يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


زينل بك قائد تركماني قتله العثمانيون بأمر السلطان الغازي محمد الثاني، وسفكوا دماء الآلاف من جنود جيشه المسلم، لبسط نفوذهم في الأناضول خلال معركة طرخان العام 1473، ويتاجر حفيدهم إردوغان برفاته مؤخرا لنقل مقبرته بذريعة إنقاذ الآثار من الغرق بسبب سد إليسو.

وسائل الإعلام الموالية لإردوغان تابعت نقل المقبرة من مقرها القديم في حصن كيفا إلى الحديقة التاريخية في المدينة مايو 2017، في محاولة لتجميل صورة رجب أمام الرأي العام الدولي الذي يهاجم إقامة سد إليسو على نهر دجلة، وآثاره السلبية المدمرة، ودوره في تعطيش العراق وضربه بالجفاف.

ظهر عداء العثمانيين الجدد لكل مظاهر الحضارة والتراث الإنساني في أثناء نقل آثار المدينة، فرغم إنشاء حديقة حصن كيفا لاستقبال الآثار المنقولة، على بعد ميل من شمال المدينة المهددة بالغرق، أعلنت أنقرة نقل 12 بناية تاريخية فقط، متجاهلة عشرات البنايات الأثرية الأخرى.

توحيد الترك
العثمانيون الجدد بزعامة إردوغان تعمدوا إغراق حصن كيفا، فيما أثارت مقبرة زينل بك وقبيلته الآق قويونلو اهتمام المتابعين، حيث خاضت صراعا مريرا مع الدولة العثمانية، وكانت تنافسها على السلطة والسيادة، ما يضع علامات استفهام أمام احتفاء إردوغان بالمنافس التاريخي للدولة التي يسعى لإحياء أمجادها الزائفة.

منذ تأسيس الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك، ركز المؤسس على كتابة تاريخ قومي لتركيا يتجاوز التاريخ العثماني إلى آفاق "الوجود التركي"، الجمعية التاريخية التركية، وهي مؤسسة علمية أسسها أتاتورك لتنفيذ غرضه، لعبت دورا بارزا في إظهار دور قبائل الترك الوثنية مثل "الآفار والقراخانيين".

مؤسسة أتاتورك عملت على إظهار دور الإمبراطورية السلجوقية التي انبثقت عنها سائر إمارات الغزاة الأوك التركمانية في آسيا الصغرى ومن بينها دولة آل عثمان، وكان التجديد الأهم الذي أحدثته الأيديولوجية القومية لأتاتورك هو تخطي حقيقة الصراع الداخلي بين التركمان واعتبار أن جميع قبائها كانوا "أبطالا للقومية التركية".

إردوغان رغم انتمائه إلى تيار ديني متطرف يضع الدولة العثمانية في موقع مركزي من مشروعه السياسي والاجتماعي لدرجة إطلاقه مصطلح "العثمنة الجديدة" على مشروعه طوال العقدين الأخيرين، إلا أنه استعان بالدعايات القومية التي استخدمها أتاتورك في ثلاثينيات القرن الماضي.

من جهة ثانية، يحاول إردوغان عبر نقل مقبرة زينل بك إلى تجميل صورته أمام الأسرة الدولية الرافضة لإنشاء سد إليسو على نهر دجلة لما له من آثار كارثية بيئيا وإنسانيا.

ظلم التركمان
تاريخ قبيلة الآق قويونلو المتحدر منها زينل بك يكشف ظلم ودموية العثمانيين وتناقضهم على مدار التاريخ، لم ينظروا إلى رفاقهم من التركمان باعتبارهم "أخوة الدم"، ومنذ البداية اعتبرتهم ألد أعدائها داخل الأناضول، وكانت الصدامات الدامية بين آل عثمان والإمارات التركمانية ومن بينها قبيلة الخروف الأبيض خير شاهد على ذلك.

ظهرت الآق قويونلو لأول مرة شرقي الأناضول العام 1340، وبعد نحو 40 عاما حولها زعيمها قرة عثمان إلى تجمع فيدرالي قبلي تركماني، تمكن لاحقا من فرض سطوته فوق شمال العراق وإيران وأذربيجان، إضافة إلى شرق الأناضول نفسه، لمدة طويلة امتدت حتى العام 1508. 

سار قرة عثمان على نهج آل عثمان، وفضل الزواج من أميرة بيزنطية لتثبيت وجوده السياسي في الأناضول بمصاهرة أصحاب الأرض الأصليين، وفي العام 1402 وأثناء غزو تيمورلنك العاصف لمنطقة الهلال الخصيب، دخل قرة عثمان في طاعته، فمنحه حكم ولاية ديار بكر الواقعة شمال العراق.
 
أعقبت وفاة قرة عثمان حربا أهلية في العام 1435، وتمكن أوزون حسن بك من الوصول إلى العرش، وتوجه إلى التوسع العسكري الذي سجل بطولات قبيلة الآق قويونلو اعتبارا من خمسينيات القرن الـ 15.

انتصر حسن بك على جيهان شاه زعيم قبيلة قرة قويونلو (الخروف الأسود) في غرب إيران وأذربيجان، وجدد انتصاره على أبو سعيد  التيموري ما مكنه من إخضاع إيران بالكامل، ثم تمدد جنوبا وسيطر على بغداد والعراق والخليج العربي. 

في الوقت نفسه، قرر السلطان محمد الثاني بعد غزو القسطنطينية التطلع إلى شرق الأناضول وإنهاء وجود منافسيه من الأمراء التركمان، ما كان يعني إخضاع آسيا الصغرى بالكامل للعثمانيين.

تناقضت خطوة السلطان الغازي مع فكرة الجهاد التي رفعها آل عثمان منذ البداية لتسويغ توسعهم العسكري، لأن أمراء التركمان وعلى العكس من البيزنطيين كانوا يشتركون مع السلطان في المعتقد الإسلامي والعرق.

الحقيقة أن الآباء المؤسسين للدولة، مثل الأمير عثمان والأمير مراد الأول، قادوا الحملات ضد التركمان وضد القلاع البيزنطية دون تفرقة، ما يؤكد أن الأمر لم يكن في نظر العثمانيين سوى صراع سياسي بحت، لا يهتم بدين الخصم.

كانت الأناضول مسرحا واسعا للصراعات التركمانية البيزنطية، وعقب حسم آل عثمان للصراع، انقضوا على التركمان، وكان الصراع بين السلطان الغازي وأمراء التركمان شرسا وبلا قوانين. 

عندما حرك محمد الثاني قواته شرقا، كان أشد منافسيه هم القرمانيين في وسط الأناضول، ثم الآق قويونلو في شرقه، فتحالفت الإمارتان ضد إسطنبول، بل إن أوزون حسن كان يطمح إلى التعاون مع البنادقة لتطويق الدولة العثمانية من الغرب والشرق. 

لم تقدم جمهورية البندقية أية مساعدات عسكرية، ما أدى لهزيمة أوزون على يد القوات العثمانية في معركة طرخان (مدينة ماما خاتون حاليا) في العام 1473، وقتل ابنه في المعركة وهو زينل، فأمر ببناء مقبرة لإحياء ذكراه في حصن كيفا، وهي نفسها المقبرة التي تم نقلها في العام 2017.

نهاية الآق قويونلو
رغم الهزيمة، فإن الفاتح لم يكن قادرا على غزو إمارة الآق قويونلو بشكل كامل، وكان الصراع يتجدد على فترات متقطعة ولكن بحدة أخف من عهد زينل بك. 

أعقب حكم يعقوب بك زعيم الآق قويونلو صراعا داخليا على العرش بين ورثته "مراد وألواند ومحمد"، انتهت بتقسيم الإمارة إلى شرقية في إيران برئاسة ألواند، وغربية برئاسة مراد بك في ماردين بديار بكر. 

مثل الشاه إسماعيل الصفوي في إيران القوة التي قدر لها الإجهاز النهائي على الآق قويونلو، ففي العام 1502 بدأ الشاه في تنفيذ خطته التوسعية غربا، وكان فرع قبيلة الخروف الأبيض في فارس أول ما اصطدم به في ساحات الحرب.

دارت المعركة بالقرب من نقشي وان، وهزم ألواند على يد الشاه الصفوي، حيث دمر فرع القبيلة في ماردين العام 1503، وفي العام نفسه انهزم مراد أمام الشاه إسماعيل وفر هاربا إلى بغداد، واصل الشاه هجومه جنوبا باتجاه العراق واحتل بغداد، وعاد مراد بك مرة أخرى إلى ديار بكر في العام 1508 حيث كان آخر من حكم الآق قويونلو. 

كان سقوط الآق قويونلو حدثا حاسما في تاريخ المنطقة، حيث فتح الباب لأول مرة للصدام الكبير بين الصفويين والعثمانيين على الهلال الخصيب، وحسم آل عثمان الصراع بقيادة سليم الأول، وتحولت أنظارهم إلى مصر والعراق، لتغرق المنطقة العربية بالكامل في قرون الجهل والظلم والاستبداد العثمانلي.

Qatalah