يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


17 أكتوبر 2018 استثمارات الدوحة لن تحل مشكلة تركيا

يحتاج السوق التركي إلى الكثير من الأموال لاستعادة الثقة، وبالتالي فإن الخطوة القطرية الأخيرة المعلن عنها بخصوص استثمار 15 مليار دولار لن تكون كافية بالقياس إلى حجم الخلل.

تعمقت ورطة تركيا الاقتصادية أكثر، وأصبح المراقبون للأحداث على مشارف انتظار سقوط النموذج التركي الذي ظل الإسلاميون يتغنون به طوال السنوات الماضية ويستندون إليه لإفحام الخصوم. غير أن لغة الاقتصاد، التي لا تعترف بالعواطف ولا تحترم سوى الأرقام، تخبرنا أن أزمة النظام التركي متداخلة وعميقة جداً.

فعندما حاول الرئيس التركي رجب طيب إردوغان توظيف الاستقرار والنمو الاقتصادي النسبي لصالح مشروعه الأيديولوجي الاستحواذي انكشفت الأوراق وانهارت بيئة الأمن الاقتصادي. إذا لا يمكن تجاهل حجم تأثير الاعتقالات التي طالت قطاعات واسعة من المجتمع التركي بحجة القضاء على الانقلابيين وأتباع فتح الله غولن، إلى جانب الإقصاء من الوظائف الذي بلغ أرقاماً قياسية بوسعها أن تدمر سمعة اقتصاد أي بلد مهما كان مستوى النمو في سنوات سابقة مبشراً، وكل ذلك عمل بالتدريج على إحداث هزة كبرى.

ثم جاءت العقوبات الأميركية لتكون القشة التي قصمت ظهر البعير، بعد أن أصبح مثقلاً بأحمال سابقة. كما أن العقوبات الأميركية قابلة للزيادة وتحقيق أضرار أكثر خطورة طبقاً للتصريحات التي تأتي من واشنطن. مما يعني أن الأزمة الاقتصادية التركية لا تزال في بدايتها.

ويحتاج السوق التركي إلى الكثير من الأموال لاستعادة الثقة، وبالتالي فإن الخطوة القطرية الأخيرة المعلن عنها بخصوص استثمار 15 مليار دولار لن تكون كافية بالقياس إلى حجم الخلل والانهيار الذي أصاب قيمة الليرة التركية. مما يعني أن دخول تركيا في حظيرة صندوق النقد الدولي مسألة وقت لا أكثر.

ومن الأمور الأساسية التي يسعى إردوغان لحسمها، موضوع الصلاحيات الرئاسية المطلقة، ومن الناحية العملية أصبح منذ فترة يمارس تلك الصلاحيات، ولم يعد أمامه من ينافسه على اتخاذ القرار والانفراد بالقيادة

وكلما بدت تركيا في حالة ترقب دائم للحلول الإسعافية فمن المؤكد أن تلك الحلول ستبقى في خانة الإجراءات المؤقتة، وأنها عملياً غير قادرة على تحقيق استقرار اقتصادي على المدى البعيد. ولا مناص لتركيا بحسب محللين اقتصاديين من الاستعانة بصندوق النقد الدولي والرضوخ لشروطه القاسية مهما كانت.

محاولة قطر التي تمثلت في الوعد باستثمار مباشر في تركيا بقيمة 15 مليار دولار كانت ولا تزال نوعاً من سداد فاتورة لا أكثر ولا أقل، ولا يمكن لها أن تضمن إنهاء المشكلة الاقتصادية العميقة التي تسبب فيها بشكل أساسي إردوغان الذي يقود بلاده نحو حكم فردي بغطاء انتخابي وديموقراطي شكلي لذر الرماد في عيون الأتراك.

ولا تزال السجون التركية شاهدة على عمق المأزق التركي الذي بدأ سياسيا، وتطور إلى مأزق اقتصادي، ولا أحد بوسعه التكهن بدرجة الانحدار التي سوف يصل إليها. أما الاستثمار القطري الذي تحول إلى حدث إعلامي فإنه مجاملة دعائية تهدف إلى لفت الأنظار إلى الحليفين المقربين بسبب ظروف طارئة جمعتهما.

 وكان سبب تقارب الدوحة مع أنقرة ابتعاد الأولى عن محيطها الخليجي وبحثها عن منقذ خارجي يسعفها بالأغذية ويحرضها على التمسك بالتوجه السياسي الداعم للإسلام السياسي والمؤيد للفوضى باسم الثورات، بشرط أن تبقى قطر بعيدة عن آثارها ومكتفية بتمويلها وتغطيتها إعلامياً واستضافة بعض رموزها.

في المحصلة النهائية دفعت تركيا ثمن عنتريات إردوغان واعتماده الكلي على ما يعتقد أنه كاريزما افتراضية متخيلة لا وجود لها في الواقع، بدليل أنه خسر عمليا وبالتدريج شعبيته داخل تركيا، لكنه يراهن على الصورة التي تم تسويقها له ولحزبه في أوساط المجموعات الإخوانية العربية التي لعبت دوراً لا يستهان به في نفخ صورة إردوغان وتصويره على أنه خليفة الأمة.

وكانت الإمارات والسعودية ومصر والبحرين حاسمة في صد المشروع الإخواني المدعوم من قطر وتركيا، وتم الضغط على قطر للتخلي عن مشروعها التخريبي الداعم للإرهاب والفوضى، لكنها راهنت بدورها على تركيا، وصممت على عزل نفسها والبقاء خارج البيت الخليجي ورفض حزمة الطلبات الطبيعية التي تم تحديدها مقابل إنهاء الأزمة والمقاطعة، التي أصبحت في نظر الرباعية العربية مشروعة وتندرج ضمن الحق في حماية أمن واستقرار دولها.

والآن اضطرت قطر بعد بوادر الانهيار التركي إلى دفع ثمن وقوف تركيا إلى جانبها. فالتحالف بين الطرفين يمتد ليشمل نوعاً من التعاضد الأيديولوجي والترابط الذي يجعل من سقوط أحدهما يعني سقوطاً مدوياً للآخر وللمشروع الإخواني برمته.

ولعل هذا يفسر للمتابعين أسرار وقوف المجموعات الإخوانية العربية بشراسة إلى جانب تركيا في أزمتها الاقتصادية، حيث عمل الكثير من رموز الإخوان، الأكثر بروزا ونشاطا في وسائل التواصل الاجتماعي، على إكساب أزمة انهيار الليرة التركية أبعادا كونية، نسجوا عبرها قصصا عن المؤامرات العالمية ضد المشروع التركي الذي يعتبرونه الممثل الشرعي للمشروع الإسلامي. وذلك لسبب بسيط يتمثل في أن أقطاب الإخوان الهاربين في تركيا كانوا قد قاموا بنقل رؤوس أموال الجماعة واستثماراتها إلى تركيا، مما يعني أن انهيار الاقتصاد التركي سوف يجلب كارثة مالية للإخوان واستثماراتهم. كما أن تركيا تحتويهم ويتخذون منها قاعدة جماعية تضم قنواتهم التلفزيونية وجيوشهم الإلكترونية النشيطة.

من الواضح أن قطر تدافع عن حليفها وتحاول المساهمة في تأجيل انهياره الاقتصادي. ولا ننسى أن تحالفا ثلاثيا تشكل على عجل من تركيا وإيران وقطر، ليس حباً في قطر، ولكن نكاية بدول الإقليم الخليجي ومصر، بعد مواجهة قطر بحقيقة دعمها للإرهاب. وعملت إيران وتركيا على إنقاذ الدوحة ببدائل للمواد الغذائية، لذلك تحاول قطر رد بعض الجميل، ولكنها لن تحل الأزمة التركية بشكل نهائي.

وطبقاً لصحيفة “فايننشال تايمز″ فإن قطر ردت الجميل لتركيا متعهدة بـ15 ملياراً من الاستثمار المباشر، إلا أن هذا الأمر لن يكون كافياً لإنقاذها بالقياس إلى ما ستحتاج إليه من أموال في السنة المقبلة.

محاولة قطر التي تمثلت في الوعد باستثمار مباشر بقيمة 15 مليار دولار كانت ولا تزال نوعا من سداد فاتورة لا أكثر ولا أقل، ولا يمكن لها أن تضمن إنهاء المشكلة الاقتصادية العميقة التي تسبب فيها إردوغان

أما التحدي الذي تحاول تركيا التهرب منه فهو اللجوء إلى صندوق النقد الدولي وما يفرضه من شروط وطلبات قد تقصم ظهر الاقتصاد التركي وتكشف حقيقة النمو الوهمي الذي قام خلال الفترات الماضية على مراكمة الديون الخارجية ذات الفوائد العالية.

ولا عجب أن وزير المالية في تركيا هو صهر إردوغان وشريكه في العيش داخل أوهام النمو الاقتصادي وإخفاء حقيقة المشهد الاقتصادي التركي المأزوم. وسيكون على صهر إردوغان في المستقبل القريب الاستعداد للإعلان عن القبول بالهيكلة التي يشترطها صندوق النقد الدولي في الحالات المشابهة للانهيار الحاصل في تركيا. كما تؤكد الفايننشال تايمز في تحليل لها أن تركيا بحاجة ماسة إلى المساعدة، مشيرة إلى أن مشروع الإنعاش القطري غير المعروفة شروطه إلى حد بعيد، لن يحل المسألة. وبلغة الأرقام أيضاً فإن تركيا ستكون خلال السنة المقبلة بحاجة إلى ما يقرب من 238 مليار دولار.

وبدأ البعض بالفعل يقول وداعاً للطفرة التركية التي فقدت بريقها منذ تزايد مخاطر السياحة وتراجع الأمن عن حماية السياح، مقابل الاهتمام بتأمين النظام التركي ومواجهة المعارضين المحتملين لإردوغان.

فيما يريد المتعصبون لتركيا تجاهل أو تأجيل الاعتراف بأنها ستكون مضطرة للتعامل مع صندوق النقد، لأنه البديل المضمون لتقديم مساعدات كبيرة لإنعاش الاقتصاد ولكن بشروط من شأن القبول بها من قبل إردوغان أن يقضي على مستقبل حزبه في أقرب انتخابات محلية، وبالتحديد في الانتخابات المرتقبة في مارس 2019.

ومن الأمور الأساسية التي يسعى إردوغان لحسمها، موضوع الصلاحيات الرئاسية المطلقة، ومن الناحية العملية أصبح منذ فترة يمارس تلك الصلاحيات، ولم يعد أمامه من ينافسه على اتخاذ القرار والانفراد بالقيادة. ولا بد أن النخبة التركية تقرن أزمة انهيار الليرة التركية بتزايد طموحات إردوغان وتطلعاته التي أصبحت بحاجة إلى من يوقفها لحماية مستقبل تركيا من ديكتاتورية إسلاموية تتشكل على نار هادئة.

Qatalah