يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يكد الشعب المصري يفيق من صدمة الاحتلال العثماني، بعد أن استخدم العثمانيون الخيانة لاستقطاب خاير بك إلى صفوفهم، حتى اصطدم بابتلاء جديد أوقعه السلطان سليم الأول أثناء وجوده في القاهرة، تمثل في ما عرف بـ"عثمنة القضاء" وفرض مجموعة من التشريعات الوضعية، التي خالفت غالبا أحكام الشريعة الإسلامية، والتضييق على الشعب باسم  القانون الجديد.
ظهرت بوادر محاربة المذهب الشافعي -مذهب أهل مصر- منذ الأيام الأولى للاحتلال العثماني، حين فرض العثمانيون المذهب الحنفي وأغلقوا المحاكم وعزلوا قضاة المذاهب الفقهية الثلاثة الأخرى، وتولى خاير بك تسيير أمور القضاء لحين إرسال القاضي التركي، فعقد اجتماعا بالقلعة للتنكيل بالفقهاء وقضاة المذاهب الثلاثة وأمرهم بالخضوع للقاضي التركي الحنفي، واتبع ذلك بإصدار مرسوم "اليسق العثماني" الذي قضى على حرية ونزاهة المحاكم المصرية، أما العلماء فقد اعتبروه ردة وانحرافا عن أحكام الشريعة، خاصة بعد تعطيل عقود الزواج والمعاملات اليومية وتغليظ العقوبات.
 
إتاوة الزواج
قانون "اليسق العثماني" كان أول أمر قضائي عثماني، وهو مجموعة من القوانين والتشريعات في مجال الأحوال الشخصية ونص على أنه "لا يتزوج أحد من الناس إلا في بيت القاضي"، ووفق رواية ابن إياس "على كل مستند 25 درهما"، فهو بمثابة فرض رسوم قضائية على أي تعامل مع المحاكم تدفع القاضي على ممارسة مهامه الوظيفية.
سجل ابن إياس في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور" تفاصيل اللقاء الذي دار بين خاير بك وكبار قضاة المذاهب الأربعة بمصر فيقول: "اجتمع ملك الأمراء خاير بك بالقضاة الأربعة في مجلس وتكلم معهم في شأن نوابهم وما يفعلونه، ثم اتفق معهم أن القاضي إذا كتب عقد نكاح يأخذ على من تزوج بكرا 60 نصف فضة (عملة عثمانية) وعلى من تزوج ثيبا 30 نصف فضة، ويأخذ العاقد شيئا والشهود شيئا والباقي يحمل إلى بيت الوالي، فانفض المجلس على ذلك وقام القضاة فقيل لهم امشوا على اليسق العثماني"
 
تعطيل سنة الله في الأرض
لم يرد ذكر لأي نوع من الرسوم يتقاضاها القاضي الشرعي ثمنا لكتابة عقد الزواج أو الطلاق في كتب التاريخ طوال التاريخ الإسلامي، لكن منذ دخول العثمانيين إلى مصر قرروا رسوما محددة للقاضي في كتابة العقد، وهو إجراء بلا سند شرعي حسب رؤية علماء مصر والشام في القرن الـ16، ما أثار قلق علماء الأزهر الشريف واعتبروه أول ابتلاء عثماني، كما علق ابن إياس على قانون اليسق "أشأم قانون".
حسب ما يذكره نجم الدين الغزي في كتابه "الكواكب السائرة في أعيان المئة العاشرة" فإن اليسق العثماني ليس من الشريعة بشيء بل جهل بها، ومن عادات علماء الأتراك التي لا يعرفها ولا يقرها علماء الدين بالشام ومصر، ومن هنا كان موقفهم السلبي من فرضه، كما اعتبر العمل باليسق بمثابة "فتنة حصلت في الدين لما دخلت هذه الدولة العثمانية، وضربت المكوس على الأحكام الشرعية حتى على فروج النساء"، كما رصد موقف القاضي علي بن محمد المقدسي حين وصف اليسق فقال :"أي فتنة أعظم من ذلك على المسلمين، وقد لحقهم القهر على دين الإسلام وتغيير الأحكام".
أكد المؤرخ عبدالرحيم عبدالرحمن في كتابه "تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي في العصر العثماني" على أن الدافع الأول لصدور قانون "اليسق" هو تحصيل أكبر قدر من الأموال لملأ الخزانة العثمانية الخاوية، خاصة بعدما تعرض سليم الأول لخسائر كبيرة في معاركه بالشام، كما واجه تهديدات من جنوده الذين تأخرت رواتبهم بمغادرة ساحات القتال، فاضطر إلى اقتراض مبالغ كبيرة من أسر يهودية ثرية بفائدة 10 %، أما سليمان القانوني فقد أعلن تبني سياسات اقتصادية فاشلة تقوم على فرض رسوم على أغلب المعاملات اليومية للرعية، بناء على فتاوى شيخ الإسلام ابن كمال وأبو السعود أفندي.
يذكر الدكتور أحمد محمد البغدادي في كتابه "الزواج في مصر في العصر العثماني" أنه استنادا على قانون اليسق "حصل خاير بك من سليم الأول على حق فرض رسوم وضرائب على تعاملات الناس مع الحكومة ومن ضمنها المحاكم، على أن يتم تقسيمها لثلاثة أقسام وتوزع بالتساوي بين موظفي الحكومة والوالي والسلطان العثماني".
وأيضا سجله ابن إياس "اضطربت أحوال القضاة والشهود قاطبة، وصار مقدم الوالي والجالية يأتون في كل يوم، ويجلسون في بيت كل قاضي من القضاة الأربعة إلى ما بعد العصر، ويأخذون ما تحصل من عقود الأنكحة، ويمضون به إلى بيت الوالي، فصار الذي يتزوج أو يطلق تقع غرامته نحو 4 أشرفية (عملة عثمانية)، فامتنع الزواج والطلاق في تلك الأيام، وبطلت سنة النكاح والأمر لله تعالى".
 
 
موجة غضب شعبي
تسبب "اليسق العثماني" في موجة غضب واسعة لدى القضاة والعلماء بخلاف المعارضة الشعبية، وفي الأبيات التالية ينتقد البدري بدر الدين محمد الزيتوني أحد قضاة الشافعية القانون العثماني:
ضجت الناس لما رأوا الحرق * والمغارم وما حدث في اليسق
واستباحوا النكاح بهذا اليسق * وقد حالهم وزاد الحنق
يذكر خالد زيادة في كتابه "الكاتب والسلطان" أن علماء الأزهر طالبوا من خاير بك إلغاء الرسوم التي فرضت على الزواج في اليسق، والتي مست كيان المجتمع وأثرت فيه لدرجة وصلت أن يضرب الناس عن الزواج ويجاهرون بالمعاصي والمنكرات وكثرت حالات الاغتصاب والتحرش، وحسب رواية ابن إياس: "حصل للناس بسب التزويج في هذه الأيام غاية المشقة، واختار كل منهم العزوبية على التزويج"،ما هدد استقرار المنظومة الاجتماعية بعدما تعذر الزواج الشرعي على فئات كثيرة، خاصة بعدما تعرض الفلاحون والعمال وطوائف الحرف إلى حالة فقر مدقع بسبب الضرائب والإتاوات التي فرضها الوالي والملتزمون.
وفي ذلك يذكر ابن إياس "جاءت جماعة إلى خاير بك من الأعيان و100 من علماء الأزهر، منهم الشيخ شمس الدين محمد اللقاني المالكي، والشيخ شمس الدين محمد المعروف بالديروطي الشافعي، والشيخ شهاب الدين أحمد بن الحنبلي، وآخرون من العلماء، فلما اجتمعوا قالوا: يا ملك الأمراء قد أبطلتم سنة الله وصرتم تأخذون على زواج البنت البكر 60 نصف فضة، وعلى زواج المرأة 30 نصف فضة، ويتبع ذلك أجرة الشهود ومقدمي الوالي وغير ذلك، وهذا يخالف الشرع الشريف، وقد عقد رسول الله على خاتم من فضة، وقد ضعف الإسلام في هذه الأيام، وتجاهر الناس بالمعاصي والمنكرات".
لم يحقق اجتماع العلماء ثماره المرجوة، ولم يهتم الوالي العثماني خاير بك بتدهور الجانب الأخلاقي للرعية، ووفق ما ذكره محمد سيد محمود في كتابه "الزواج في مصر العثمانية" واصفا موقف الدولة من الزواج الشرعي بقوله: "جعلت الدولة العثمانية من نفسها جابية للضرائب، حتى لو جاء ذلك على حساب ضياع الدين وهتك الأعراض، فلم يلتفتوا لصرخات الآباء والأمهات بعد تأخر بناتهم في سن الزواج، بعدما عجز الشباب عن استيفاء الإجراءات القضائية للزواج وهو التوثيق على يد القاضي العثماني".
يذكر شمس الدين محمد بن طولون في كتابه "مفاكهة الخلان في حوادث الزمان" رد خاير بك على علماء الأزهر فيقول: "اسمع يا سيدي الشيخ الخوندكار سليم قالي لي امشوا في مصر على اليسق"، ثم أمر بسجن القضاة المعترضين، فكثر الدعاء على خاير بك بسبب عقود الأنكحة.
اعترض علماء الأزهر على نتيجة اجتماعهم بالوالي العثماني وقانونه الظالم الذي أطلقوا عليها اسم "يسق الكفر"، وحسب ابن إياس فإن مصر صارت لا يعرف لها نظام، وأرسلوا خطابات احتجاج لإسطنبول لتوضيح المخالفات الشرعية التي تقع فيها، لكن الدولة العثمانية دعمت الوالي الخبيث بقوة عسكرية كبيرة لقمع المعارضين، فتمكن خاير بك من التنكيل بعلماء القاهرة وقضاة المذاهب، ونفى الكثير منهم إلى الشام وأجبر الباقين على الصمت، ونتيجة لجرائمه لقبوه بـ"خاين بك".
كان فرض اليسق يُنبئ بتحول كبير في مسار القضاء المصري وبداية لعصر جديد من كفر الحاكم بجميع الأحكام الشريعة، فعطل العثمانيون سنة الله في الأرض بتعطيلهم الزواج الشرعي، واتبعوا ذلك بالسيطرة على منظومة المحاكم عبر قضاة أتراك لا يفقهون في الدين شيئا، فحسب رواية ابن إياس فإن قاضي القضاة العثماني "أجهل من حمار".

Qatalah