يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


هل يمكنك تخيل تركيا دون سميط؟! هكذا يدور الحديث الهامس بين المواطنين الأتراك خشية أن تطالهم آلة قمع الديكتاتور رجب طيب إردوغان، الذي تحول إلى لعنة غيرت معالم حياة المواطن التركي البسيط، فالسميط أشهر وجبة ينتجها الأتراك لأنفسهم وللسائحين، مهددة بالانقراض، تتعرض لزوال يعكس الكثير من المتغيرات التي تشهدها تركيا حاليا، وتهدد ذكريات المواطنين بالضياع، تمحو معالم حياتهم اليومية ليعاد رسمها حسب أهواء إردوغان وسياساته الفاشلة.

السميط التركي يبدو أنه سيكون الضحية الجديدة لقرارات الديكتاتور الاقتصادية الطائشة، فبعد أن قاد البلاد إلى أزمة اقتصادية عنيفة، تجلت في زيادة قياسية في الدين العام، وتدهور حاد في سعر الليرة، لينعكس الأمر على صناعة السميط، المهددة بالتوقف بسبب الارتفاع القياسي في أسعار السمسم، المكون الرئيس في المنتج التركي الشهي. 

خفض الإنتاج 
تأثر السميط سريعا بالأزمة الاقتصادية التي هزت تركيا، ومع حلول العام الجاري ارتفع سعر حلقة السميط إلى 1.5 ليرة، بعد أن كان ليرة واحدة.
لكن الأسوأ لم يأت بعد، فرئيس غرفة المعجنات التركية في أنقرة أحمد يالتشين ينذر بارتفاع جديد في أسعار السميط، وتوقع تراجع إنتاجه، فبدلا من إنتاج 10 حلقات، سيتم إنتاج 3 فقط أو حلقات أكثر دون سمسم. ويشير يالتشين إلى ارتفاع أسعار السمسم وراء "أزمة السميط" بسبب عمليات التخزين التي  يديرها تجار الجملة لرفع الأسعار وتعويض خسائرهم.

وزادت أسعار السمسم في العام الجارى بنسبة 76.4% مقارنة بالعام الماضي، من 7.5 إلى 12 ليرة، حسب رئيس غرفة المعجنات التركية في مدينة بورصا، أردال بينار، وأضاف: "مع الزيادة المستمرة في الأسعار فإنه من المتوقع أن يرتفع سعر حلقة السميط البالغة 100 جرام إلى 1.57 ليرة".

أزمة السمسم
ويشير أحد تجار السمسم إلى أن ارتفاع الأسعار يرجع إلى انهيار الليرة أمام الدولار، فضلا عن ندرة زراعة السمسم في تركيا، حيث يتم استيراده من الخارج، خاصة من الهند وأفغانستان، موقع "Duvar" التركي يؤكد كلام تاجر الجملة التركي، بقوله إن أنقرة تستورد 60% من احتياجاتها من السمسم من الخارج.

صاحب مخبز في إسطنبول يدعى يالين أريلماز يعلق على الأزمة قائلا: "إنها مأساة، فنحن نخبز حلقات السميط منذ أكثر من 130 عاما، ولكن من يعلم إلى متى تستمر هذه الصنعة"، لافتا إلى معاناته الشديدة من الوضع الحالي، ويضيف:  "منذ عامين فقط كنت أخبز 22 ألف حلقة سميط يوميا، أما الآن فلا أزيد على  4 آلاف فقط، وهذا يرجع بصورة كبيرة لأزمة السمسم".

تراث مهدر
إردوغان الساعي لتغيير الكثير من ثوابت الجمهورية التركية، بدا غير مهتم بمصير صناعة السميط التاريخية، والتي تعود إلى القرن الـ14، ويعود إليها فضل انتشار الكثير على قوائم الأطعمة في مختلف الأقطار القريبة من تركيا، مثل مصر وسورية وبلغاريا وصربيا واليونان.  

ويرتبط السميط بطقوس يومية لدى المواطن التركي، فمع أول تباشير صباح كل يوم تشهد المدن التركية جميعها نشاطا مكثفا لبائعي السميط المنتشرين في كل شارع ومنطقة، وهم في طريقهم إلى الأفران لاستلام حصصهم من السميط الطازج برائحته المحببة المميزة.

ويعد السميط الأكلة الشعبية الأولى في تركيا، ويتم عادة تناوله مع الشاي، بينما يفضل البعض تناوله محشوا بأنواع مختلفة من الأجبان وشرائح من الطماطم والفلفل الأخضر أو بالشيكولاتة الذائبة أو مع المربى أو العسل.

ويباع السميط في المخابز، أو داخل عربات صغيرة مطلية بلون أحمر براق ومغلفة بزجاج محلى بالذهب، يلمع في شمس النهار، ويتوجه صاحب كل عربة إلى مكانه المصرح له بالوقوف فيه انتظارا لمرور زبائنه من تلاميذ المدارس والطلاب والموظفين الراغبين في الحصول على السميط الساخن لتناوله في طريقهم إلى أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم، كوجبة إفطار خفيفة على الطريق، أو لأخذ ما تيسر منه لتناوله برفقة زملائهم في أماكن الدراسة أو العمل.

وسعى عدد من رجال الأعمال إلى تطوير صناعة السميط والارتقاء بها، وتحويلها من مجرد موروث شعبي على الأرصفة إلى صناعة وطنية منظمة تدر أرباحا، عبر افتتاح سلسلة من المطاعم المتخصصة في بيع أنواعه المختلفة تحت اسم "سميط ساراى". 

وسرعان ما انتشرت هذه المطاعم في أنحاء تركيا وتطورت لتضيف إلى قائمة ما تقدمه لزبائنها أنواعا من الحلويات المحلية والغربية إلى جانب المشروبات الساخنة والباردة، بأسعار في متناول الجميع.

لكن السميط لا يزال مهددا بالانقراض، مع تفاقم الأزمة الاقتصادية بسبب العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على أنقرة، على خلفية قضية احتجاز الأخيرة القس الأميركي أندرو برانسون، المتهم بالانتماء لتنظيم جولن، وتجاوز سعر الدولار الأميركي الـ 7 ليرات العام الجاري، ومن المتوقع أن يصل إلى 8 نهاية العام، ما يعزز مخاوف الأتراك من تسبب سياسات إردوغان في اغتيال أهم أكلة شعبية لديهم.

Qatalah