يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تروي صفحات التاريخ مجازر بشعة ارتكبها سلاطين الدولة العثمانية بحق الأرمن، وورث الرئيس التركي الحالي رجب إردوغان عن أجداده كراهية هذا الشعب إلى حد الاغتيال، تشهد جريمة اغتيال الصحافي هرانت دينك قبل 11 عاما على تلك الكراهية، فقد اشتهر دينك بدفاعه عن القضية الأرمنية وحقوق الإنسان والأقليات في تركيا، وانتقد إنكار أنقرة المذابح والتهجير، وقدمته الدولة للمحاكمة 3 مرات بتهمة إهانة الهوية التركية وتلقى تهديدات بالقتل انتهت باغتياله في إسطنبول 19 يناير 2007 على يد شاب يدعى أوغون ساماست، أمام مقر صحيفة "آغوس" التي أسسها وترأس تحريرها.
ذكرت منظمة العفو الدولية في 16 ديسمبر 2012 أن السلطات فشلت في معالجة تورط مسؤولين في الدولة في مقتل الصحافي الأرمني هرانت دينك، بعد إغلاقها ملف قضيته وإنهاء محاكمة المتورطين دون عقاب.

من المخيم إلى الصحيفة
هرانت دينك ولد في 15 سبتمبر 1954 بمدينة مالاطيا جنوب شرقي تركيا، نال درجة البكالوريوس في علم الحيوان من جامعة إسطنبول، ثم انتقل إلى قسم الفلسفة في الجامعة نفسها، إلا أنه أوقف دراسته لانهماكه في تأسيس مخيم "تزولا" للشباب الأرمني.
بدأ دينك إدارة المخيم الذي يأوي 1500 يتيم، حتى استولت السلطات التركية عليه في عام 1979، وفي السنوات التالية سجن 3 مرات بسبب آرائه السياسية، وفي عام 1996 قرر تأسيس صحيفة (آغوس) باللغتين الأرمنية والتركية.
عبر مسيرته، تبنى دينك الدفاع عن الهوية الأرمنية وفضح إبادة تركيا لنحو 1.2 مليون أرمني، فتلقى تهديدات بالقتل، ودانته الصحافة الموالية لنظام إردوغان، واتهم بإهانة الأمة التركية، وصدر بحقه حكم بالسجن 6 أشهر مع وقف التنفيذ عام 2005.
أثار دينك قضية غاية في الخصوصية عندما كتب مقالا في ذكرى الصراع التركي الأرمني في الحرب العالمية الأولى، فبراير 2004 بعنوان "ما سر السيدة صبيحة"، وأثبت أن ابنة أتاتورك بالتبني وأول طيارة تركية "صبيحة جوكتشان" يتيمة من أصول أرمينية.
 

غلام إردوغان يصرخ: قتلت الخائن
في 19 يناير 2007، كان هرانت دينك في طريقه إلى صحيفة آغوس قبل أن يفاجئه أحد غلمان حكومة العدالة والتنمية أوغون ساماست ذو الـ17 عاما بثلاث رصاصات، وقال شهود عيان إنه صرخ مرات "قتلت الخائن"، قبل أن يغادر في سيارة تنتظره.

قبضت الشرطة على "ساماست" في مدينة سامسون لدى استقلاله حافلة إلى طرابزون حيث يقطن ذووه، وضُبط سلاح الجريمة بحوزته، وبعد اعتقاله قال إنه "غير نادم"، معلنا استعداده لتنفيذ اغتيالات أخرى.

زعم ساماست أنه نفذ الجريمة من تلقاء نفسه بعد أن قرأ في الصحف أخبارا تتهم القتيل بإهانة الهوية التركية التي تعتبرها المادة 301 من قانون العقوبات جريمة، فيما نشرت الصحف بعد الجريمة صور ساماست برفقة رجال أمن يبتسمون أمام العلم التركي، وصورا أخرى التقطت في مركز الشرطة تجمع القاتل بعدد من الضباط يحملون لافتة تحمل مقولة "مصلحة الوطن أغلى من أن تترك للأقدار لتحدد مسارها".

مهزلة المحاكمة
بدأت قضية الاغتيال بمحاكمة 18 متهما عام 2007، وارتفع الرقم إلى 20 شخصا بعد إعداد مذكرات اتهام إضافية بين عامي 2008 و2009، وبعد 4 سنوات قالت المدعي العام حكمت أوسطا :"توصلنا إلى أن إحدى خلايا تنظيم إرغينيكون الإرهابي في طرابزون بقيادة كل من أرهان تونجيل وياسين هايال تقف وراء الاغتيال".
في يوليو 2011 عاقبت المحكمة القاتل ساماست بالحبس 22 عاما و10 أشهر، لعدم وصوله إلى السن القانونية للأهلية، بتهمة القتل العمد وحيازة سلاح غير مرخص، ولم تر المحكمة الاغتيال جريمة منظمة، ورغم تصريح المدعي العام قضت بتبرئة المتهمين من تهمة عضوية تنظيم إرهابي، وأنزلت عقوبة الحبس المؤبد على خيال بتهمة التحريض على القتل، وقضت بحبس تونجيل 10 سنوات و6 أشهر والإفراج عنه في الوقت ذاته بالنظر إلى السنوات التي قضاها في السجن.
وعد إردوغان -رئيس الوزراء وقتها- بالتوسع في التحقيقات وكشف الستار عن المجرمين الحقيقيين في أقصر وقت، إلا أن تبرئة المتهمين من عضوية التنظيم الإرهابي أصاب الرأي العام وعائلة دينك بالصدمة، وأثار المخاوف من إغلاق القضية وطمس الأدلة والخيوط التي تؤدي إلى تنظيم أرجنكون.
طعنت أسرة الضحية على القرار لدى المحكمة العليا، وألغت الدائرة التاسعة للمحكمة في مايو 2013 حكم براءة المتهمين من عضوية تنظيم إرهابي، وطالبت بمحاكمتهم مجددا بتهمة عضوية تنظيم إجرامي بدلا من إرهابي بالإضافة إلى توسيع التحقيقات.
فشلت سلطات القضاء فترة طويلة في استصدار تصريح بالتحقيق مع بعض كبار المسؤولين، وتضمنت قائمة الأسماء في لائحة الاتهام كبار مسؤولي الأمن ومنهم مدير أمن إسطنبول جلال الدين جراح، ومدير شعبة الاستخبارات أنحين دينتش، ومدير أمن طرابزون رشاد آلتاي، ونائب مدير شعبة الاستخبارات حسن دورموش أوغلو وغيرهم.

المحكمة الأوروبية تدين تركيا
مؤيدو دينك اتهموا الدولة بحماية مدبري اغتياله، وطالبوا بتحقيق مفصل للكشف عن المسؤولين المتواطئين، خاصة أن المتهم إرهان تونسل الذي جرت تبرئته هو مخبر شرطة سابق، وادعى أثناء محاكمته أنه حذر جهات الأمن من مخطط الاغتيال لكنها لم تتخذ الإجراءات الضرورية للتصدي للجريمة.

وأخفت حكومة العدالة والتنمية اعترافات "تونسيل" المسجلة لدى الشرطة عن المحكمة بحجة أنها "أسرار دولة"، على الرغم من أن آخر شهادة أدلى بها شددت على أن جريمة الاغتيال كانت من تخطيط وتنفيذ عصابات "إرغينيكون".
تباطؤ الدولة التركية في إعلان ملابسات اغتيال هرانت دفع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إلى إدانتها لتقاعسها عن توفير الحماية للصحافي الأرمني، ونص قرارها على أن "السلطات كانت على علم بأن متطرفين يخططون لعملية الاغتيال، لكنها لم تتخذ الإجراءات الكفيلة بحمايته"، وقضت بتغريم أنقرة تعويضا لأسرة الصحافي القتيل قيمته 105 آلاف يورو.

خطة إردوغان الخبيثة
عقب الحادثة، قال إردوغان "إن الواقعة تشكل اعتداء على حرية التعبير في تركيا، وتستهدفنا جميعا وتهدد وحدتنا واستقرارنا وحياتنا الديموقراطية"، ووعد بأن "عملية القتل لن تتوه في ظلمات أنفاق أنقرة"،  كما زعم أن عملية الاغتيال ضمن المساعي الرامية إلى إثارة الفتنة والعنف والإضرار بالديموقراطية في تركيا، مدعيا وقوف حركة الخدمة بزعامة المعارض فتح الله غولن وراءها.
في 11 ديسمبر 2014 اتهمت صحيفة آغوس إردوغان باستخدام قضية اغتيال دينك سلاحا ضد حركة الخدمة، ضمن "خطة خبيثة تجعل أكبر قضايا العدل في البلاد أداة تحقيق مصالح سياسية".
رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض حينها دنيز بايكال، اتهم إردوغان بالتغاضي عن تهديد دينك وعدم اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع اغتياله، على الرغم من وصول بلاغ إلى الأجهزة الأمنية يفيد بوجود مخطط لقتله.
بينما الأحزاب الكردية أعادت طرح ملف جنايات ارتكبتها تنظيمات مسلحة ذات صلة بما يسمى الدولة العميقة في المناطق الشرقية والجنوبية ذات الأغلبية الكردية بحجة مكافحة حزب العمال الكردستاني، وطالبت بتوسيع التحقيقات لتشمل الاغتيالات السابقة.

وكتب رئيس تحرير صحيفة بوجون السابق آدم يافوز أرسلان كتابا مستقلا عن الحادثة، ورأى أن اغتيال المثقف الأرمني أحد العمليات الصادمة التي ارتكبتها الدولة العميقة أو تنظيم إرغينكون.

الحكم النهائي
في عام 2012، اعتبرت المحكمة القضية جنائية لا سياسية، وحكمت بالسجن المؤبد على المتهم الأول بتهمة القتل العمد مع الإصرار والترصد، وبرأته من تهمة الانتماء لتنظيم مسلح، وأفرجت عن 19 متهما آخر، وفي وقت لاحق صدر حكم بالإفراج عن ساماست، باعتباره قاصرا لم يبلغ الثامنة عشرة عند ارتكابه الجريمة، حيث أتمها بعد حادث الاغتيال ببضعة أسابيع، فيما استبعد القضاة تماما فرضية تورط أجهزة الدولة الرسمية، وأغفل معطيات تشير بأصابع الاتهام إلى مسؤولين في الدولة ما تسبب في غضب عارم في كل الأوساط.

فضح القتلة الحقيقيين
عقب غلق القضية، قالت أسرة دينك "إنها مسرحية كنا نتوقع وصولها إلى هذه النهاية، كنا نراهن على دخول البعض على الخط لتغيير مسارها في اللحظة الحاسمة وإنقاذ نفسه من الورطة"، وقال أحد محاميي دينك :"القاتل ليس إلا الأصبع الذي ضغط على الزناد"، مشيرا إلى وجود أياد رسمية وراء الاغتيال، وقالت محامية عائلة الضحية فتحية تشتين :"لم نكن نتوقع الحكم، من كانوا يبدون انزعاجهم بسبب نعت تركيا بأوصاف كالقتل وقصف المواطنين والإرهاب، لم يفعلوا شيئا لتلافي تلك الأوصاف وأهدروا فرصة كبيرة، ورأينا أن النظام القائم لم يتغير، اليوم انتهت صفحة من عقاب القتلة، لكن المحكمة الحقيقية تبدأ الآن"، وتابعت "انكشف القتلة الحقيقيون الذين يحاولون الاختباء في الظلام بكل عريهم، القضية لم تنته بعد"، وشددت هيئة الدفاع  على أن  القتل ناتج عن نقد الضحية لسياسات الدولة تجاه الأقليات، وأنه لو توقف عن نقده لما تعرض للقتل، وأن الاغتيال ضمن مخطط شمل قتل رجل دين مسيحي إيطالي في تركيا عام 2006، و3 رجال دين مسيحيين آخرين في مدينة مالاطيا 2007.

Qatalah