثباته باستخدام أهداف التنمية المستدامة".

نجح النشطاء في البستان في وقف إنشاء محطة الكهرباء المزمعة التي كانت ستعمل بالفحم. لكن القانون المشدد لمكافحة الإرهاب الذي يسمح بمحاكمة النشطاء يمنع تنظيم احتجاجات واسعة أو تعطيل أي من مشروعات الحزب الحاكم الكبيرة. 

ورفضت محكمة طعنا قدمه سكان ضد فتح منجم للنحاس في قضية حظيت بتغطية إعلامية كبيرة في سيراتيب في محافظة أرتفين بشمال شرق البلاد. وسحقت شرطة مكافحة الشغب الاحتجاجات. 

قال الخبير القانوني في جرينبيس أكدينيز "للأسف الصورة العامة ليست واعدة. خلال السنوات القليلة الماضية، جرى تعديل كثير من القوانين واللوائح لفتح مناطق محمية أمام محطات للكهرباء ومشروعات بناء". وأضاف "هذا الموقف السياسي لصناع القرار والمشرعين أثر أيضا على المحاكم، وجاءت الأحكام القضائية في الآونة الأخيرة في أغلبها مؤيدة للمشروعات الكبيرة على حساب الحق في العيش في بيئة صحية".

وبرغم ذلك، يزداد الوعي البيئي. ويبدي المجتمع المدني في تركيا صمودا يفتقر إليه المراقبون الذين يركزون على القمع والاعتقالات في المدن الكبرى. 

وقال ممثل جرينبيس أكدينيز "في كل أنحاء العالم عندما تكون معارضا للشركات الكبرى أو صناع القرار الذين يدمرون البيئة، يكون عملك كناشط مدافع عن البيئة صعبا". وأضاف "الصعوبات في تركيا أكبر منها في البلدان الأوروبية الأخرى". 

نقلًا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah