يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تاريخ تركيا الحديث مليء بعمليات القتل السياسي وقضاياها التي لا تنتهي، وبات معروفًا أنه بعد كل جريمة قتل لن يتم الكشف عن الجناة الحقيقيين، إذ لا تأخذ التحقيقات مجراها القانوني وتستمر المحاكمات طويلا وتضيع الحقائق في قاعات المحكمة.

ورغم مرور أكثر من 12 عامًا على حادث اغتيال الصحافي الأرمني هرانت دينك، مازال الجناة الحقيقيون طلقاء، يتجولون بحرية في تركيا، تحت رعاية نظام رجب إردوغان، لكن يبدو أن شبح شهيد الأرمن سيظل يطارد الرئيس التركي من قبره.

في تقرير موسع نُشر أمس الخميس، وضع موقع نورديك مونيتور السويدي، يده على الخطوط العريضة لجريمة اغتيال دينك، موجهًا أصابع الاتهام لشخصيات بعينها داخل جهاز الاستخبارات التركية وقوات الدرك التي شاركت في قتل الصحافي الأرمني، وبدلًا من محاسبتها تشغل حاليًا مناصب رفيعة في دولاب دولة رجب إردوغان.

كان دينك يتجول في إحدى ليالي ديسمبر قارصة البرودة عام 2006، رفقة صديقه تانير أكشم، عندما أخبره فجأة :"لا أخاف التهم التي وجهوها لي. يمكنني أن أتعامل معها. لكن ما أخشاه الآن هو السير في  الشوارع. أخشى أن يطلق عليّ شخص ما النار في رأسي أو يطعنني بسكين في الظهر".

بعدها بشهر وتحديدًا في 19 يناير 2007، وُجد دينك غارقًا في دمائه على قارعة الطريق المؤدي إلى صحيفة آغوس التي يرأس تحريرها، وفي نعلي حذائه ثقوب، ربما تشير إلى الفجوة التي خلفتها أبشع جرائم الاغتيال في ضمير تركيا الحديثة.

مخطط الاغتيال
معظم المشتبه بهم في اغتيال دينك من طرابزون، حيث وُضع مخطط اغتياله، فيما يشير "نورديك مونيتور" إلى وجود أدلة على علم وحدات الاستخبارات العسكرية في المحافظة بخطط المدبر لاغتيال الصحافي، لكنها تسترت على التقارير.

قبل عملية الاغتيال، قام المشتبه بهم وعلى رأسهم ياسين خيّال، المحرض على قتل الصحافي الأرمني، برحلة استكشافية في إسطنبول، وعاينوا الطريق بين منزل دينك ومكتبه - مبنى صحيفة آغوس - حتى أنهم رسموا "اسكتشات" حول كيفية تنفيذ عملية الاغتيال. 

قُدم القاتل المأجور، أوغون ساماست، و18 آخرين للمحاكمة في أعقاب الاغتيال، وفيما حُكم على خيّال بالسجن مدى الحياة بتهمة التحريض على القتل، تم تبرئة ارهان تونجل، الذي عمل مخبرًا لشرطة طرابزون ووُجهت له تهمة الشروع في الجهود المبذولة لقتل دينك.

الرئيس السابق لشرطة طرابزون رمضان أكيوريك، شهد بأن شرطة إسطنبول تم تحذيرها من خطط خيّال لاغتيال دينك، في 17 فبراير 2006، في تقرير استخباراتي عبر الإنترنت يُعرف باسم "تقرير F4".
 
أكيوريك قال إنه أرسل مذكرة حذر فيها كل من دائرة الاستخبارات التابعة للمديرية العامة للأمن التركي  والمديرية نفسها بأن دينك سيتعرض لمحاولة اغتيال، موضحًا أن القائد السابق لشرطة إسطنبول جلال الدين جراح، طلب منه تدمير "تقرير F4" بعد وقوع الجريمة بغرض إتلاف الأدلة.

العقل المدبر
بحسب "نورديك مونيتور" فإن الرئيس السابق لدائرة الاستخبارات بالمديرية العامة للأمن التركي، إنجين دينتش، الذي يشغل الآن منصب قائد شرطة إسكي شهير، هو الشخص الرئيس المتورط في جريمة القتل عندما كان يدير دائرة استخبارات شرطة طرابزون. 

من الأمثلة على ذلك أن دينتش هو من قام بتجنيد تونجل، المخبر بقسم شرطة طرابزون في 2004، والمشتبه به في القضية، كما التقى به سرًا في مكتبه.

وبعد أن قام إردوغان بترقية دينتش لقيادة دائرة استخبارات المديرية العامة للأمن التركي لم يقطع علاقته بتونجل، واتضحت العلاقات الدافئة بين الاثنين في رسالة بعثها الأخير إلى الأول كتب فيها: "تعامل معي مثل أخي الأكبر".

بحسب الموقع السويدي، كان دينتش وتونجل على علم بالمعلومات الاستخباراتية الخاصة بخطط خيّال لاغتيال دينك منذ 15 فبراير 2006، لكن لم يرسل أي منهما بيانًا خطيًا رسميًا إلى الوكالات الحكومية المعنية لمنع الجريمة، أو شن عملية ضد ممن خططوا لاغتيال الصحافي الأرمني لوقف تنفيذها.

في يناير 2015، قُبض على ثلاثة من ضباط الشرطة الذين عملوا تحت قيادة دينتش في دائرة الاستخبارات التابعة لشرطة طرابزون بتهم التقصير في أداء الواجب وسوء السلوك في جريمة قتل دينك، وذلك ضمن تحقيق موسع في الواقعة.

وجّه الضباط الثلاثة، ارجان ديمير وأوزكان مومجو ومحيى الدين زينيت، أصابع الاتهام إلى دينتش، وشهدوا بأنه كان صاحب السلطة الأعلى في دائرة الاستخبارات بطرابزون، رغم ذلك، حظي دينتش بحماية حكومة إردوغان.

حوادث مثيرة
دينتش عمل في دائرة استخبارات شرطة طرابزون في الفترة ما بين 26 أغسطس 2004 و19 سبتمبر 2007، ولا يبعث سجله على الثقة بشأن بذله جهدًا لقطع الطريق أمام وقوع المؤامرات والمخططات، بحسب الموقع السويدي.

خلال فترة تولي دينتش منصبه وقعت عدة حوادث مثيرة للجدل في محافظة طرابزون، منها محاولة مجموعة محلية الاعتداء على أعضاء جمعية تضامن عائلات السجناء التركية (TAYAD) خلال مظاهرة جرت في طرابزون في 2005، وهجوم بقنبلة على مطعم ماكدونالدز بالمدينة في 2004، وجريمة قتل كاهن الكنيسة الكاثوليكية سانتا ماريا، أندريا سانتورو، على يد مراهق صاحب نزعة قومية متطرفة عام 2006.

تونجل كان من بين المتورطين في الهجوم على ماكدونالدز في 2004، ومع ذلك، استبعد خارج التحقيق في الواقعة، وبعد ذلك عينه دينتش مخبرًا لدى دائرة الاستخبارات التابعة لشرطة طرابزون.

خلية الاغتيال
إضافة إلى دينتش، تورط قادة كبار في قوات الدرك التركية في قتل الصحافي الأرمني، مثل العقيد علي أوز، قائد الدرك في طرابزون، والضابط متين يلديز، إذ كانا على علم بخطط خيّال لقتل دينك، وقُدمت تقارير من قبل ضباط مخابرات الدرك بهذا الخصوص. 

أقر العديد من الشهود في وقت لاحق أن هذه التقارير، والتي حُفِظت (تم أرشفتها) في وحدة الدرك، جرى تدميرها بناءً على أوامر من أوز، واستُبدلت بأخرى مزورة بعد قتل دينك لدفن جميع الأدلة حول عِلم قوات الدرك بمخطط الاغتيال.

تقرير أُعد في تمام الساعة 9:30 مساءً يوم 20 يناير 2007 في قيادة الدرك في طرابزون، تضمن المواصفات الدقيقة للسلاح الذي استخدمه ساماست في قتل دينك، فيما أُلقي القبض على القاتل في تمام الساعة 11 مساء يوم 20 يناير 2007 في محطة حافلات مدينة سامسون، وصودر سلاحه، مما يعني أن المسؤولين في درك طرابزون كانوا يعرفون مواصفات السلاح حتى قبل القبض على القاتل.

كما يبدو أن عددا من عناصر شرطة طرابزون شاركوا في المؤامرة، حيث أظهرت صورة أُرسلت إلى وسائل الإعلام بعد وقت قصير من قتل دينك، القاتل ساماست وهو يقف بجانب ضابطي شرطة ويبدو عليهما الفخر أمام العلم التركي.

كبش فداء
بحسب الموقع السويدي، قدمت السلطات التركية العديد من ضباط الشرطة كأكباش فداء في قضية اغتيال الصحافي الأرمني رغم عدم ضلوعهم بأي شكل من الأشكال في عملية الاغتيال، وذلك عوضًا عن ملاحقة الجناة الحقيقيين.

على سبيل المثال، المدير السابق لمكتب الاستخبارات بمديرية شرطة إسطنبول علي فؤاد يلمازار، الذي سُجن وحُكم عليه بتهمة التقصير في أداء الواجب في حماية دينك، لم يكن  يعمل أساسًا في إسطنبول في ذلك الوقت.

تقارير المُفتشين الحكوميين خلصت إلى أن يلمازار ليس متورطًا في أي سوء سلوك بخصوص الواقعة، ولم يكن اعتقاله سوى محاولة من قِبل حكومة العدالة والتنمية لصرف الانتباه عن مسؤولي الدولة المذنبين بحسب "نورديك مونيتور". 

يلمازار، قال إن العناصر ذات النزعة القومية المتطرفة التي توغلت في جهاز الاستخبارات الوطنية تقف وراء مقتل دينك، وتساءل عن أسباب عدم التحقيق معها بشأن اغتياله.

في بيان رسمي، قال يلمازار إنه قدم تقريرًا إلى جهاز الاستخبارات التركية بعد لقائه مع دينك في 2004، فيما طلب محامو أسرة دينك من المحكمة الحصول على نسخة من هذا التقرير والإجراء الذي اتُخذ بناء عليه، لكن لم يستجب جهاز الاستخبارات التركية لمطلبهم.

تواطؤ قضائي
في ملف القضية رقم 2007/428، طلبت المحكمة الجنائية العليا الرابعة عشرة في إسطنبول من مكتب رئيس بلدية إسطنبول، في 5 يوليو 2007، تحديد مسؤولي جهاز الاستخبارات التركية الذين هددوا دينك في اجتماع وقع عام 2004، لكن رئيس البلدية رفض تسميتهم، وقبلت المحكمة هذا الرد رغم أن محامين عائلة الصحافي الأرمني عارضوا ذلك.

كما حظي جميع المتهمين من جهاز الاستخبارات بالمشاركة في اغتيال دينك بحماية المدعين الذين لم يستدعوا أي مسؤول في الاستخبارات للإدلاء بشهادته، فيما رفضت المحكمة التماسات قُدمت إليها لإجبارهم على المثول أمام المحكمة.

في رسالة وُجهت إلى مكتب رئيس الوزراء بتاريخ 12 يناير 2011، تم الكشف أخيرًا عن هوية مسؤولي الاستخبارات التركية الضالعين في اغتيال دينك، فيما كشف بيان قدمه ضابط الجهاز أوزال يلماز إلى المدعي العام في 22 ديسمبر 2014، أن الاجتماع الذي جرى مع الصحافي الأرمني في بلدية إسطنبول جرى تنظيمه بناءً على طلب من الجيش التركي.

الاجتماع الفضيحة
اجتماع عقده مسؤولون بالاستخبارات التركية مع الصحافي الأرمني في 24 فبراير 2006 فضح ضلوع الجهاز في مخطط اغتيال دينك.

الاجتماع جرى بمبنى مكتب رئيس بلدية إسطنبول، عقب مكالمة هاتفية من رئيس هيئة الأركان العامة إلى المستشار في جهاز الاستخبارات آنذاك، شانكال أتاساجون، طلب فيها ترهيب دينك، بسبب مقالات تنشرها صحيفة "أغوس" التي يرأس تحريرها. 

دينك نشر في الصحيفة الأرمنية قصة صحافية عن صبيحة جوكتشن، الطفلة التي تبناها مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، وأول قائدة طائرة تركية، ألمح فيها إلى أن جوكتشن يمكن أن تكون واحدة من بين آلاف الأرمن الذين يتِّموا في 1915، عندما واجه الأرمن تشريدًا قسريًا أدى إلى سقوط آلاف القتلى.

بناءً على تعليمات أصدرها ضباط كبار بالجيش، كلف المستشار في جهاز الاستخبارات أتاساجون، حسين كوبيلاي غوناي، المدير الإقليمي لمكتب الجهاز في إسطنبول، بإيصال الرسالة إلى دينك.

قرر غوناي ورئيس بلدية إسطنبول آنذاك معمر غولر، عقد اجتماع مع دينك في مبنى مكتب رئيس البلدية، وحضر اللقاء مع الصحافي الأرمني، كل من إرغون غونغور، نائب رئيس بلدية إسطنبول السابق، وأوزال يلماز، نائب المدير الإقليمي لمكتب الاستخبارات في إسطنبول، والذي كان يرأس أيضًا إدارة مكافحة الإرهاب بالجهاز، بالإضافة إلى هاندان سلجوق، عميل آخر في جهاز الاستخبارات.

وفقًا لشهادة إرغون غونغور، تعرض دينك خلال الاجتماع لتهديدات من مسؤولي جهاز الاستخبارات، إذا استمر في الإدلاء بتصريحات مثيرة للجدل، في إشارة إلى مقالاته حول صبيحة جوكتشن.

أثناء الاجتماع، تم تهديد دينك، وقيل له :"نحن نعرف من أنت، لكن المجتمع ربما لا يعرفك، ونحن قلقون من أن المجتمع قد يعجز عن فهم مثل هذه الأشياء التي تقولها". 

اعترف دينك فيما بعد، في مقاله الأسبوعي أنه تعرض لتهديدات، تلك التي وصفها المسؤولان في الاستخبارات التركية بأنها ليست أكثر من "تحذير".

إغلاق القضية
ورغم هذه المعلومات، أغلق المدعي العام التحقيق بشأن عملاء الاستخبارات وكذلك رئيس بلدية إسطنبول إرغون غونغور، ولم تُقدم أي لائحة اتهام ولم يصدر أمر استدعاء بحقهم للإدلاء بأقوالهم في المحكمة حتى كشهود في القضية.

رفضت المحكمة الالتماسات التي قدمها محامو عائلة الضحية، الذين طلبوا استدعاء مسؤولي الاستخبارات ونائب رئيس بلدية إسطنبول.

بالإضافة إلى المسؤولين الاثنين من جهاز الاستخبارات التركية الذين هددوا دينك، خضع عميل آخر في الاستخبارات، يدعى إحسان كساب، للتحقيق في مقاطعة طرابزون في أعقاب جريمة القتل، لكن اختفى أثره، ولم تقدم السلطات أية معلومات بشأنه رغم التساؤلات التي طرحها المدير السابق لمكتب الاستخبارات بمديرية شرطة إسطنبول على فؤاد يلمازار، ومحامي عائلة دينك، هاكان باكرجي أوغلو.

قال يلمازار إنه تم التنصت على هاتف عميل الاستخبارات التركية لمدة ثلاثة أشهر، وخضع للاستجواب خلال التحقيق الأولي بعد جريمة قتل دينك، مؤكدًا أنه طلب من المحكمة إيجاده وتحديد مكانه وإجباره على الإدلاء بشهادته في المحكمة، علاوة على كشف النطاق الكامل لمخطط اغتيال الصحافي التركي الأرمني.

شهادة غون
كما شهد ارجان غون، وهو صحافي مخضرم كان يعمل في قناة "تلفزيون فوكس" التركية قبل أن يُسجن بتهم ملفقة، في المحكمة بأن ضابطا في قوات الدرك، يدعى فيسال شاهين، اعترف له، أثناء عمله على قصة عن مقتل دينك، أن الاستخبارات التركية كلفت خيّال بمهمة. 

أوضح ضابط الدرك أن خيّال لم يكشف عن موضوع المهمة، لكن أفضى إليه أنه تردد كثيرًا على مكتب الاستخبارات التركية في طرابزون في الأسبوعين السابقين لوقوع جريمة قتل دينك.

تفاخر خيّال بمسألة تكليفه بمهمة خاصة من قِبل جهاز الاستخبارات الوطنية، كما تأكد أيضًا في شهادة ساماست أن شاهين كان يعرف خيّال، وأنه اجتمع معه من حين لآخر.

عندما سرد غون ما يتذكره عن هذه المحادثة النارية مع شاهين، ثار غضب رئيس المحكمة، عارف أتانيان، وحاول حجب شهادته، ويُظهر محضر جلسة المحكمة أن القاضي استجوب الصحافي بقوة وبدا عليه الامتعاض الشديد.

"نورديك مونيتور" خلص إلى أن محاكمة المسؤولين بسبب تقصيرهم في أداء الواجب وتوفير الحماية للصحافي هرانت دينك ليست سوى محاولة لتبرئة ساحة حلفاء إردوغان في جهاز الاستخبارات والشرطة والجيش، فيما مازال الجناة الحقيقيون طلقاء، يتجولون بحرية في تركيا، في حين أن الأشخاص الذين لُفقت لهم التهم لم يكن لهم دور في القضية، واتخذهم النظام التركي أكباش فداء.

قتلت الخائن
كان الصحافي الأرمني التركي هرانت دينك في طريقه إلى صحيفة آغوس، التي يرأس تحريرها، قبل أن يفاجئه شاب لم يتعد عمره 17 عامًا، يدعى  أوغون ساماست، بإطلاق ثلاث رصاصات غادرة، أنهت حياة كاتب عرف بدفاعه عن القضية الأرمنية وحقوق الأقليات، وانتقاد إنكار أنقرة لجرائم التهجير والإبادة.

أكثر من 12 عامًا مرت على حادث اغتيال دينك، ومازالت صرخات قاتله وهو يقول "قتلت الخائن" تدوي في أنحاء تركيا حتى الآن، فيما تواصل حكومة إردوغان حماية بعض عناصر الاستخبارات التركية الضالعين في جريمة قتل الصحافي الأرمني، وعدم مثولهم لتحقيق قضائي.

Qatalah