يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


دولة لم تبلغ من العمر 100 عام، وقبائل لم تبلغ من التاريخ ألف عام، لا يمكن بحال أن يتخلوا - طواعية - عن نزعة التوسع وأطماع الاحتلال وغريزة العدوان والسيطرة.. وهذا ما يفعله الأتراك منذ اجتياحهم الأناضول.

لسورية نصيب وافر من هذه الأطماع، حيث قبض العثمانيون عليها بالقوة ووضعوها درة تاج سلطانهم في إسطنبول، قبل أن يجردهم منها الحلفاء بعد هزيمتهم قبل قرابة القرن.

بذل الأتراك محاولات مضنية لاستعادة احتلال هذه الأرض العربية واستعباد شعبها من جديد، بل إن مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية، حاول ضمها في مراحل مختلفة من حكمه، لكنه فشل فيما عدا استقطاع مناطق حدودية على رأسها لواء إسكندرون الشهير. 

عادت غريزة الاستعمار والتوسع تسيطر على أنقرة مجددا، يؤجج نارها الرئيس رجب طيب إردوغان الذي يلعب الدور الأبرز في تخريب سورية، بدعم الجماعات الإرهابية المقاتلة هناك، واحتلال شمال سورية فعليا، ثم اتباع سياسة تتريك للمنطقة بتهجير السكان العرب والأكراد الأصليين، واستبدالهم بعناصر من التركمان والمجموعات الموالية له. 

 

أتاتورك يتخلى عن "العثمانية" ويتمسك باغتصاب سورية
تتبنى الحكومة في أنقرة - منذ تأسيس الجمهورية- بث دعاية شعبية زائفة بين الأتراك والشعوب المجاورة تزعم أن سورية جزء تم اقتطاعه من الإمبراطورية العثمانية.

ورغم طي صفحة الماضي العثماني، منذ قيادته حرب التحرير التركية (1919 ــ 1923) ضد الحلفاء، لم يتخل أتاتورك عن أطماع السيطرة على سورية، وسرقة المنطقة الممتدة على خط (هاتاي ــ حلب ــ الموصل)، وضمها إلى حدود تركيا.

وتمكن أتاتورك من احتلال كل ما كان تابعًا لولاية حلب مدن (أورفة ــ عنتاب ــ كلس)، قبل توقيعه اتفاق هدنة مع الفرنسيين في اجتماع أنقرة 1921، وكانت تلك المناطق وفق معاهدة "سيفر" 1920 تتبع الأراضي السورية، وتخضع للانتداب الفرنسي. 

حدد اتفاق "سيفر" الحدود السورية، وجعل الحد الفاصل مع تركيا خطًا يبدأ من غرب مدينة جيهان، ويمتد شرقا على مسار خط السكة الحديد التي كانت تمر إلى الشمال من عنتاب وأورفة وماردين وصولا إلى نهر دجلة.

لم يشبع أتاتورك بهذه اللقمة السائغة، فراح يفتش عن أراض سورية جديدة، مكنه منها اتفاق لوزان 1923، وفي العام 1939 إبان الحرب العالمية الثانية كانت سورية لا تزال تحت الانتداب الفرنسي، شعرت فرنسا بالحاجة إلى كسب الود التركي فتنازلت لها عن لواء إسكندرون تحت ذرائع واهية منها أن غالبية سكانه من الأتراك، وعلى الفور رحب أتاتورك بالعرض الفرنسي المغري. 

حاولت أنقرة كسب أراض جديدة خلال العام 1958، عندما دخلت مع إيران الشاه بدعم من بريطانيا في حلف بغداد، إذ هددت سورية المناوئة للحلف وحشدت قواتها على حدودها، ما دفع دمشق إلى الدخول في وحدة مع القاهرة، لمواجهة التهديد التركي. 

خلال فترة حكم الرئيس حافظ الأسد، حشدت تركيا قواتها على الحدود في العام 1998، وهددت بالهجوم بذريعة دعم سورية للأكراد، ما اضطر الأسد للتوقيع على اتفاق أضنة الذي يمتنع بموجبه عن المطالبة باستعادة لواء إسكندرون، ولا توجد تفسيرات حقيقية لدوافع دمشق للتخلي عن تلك المنطقة، باستثناء أنها كانت في موضع ضعف لا يمكنها من مواجهة الأتراك عسكريًا.

كانت دمشق حريصة على تدويل قضية لواء إسكندرون، بعد جلاء الفرنسيين في 1946، إلا أن واشنطن لعبت دورًا في عرقلة القضية بسبب تحالفها مع تركيا خلال تلك الفترة.

 

فتاوى النورسي وباديلي.. وقود التحريض على احتلال دمشق
يلجأ الساسة الأتراك لتوظيف فتاوى الشيوخ في حرب الاستعمار المفتوحة ضد سورية، ومن بينها فتوى سعيد النورسي المعروف بـ"بديع الزمان"، أحد أشهر علماء الدين الأتراك، بجواز ضم سورية إلى تركيا، يقول النورسي في إحدى مطبوعاته :"النظام السوري كانت له وعود كثيرة لتركيا التي شجعته، من أجل تحقيق الديموقراطية، لكن للأسف لم يفِ بأيٍّ من وعوده، وإذا لم يتوقف عند حدّه فإن من حقنا التدخل".

وقال عبد القادر باديلي - أحد تلاميذ النورسي - خلال إحدى المقابلات الصحافية العام 2014 - إن أستاذه كان يؤكد أنه إذا ما ذهب إلى مدينة أورفا - أراض سورية ضمها أتاتورك في 1921 - لن يعود إلا إذا أصبحت دمشق تتبع أنقرة، وكان يقول: "لا أستطيع أن أراهما دولتين مستقلتين".

وأفتى باديلي بدوره بأن "الشعب يتعرض للاضطهاد على يد الأقلية العلوية منذ 40 سنة، وأن تطورات الأمور تدفع أنقرة إلى التدخل"، وقال: "إذا تدخلت تركيا في سورية ستتحولان من دولتين إلى دولة؛ لتتمِّم إحداهما نقص الأخرى من شتى النواحي العسكرية والاجتماعية، ومن الممكن أن تكون الجارة ولاية تابعة لنا مثلما كان الوضع في عهد الدولة العثمانية".

كان باديلي - توفي العام 2014 - يؤكد أنه يجب على المسلم أن يساعد أخاه المسلم، وأن التدخل التركي ليس له أية موانع شرعية، ويردد: "مدّ يد العون ضروري، المسلم يجب أن يساعد أخاه المسلم ونرى أمام أعيننا بأن 8% من الأقلية النصيرية التي لا تعرف الدين والإيمان (حسب كلامه) تظلم الأكثرية المسلمة، فيجب على كل المسلمين مساعدة إخوانهم السوريين".


 

تسريب صوتي يفضح رئيس المخابرات: الرئيس يريد ذريعة للحرب مع دمشق
توارث إردوغان أطماع أجداده، ووجد الفرصة مواتية لإطلاق غريزة التوسع، مستغلًا الانتفاضة الجماهيرية التي حدثت في سورية في العام 2011، وتمكن من إدخال جيوش من الجماعات الإرهابية إلى القرى والمدن السورية لتخريبها، حيث ساعده الإرهابيون على احتلال شمال سورية كله تقريبا. 

وكشف تسريب صوتي لرئيس الاستخبارات التركية أذيع في 24 مارس 2014، لكل من وزير الخارجية آنذاك أحمد داود أوغلو ومستشار وزارة الخارجية فريدون سينيرلي أوغلو ورئيس المخابرات هاكان فيدان والقائد الثاني لرئاسة الأركان فريق أول ياشار جولر، عن فضيحة مدوية للنظام التركي وخططه التآمرية لشن حرب على سورية.

وبحسب فحوى التسريب الذي نشرته صحيفة Diken التركية، ناقش المسؤولون المجتمعون رغبة الرئيس رجب إردوغان في افتعال ذريعة للتدخل العسكري في سورية وضرب دمشق، حيث أوضح رئيس المخابرات أنه من الممكن إرسال 4 من رجالهم إلى دمشق ليلقوا صواريخ على أنقرة، وتوفير ذريعة التدخل العسكري، لافتا إلى أن الحدود ليس عليها رقابة صارمة، وقال إنه سيتم إرسال نحو 2000 شاحنة من الذخائر إلى المعارضة.

واقترح رئيس المخابرات شن هجوم على ضريح سليمان شاه المقام في سورية، وذلك في إطار بحثهم عن ذريعة، وهو ما تم نقله لاحقا إلى مكان قرب الحدود التركية.

تسبب التسريب في صدمة لحكومة إردوغان، الذي سارع لإصدار قرار منع النشر في قضية التسريب، وحجب المواقع التي تعمل على نشرها، واتهم حركة الخدمة التي يقودها غريمه السياسي فتح الله غولن، بالوقوف وراء التسريب، فيما رجح مراقبون أن قيادات عسكرية معارضة هي من وقفت وراء التسريب الفاضح. 

 

إردوغان يخطط لتحويل سورية إلى وطن بديل لـ "الإخوان"
يستهدف إردوغان تحقيق مكاسب عديدة من بسط السيطرة على سورية، إذ يخطط لتحويل الشام إلى دولة إخوانية بديلة، تقودها جماعة الإخوان المسلمين الموالية له، بعد سقوطها نهائيا في مصر وتفكيك التنظيم كليا، كما يستهدف من ذلك بسط توسعه على شمال العراق، إحياء لخريطة الهيمنة العثمانية على المنطقة العربية.

وتعد سورية من أهم المراكز الجيوسياسية والاقتصادية بالنسبة لأطراف المعادلة الدولية الرئيسية،  فإطلالها على ضفة البحر المتوسط الشرقية تجعلها بوابة ساحلية للقارة الآسيوية، المحور الأطلسي (الاتحاد الأوروبي) الممثل لقوى البحر التجارية (التالاسوكراتيا) - الدول التي ترى أن نفوذها يبدأ من السيطرة على البحار والمحيطات المهمة - يحتاج إلى موقع سورية، لمحاصرة المحور المقابل له وهو المحور الشرقي المتمثل في روسيا والصين (التيلوروكراتيا) - الدول التي ترى أن نفوذها يبدأ من السيطرة على البر.

 

 

موقع سورية يربط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، وهي بذلك تقع على تقاطع خطوط التبادل والتجارة بين القارات الثلاث، كما أن أميركا وبعض الدول الغربية تريد السيطرة عليها من أجل مد خطوط الطاقة من الخليج العربي إلى أوروبا؛ لكسر حاجة الغرب إلى الغاز الروسي، وجعل أراضيها ممرا لاستيراد وتصدير البضائع إلى دول الخليج العربي.

Qatalah